سِيكُوبَاتِي خَلْفَ البَوَابَاتِ السَّبْعَة - متاهة الصدى المخنوق_أصوات من الماضي - بقلم رميساء أبوالوفاء | روايتك

اسم الرواية: سِيكُوبَاتِي خَلْفَ البَوَابَاتِ السَّبْعَة
المؤلف / الكاتب: رميساء أبوالوفاء
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: متاهة الصدى المخنوق_أصوات من الماضي

متاهة الصدى المخنوق_أصوات من الماضي

لم يدم درس الغابة الأولى طويلاً؛ فالغريزة الفضولية لدى جوليا كانت أشبه بمرض عقلي يرفض الشفاء، يغذيها شعور داخلي مبطن بأن أرثر لن يسمح بموتها بعد أن أنقذها. بعد أسبوعين من العزلة، تسللت جوليا مجدداً في غياب أرثر نحو السرداب. هذه المرة، قادها بريق الرمز الثاني الذي يشبه أذناً مقطوعة. وضعت يدها عليه، وفتح الباب الثاني: متاهة الصدى المخنوق. ​بمجرد أن خطت خطوتها الأولى، اختفى القصر تماماً. وجدت جوليا نفسها في متاهة لا نهاية لها من الممرات الضيقة شديدة الارتفاع. لم تكن الجدران مبنية من الحجارة، بل كانت مرصوفة بآلاف الجماجم والعظام البشرية البيضاء المتشابكة بإحكام. ​في البداية، ساد صمت مطبق ومخيف، صمت يضغط على طبلة الأذن حتى يكاد يثقبها. ثم بدأ "الصدى". ​لم يكن صداً عادياً، بل كانت أصواتاً تخرج من بين شقوق العظام. أصوات نسائية مألوفة.. أصوات الضحايا اللواتي قتلهن أرثر في العالم البشري. بدأت الأصوات تتسلل إلى داخل رأس جوليا مباشرة دون حاجة لأذنيها: "جوليا.. إنه يخدعكِ.. لقد قطع عنقي بسكينه البارد.. انظري إلى عظامي هنا في الجدار.. أنتِ التالية.. الجمال عنده قرابين للمملكة.. سيمزقكِ!" ​ركضت جوليا في الممرات الفسيحة، وضعت يديها على أذنيها لتمنع الأصوات من اختراق عقلها، لكن بلا جدوى. الأصوات كانت تدوي من الداخل. وكلما ركضت، بدأت الجدران العظمية تتقارب وتضيق، كأن المتاهة تتنفس وتستعد لسحقها وتحويل عظامها إلى جزء من الجدار. ​بدأت جوليا تفقد توازنها العقلي، وبدت ظلال كائنات طائرة بلا أجساد، مجرد وجوه مشوهة من الدخان، تحلق فوقها وتتغذى على طاقة يأسها وهستيريتها. سقطت على ركبتيها وسط الممر الضيق الذي كاد يطبق عليها، ولم تجد في وعيها المتهالك سوى اسم واحد تصرخ به بأعلى صوتها: "أرثر!!!" ​في تلك اللحظة الحرجة، تحطمت الجدران العظمية أمامها كقطع الزجاج. برز أرثر من بين الركام، وعيناه تشعان بظلام دامس قطع كل الأصوات المحيطة. لم يتكلم، ولم يوبخها هذه المرة. تقدم بنظرات تحمل مزيجاً من الجنون والشفقة السادية، وانحنى ليحملها بين ذراعيه القويتين وضّمها إلى صدره بإحكام شديد. ​لأول مرة، شعرت جوليا بنبضات قلبه؛ كانت سريعة وغير منتظمة، كأن هذا القاتل السيكوباتي البارد يختبر الخوف لأول مرة في حياته.. الخوف من فقدانها. تلاشت المتاهة تدريجياً ليعودا إلى غرفتها الحمراء، تاركين خلفهما أصوات الموتى.