الفصل الاول: الدعوة
وصلت الدعوة في صباح هادئ من أيام الخريف.
كانت نورا بينيت جالسة قرب النافذة عندما سمعت صوت صندوق البريد يُغلق في الخارج. لم تهتم في البداية، فقد كانت منشغلة بإنهاء آخر صفحات كتاب كانت تقرؤه، لكن فضولها غلبها بعد دقائق.
وضعت الكتاب جانبًا وتوجهت إلى الباب.
بين الرسائل المعتادة والفواتير والإعلانات، كان هناك ظرف بلون عاجي أنيق.
لم يكن يحمل شعار شركة.
ولا اسم مؤسسة.
ولا أي شيء مميز.
فقط اسمها مكتوب بخط جميل ومنظم.
عادت إلى الداخل وفتحت الظرف بحذر.
كانت الرسالة قصيرة.
دعوة لقضاء عطلة نهاية أسبوع في قصر هارلين.
رفعت حاجبيها قليلًا.
لم تكن تتلقى دعوات إلى القصور كل يوم.
أعادت قراءة الرسالة مرة أخرى، ثم وضعتها فوق الطاولة.
"حسنًا..." قالت لنفسها مبتسمة. "هذا مختلف."
---
بعد أيام قليلة، كانت السيارة تشق طريقها عبر الريف.
جلست نورا قرب النافذة تراقب المناظر التي تمر أمامها.
حقول واسعة.
أشجار طويلة.
قرى صغيرة متباعدة.
ومع كل كيلومتر كانت المدينة تبتعد أكثر.
أحبت ذلك.
كانت تحب الأماكن الهادئة.
الأماكن التي لا تستعجل أحدًا.
عندما ظهر القصر أخيرًا من بعيد، ظنت في البداية أنه مجرد جزء من التل.
كان حجمه أكبر مما توقعت.
مبنى حجري واسع تحيط به الأشجار والحدائق من كل جانب.
لا يبدو فخمًا بطريقة متكلفة.
بل بطريقة هادئة وواثقة.
كأنه لا يحتاج إلى إبهار أحد.
توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي.
نزلت نورا وهي تحمل حقيبتها الصغيرة.
رفعت رأسها نحو المبنى.
ثم ابتسمت.
"أعتقد أن عطلة نهاية الأسبوع هذه ستكون ممتعة."
---
في الداخل كان القصر أكثر دفئًا مما يبدو من الخارج.
استقبلها أحد الخدم وقادها إلى القاعة الرئيسية.
في الطريق مرت بعدة ممرات مزينة بلوحات وصور قديمة.
كانت بعض الصور لأشخاص لم تسمع بأسمائهم من قبل.
بينما أظهرت صور أخرى مناظر طبيعية وقوارب ومبانٍ قديمة.
توقفت للحظة أمام لوحة بحرية كبيرة.
سفينة شراعية وسط ضباب خفيف.
"جميلة، أليس كذلك؟"
التفتت لتجد رجلًا يقف خلفها.
كان في منتصف العمر، أنيق المظهر، ويحمل كوب قهوة.
"جميلة جدًا." أجابت.
ابتسم الرجل.
"فيكتور هارلين."
صافحته.
"نورا بينيت."
"يسرني لقاؤك. أتمنى أن يعجبك القصر."
نظرت حولها.
"حتى الآن؟ نعم."
ضحك بخفة.
"هذا جيد. بعض الضيوف يضيعون في الممرات خلال اليوم الأول."
"هل هو كبير لهذه الدرجة؟"
"ستكتشفين ذلك بنفسك."
---
مع مرور الوقت بدأ الضيوف الآخرون بالوصول.
امتلأت القاعة بالأحاديث والتحيات.
تعرفت نورا على إيلينا هارلين، التي رحبت بالجميع بلطف، ثم على مارك دوفال الذي بدا قادرًا على بدء محادثة مع أي شخص في أي وقت.
أما الدكتور لوران ميسون فكان هادئًا بطبعه، لكنه لم يرفض المشاركة في الأحاديث عندما يُسأل عن رأيه.
وفي زاوية القاعة جلس سيباستيان فيرنو يرسم شيئًا في دفتر صغير.
لم تعرف ماذا يرسم.
ولم تسأله.
كان يبدو سعيدًا بما يفعله.
---
مر الوقت بسرعة.
وفي لحظة ما أدركت نورا أنها نسيت النظر إلى الساعة منذ وصولها.
كانت هذه علامة جيدة.
فعندما تستمتع بمكان ما، كانت الساعات تمر دائمًا دون أن تشعر بها.
وبينما استمرت الأحاديث والضحكات في القاعة، شعرت لأول مرة منذ مدة طويلة بأنها لا تحتاج إلى التفكير في أي شيء مهم.
كل ما عليها فعله هو الاستمتاع بعطلة نهاية أسبوع هادئة.
استأذنت نورا بعد فترة قصيرة من الجلوس في القاعة.
لم تكن متعبة، لكنها كانت من النوع الذي يحب التعرف على المكان بنفسه قبل أن يستقر فيه.
أشار لها أحد الخدم إلى السلم الرئيسي.
"غرف الضيوف في الطابق الثاني، آنسة بينيت."
شكرته وبدأت بالصعود.
كان السلم عريضًا ومغطى بسجاد داكن اللون، بينما امتدت على الجدران صور لأشخاص عاشوا في القصر عبر أجيال مختلفة.
لم تكن تعرف أحدًا منهم.
