مستنقع الجثث _طقوس الموت العبثي
رغم الكابوس الثاني، بدأت العلاقة بين الأسيرة وآسرها تتخذ منحنى سيكولوجياً معقداً، يشبه متلازمة ستوكهولم لكن بطابع ما وراء طبيعي. كانت جوليا ترى في أرثر امتداداً لفضولها؛ فهو الكائن الوحيد الذي يملك مفاتيح العوالم التي تسعى لاكتشافها. أما أرثر، فقد كان يراقب فضولها بكبرياء مظلم، كأنه يرى فيها الوحيدة المؤهلة لفهم مملكته.
لكن الفضول كان أقوى من الوعي. في ليلة غاب فيها أرثر لتقديم القرابين لوحوش الأعماق، نزلت جوليا إلى السرداب للمرة الثالثة. لمست الباب الثالث الذي يحمل رمز قدم مبتورة. انفتح الباب ليدفع بها إلى مستنقع الجثث الراقصة.
كانت الأجواء هناك عبارة عن مغيب دائم بلون الدم الحامض. الأرض لم تكن سوى مياه آسنة سوداء لزجة تمتد إلى الأفق، ينبعث منها ضباب أخضر سام. في وسط المستنقع، كانت هناك مئات الهياكل العظمية والجثث شبه المتحللة تقف منتصبة.
فجأة، وبدون أي مقدمات، بدأت موسيقى غريبة وغير مرئية تعزف في الفضاء؛ أصوات طبول مصنوعة من جلود بشرية، ونايات تعزف ألحاناً جنائزية مرعبة. ومع بدء الموسيقى، بدأت الجثث والهياكل العظمية تتحرك وتتراقص بحركات هستيرية وعبثية فوق الماء.
لم تكن رقصة عادية، بل كانت حركات عنيفة تتكسر فيها العظام وتتمزق بها الأنسجة المتبقية. انجذبت جوليا بفعل السحر الموسيقي للمكان، وشعرت بجسدها يتحرك رغماً عنها. بدأت قدميها تخوضان في المياه الآسنة، وتتحركان على نفس الإيقاع الجنوني. شعرت بأن عظامها تكاد تنخلع من مكانها، وأنها إذا استمرت في الرقص لبضع دقائق أخرى، سيموت قلبها من الإجهاد وتنضم إلى هذه الفرقة الميتة للأبد.
بدأت الجثث الراقصة تحيط بها، تمسك بيديها وتجرها إلى عمق المستنقع وهي تبتسم بفكوكها العارية. وفجأة، سُمع صوت خوض عنيف في الماء. كان أرثر يسير فوق مستنقع الموت وكأنه يمشي على أرض صلبة.
لم يستخدم سيفه هذه المرة، بل أطلق صيحة ملكية مرعبة هزت أرجاء المستنقع، فتوقفت الموسيقى فوراً، وسقطت الجثث كدمى قطعت حبالها وغاصت في المياه السوداء. أمسك بجوليا التي كانت على وشك الانهيار من التعب والتمزق العضلي، ونظر في عينيها بقسوة وقال:
"هنا ترقص الأرواح التي رفضت الامتثال لأمري في الحياة. هل ترغبين في أن تكوني شريكتهم في الرقصة الأبدية يا جوليا؟"
لم تجب، بل ارتمت في حضنه غائبة عن الوعي، معلنة استسلامها لإنقاذه الثالث.