قريب على مدى بعيد - انها انا ريا - بقلم Mikami | روايتك

اسم الرواية: قريب على مدى بعيد
المؤلف / الكاتب: Mikami
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: انها انا ريا

انها انا ريا

الفصل الأول: استيقظت ريا ذلك الصباح على صوت العصافير التي اعتادت أن تحط على شجرة التوت الكبيرة أمام نافذة غرفتها. فتحت عينيها ببطء، ثم مدت يدها إلى هاتفها لتطفئ المنبه قبل أن يوقظ بقية أفراد المنزل. كانت الساعة السادسة صباحًا. جلست على طرف السرير، وأزاحت خصلات شعرها البني الطويل عن وجهها، ثم نظرت إلى المرآة المقابلة لها. لم تكن من الفتيات اللواتي يقضين ساعات أمام المرآة، لكنها كانت تهتم بمظهرها وترتيبها. ابتسمت لنفسها ابتسامة خفيفة قبل أن تنهض متجهة إلى نافذة غرفتها. كان ضوء الشمس يتسلل ببطء فوق أسطح المنازل، والمدينة ما زالت تستيقظ من نومها. تنهدت بهدوء. كانت هذه عادتها منذ سنوات؛ الوقوف أمام النافذة في بداية كل يوم، وكأنها تبحث عن شيء لا تعرفه. ريا فتاة في الحادية والعشرين من عمرها، تدرس في كلية الآداب بجامعة المدينة. عرفت بين أسرتها بالهدوء والرزانة وحب الدراسة. لم تكن كثيرة الكلام، لكنها كانت تملك قلبًا دافئًا يجعل الجميع يرتاحون لها بسرعة. عاشت ريا وسط عائلة مترابطة. والدها فؤاد رجل محترم يعمل موظفًا إداريًا، عرف بحكمته وهدوئه بين الأقارب. أما والدتها نوال فكانت امرأة حنونة لا تتوقف عن الاهتمام بأبنائها مهما كبروا. لريا أخوان؛ أيمن، الأخ الأكبر، شاب مسؤول يعمل مع والده ويساعده في كل شيء. وعمر، الأخ الأصغر، الذي كان مصدر الضجيج الدائم في المنزل. رغم أن المنزل لم يكن كبيرًا، إلا أنه كان مليئًا بالدفء والحياة. نزلت ريا إلى المطبخ لتجد والدتها تحضر الفطور. صباح الخير يا أمي. التفتت نوال مبتسمة. صباح النور يا ابنتي. استيقظتِ مبكرًا كالعادة. ساعدتها ريا في ترتيب المائدة قبل أن يجتمع أفراد الأسرة واحدًا تلو الآخر. كان هذا المشهد يتكرر كل صباح تقريبًا. ضحكات عمر. ملاحظات أيمن الجدية. أسئلة الأم المتكررة عن الجامعة. ونصائح الأب التي لا تنتهي. ورغم تكرارها، كانت ريا تحب هذه التفاصيل الصغيرة. لكن قصة ريا لم تبدأ هنا. بل بدأت قبل سنوات طويلة. حين كانت طفلة صغيرة تركض بين بيوت العائلة في الأعياد والمناسبات. منذ صغرها كانت مختلفة قليلًا عن بقية الأطفال. بينما كان الأطفال يقضون أغلب وقتهم في اللعب، كانت ريا تحب الجلوس مع الكتب والقصص. في سن السادسة تعلمت القراءة بسرعة أدهشت معلماتها. وفي المرحلة الابتدائية كانت دائمًا من المتفوقات. لم تكن تحب المنافسة بقدر ما كانت تحب التعلم نفسه. كانت تسأل كثيرًا. وتقرأ كثيرًا. وتحلم كثيرًا. وحين انتقلت إلى المرحلة المتوسطة أصبحت أكثر نضجًا. بدأت تدرك العالم من حولها بشكل مختلف. تعرفت على صديقات كثيرات، لكن أقربهن كانت فتاة تدعى هناء. قضتا سنوات الدراسة معًا، تتشاركان الكتب والأحلام والقلق من الامتحانات. أما في الثانوية فقد أصبحت الدراسة جزءًا أساسيًا من حياتها. كانت تستيقظ قبل الجميع. تنظم وقتها بدقة. وتقضي ساعات طويلة في المراجعة. حتى حصلت على معدل مكنها من دخول الجامعة التي حلمت بها. يوم إعلان النتائج كان من أسعد أيام حياتها. احتضنتها والدتها بفخر. أما والدها فكانت ابتسامته وحدها كافية لتخبرها كم كان سعيدًا. دخلت الجامعة لتبدأ مرحلة جديدة تمامًا. عالم مختلف. وجوه جديدة. أحلام أكبر. وأهداف أكثر وضوحًا. أحبت الحياة الجامعية رغم صعوبتها. كانت تقضي ساعات طويلة بين المحاضرات والمكتبة. وكان أساتذتها يثنون دائمًا على اجتهادها. لكن رغم انشغالها بالدراسة، بقي هناك شيء في داخلها لا تستطيع تفسيره. شعور غامض يشبه انتظارًا طويلًا. كأن قلبها كان ينتظر حدثًا لم يأتِ بعد. بعد انتهاء محاضرات ذلك اليوم، عادت ريا إلى المنزل متعبة. وضعت حقيبتها في غرفتها ثم جلست قرب النافذة. بدأت الشمس تميل نحو الغروب. وتحولت السماء إلى لوحة من الألوان البرتقالية والوردية. أغمضت عينيها للحظات. لم تكن تعلم أن الأيام القادمة ستحمل معها تغيرات لم تتوقعها. ولم تكن تعلم أن شخصًا عرفته منذ طفولتها سيعود ليقلب حياتها رأسًا على عقب. شخص ظنت أن السنوات أبعدته. لكن القدر كان يخبئ لهما لقاءً جديدًا. لقاء سيعيد إلى الحياة قصة لم تبدأ بعد.