ومع ذلك، وجدت نفسها تتوقف أحيانًا أمام بعض الوجوه أكثر من غيرها.
ربما لأن الرسامين كانوا بارعين.
أو لأن بعض الأشخاص يملكون ملامح يصعب نسيانها حتى بعد مئة عام.
وصلت إلى الطابق الثاني.
كان الممر طويلًا ومستقيمًا، تتوزع على جانبيه الأبواب الخشبية المصقولة.
فتح لها أحد الخدم باب غرفتها.
كانت الغرفة واسعة ومضيئة.
نافذة كبيرة تطل على الحديقة.
مكتبة صغيرة.
ومكتب خشبي قرب النافذة.
وضعت حقيبتها فوق السرير ثم اقتربت من الزجاج.
في الخارج كانت الأشجار تتحرك ببطء مع الرياح الخفيفة.
أما الحديقة فبدت مرتبة بعناية، كأن أحدًا لا يزال يهتم بكل زاوية فيها.
ابتسمت.
كانت تحب الأماكن التي يُعتنى بها.
---
بعد أن رتبت بعض أغراضها، قررت استكشاف القصر قليلًا.
لم يكن هناك برنامج محدد لليوم، ومعظم الضيوف كانوا ما يزالون يصلون أو يستقرون في غرفهم.
بدأت بالمكتبة.
وجدتها خلف باب مزدوج في نهاية أحد الممرات.
وكانت أكبر مما توقعت.
رفوف طويلة تصل إلى السقف.
مئات الكتب.
ورائحة الورق القديم التي لا تخطئها.
اقتربت من أحد الرفوف وأخذت تتفحص العناوين.
روايات.
كتب تاريخ.
مجلدات قديمة.
وحتى بعض الخرائط.
مر وقت لا بأس به قبل أن تدرك أنها وقفت في المكان نفسه منذ عدة دقائق.
ضحكت بخفة.
"لو بقيت هنا سأقضي العطلة كلها بين الكتب."
أعادت الكتاب إلى مكانه وغادرت المكتبة.
---
في الممر المؤدي إلى الحديقة التقت بسيباستيان فيرنو.
كان يجلس قرب نافذة طويلة ويرسم.
رفع رأسه عندما سمع خطواتها.
"هل اكتشفتِ القصر كله؟"
سألها مبتسمًا.
"ليس بعد. أظن أنني اكتشفت نصفه فقط."
"هذا إنجاز جيد."
أغلق دفتره.
"أنا هنا منذ ساعات وما زلت أضيع."
ضحكت نورا.
"ظننت أن الفنانين يملكون حس اتجاهات أفضل."
"بل العكس."
رد فورًا.
"نحن نضيع بسهولة، لكننا نستمتع بذلك."
أعجبتها الإجابة.
وبعد دقائق من الحديث القصير افترقا كل في طريقه.
---
مع اقتراب المساء بدأت أشعة الشمس تميل نحو اللون الذهبي.
صار القصر أكثر هدوءًا.
واختفت أصوات الحركة شيئًا فشيئًا.
واصلت نورا جولتها دون هدف معين.
كانت تمر من ممر إلى آخر، وتتوقف أحيانًا أمام نافذة أو لوحة أو قطعة أثاث قديمة.
في أحد الأروقة الجانبية لاحظت شيئًا صغيرًا على عمود خشبي قرب الجدار.
لم يكن واضحًا من بعيد.
اقتربت أكثر.
كان مجرد نقش بسيط.
ثلاثة أشكال هندسية محفورة بعناية:
△ ○ ◇
تأملتها للحظة.
بدت كزخرفة قديمة أو علامة تخص أحد البنائين الذين عملوا في القصر منذ زمن طويل.
أخرجت هاتفها والتقطت صورة لها.
كانت من النوع الذي يحتفظ بصور الأشياء الغريبة أو الجميلة التي يصادفها أثناء السفر.
ثم أعادت الهاتف إلى جيبها وأكملت طريقها.
لم تفكر في الأمر أكثر.
---
عندما عادت نحو القاعة الرئيسية كانت الأضواء قد بدأت تُشعل في أنحاء القصر.
التقت في الطريق بإيلينا هارلين التي كانت تتحدث مع إحدى الخادمات.
ابتسمت لها إيلينا قائلة:
"أرجو ألا تكوني قد ضعتِ."
ضحكت نورا.
"مرتين تقريبًا."
"هذا أفضل من بعض الضيوف."
قالت إيلينا مبتسمة.
"في إحدى السنوات احتجنا نصف ساعة للعثور على ضيف اختفى داخل المكتبة."
"أتمنى ألا أحقق هذا الرقم القياسي."
"ما زال أمامك يومان."
تبادلتا الضحك قبل أن تتابعا طريقهما.
---
وبينما كانت نورا تقترب من الدرج الرئيسي، دوى صوت ساعة القصر القديمة معلنًا حلول المساء.
تردد الصوت عبر الممرات الواسعة للحظات قبل أن يختفي.
وفي الطابق السفلي بدأت أصوات الضيوف تتجمع من جديد.
كان الجميع يستعد للعشاء الأول.
عدلت نورا كمّ سترتها ونزلت الدرج بهدوء.
لم تكن تعرف الكثير عن الأشخاص الذين ستجلس معهم حول المائدة بعد دقائق.
لكنها كانت متأكدة من شيء واحد.
أن عطلة نهاية الأسبوع هذه بدأت بداية جميلة.