لعنة العيون - حياته - بقلم ملاك منياني | روايتك

اسم الرواية: لعنة العيون
المؤلف / الكاتب: ملاك منياني
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: حياته

حياته

بعد سنتين من ترسيم أومورود. كانت تجلس في حديقة قصرها الوارفة، حيث تتشابك أغصان الأشجار المثمرة فوق الممرات الحجرية، وتنتشر الزهور الملونة كأنها قطع من لوحة مرسومة بعناية. أمامها طاولة شاي أنيقة ازدحمت بأصناف لا تُحصى من الحلويات؛ بعضها مغطى بطبقات من العسل، وبعضها مرصع بالفواكه المجففة والمكسرات، بينما تصاعد بخار الشاي المعطر ليضفي على المكان هدوءًا مريحًا. جلست إلى جوارها ميا، صاحبة العينين الزرقاوين، تتبادلان أطراف الحديث بين حين وآخر. وفجأة قالت ميا: -عزيزتي أومورود، هل تعرفين شيئًا؟ رفعت أومورود فنجانها دون أن تنظر إليها. لا أنا لا اعرف و لا أريد ان أعرف. ضحكت ميا. لا تكوني جافة المشاعر يا أومو. إذًا أخبريني مباشرة، بلا مقدمات. أخذت ميا قطعة حلوى صغيرة، ثم قالت بعد لحظة تردد: حسنًا... ألم تفكري يومًا فيمن صنع نظام آيزلاند؟ توقفت يد أومورود في منتصف الطريق إلى فمها. نظام... آيزلاند؟ أجل. ومنذ متى بدأ أصلًا؟ ولماذا قبله الشعب دون اعتراض؟ رفعت أومورود حاجبًا واحدًا. أتدركين أنك أول المتضررين لو قرر الناس يومًا الثورة على هذا النظام؟ ابتسمت ميا ابتسامة باهتة. أجل... لكنني أتساءل فقط. وضعت أومورود فنجانها على الطاولة بهدوء. إن سمع أحد هذه التساؤلات، فقد ينفصل رأسك عن جسدك قبل أن تنتهي من جملتك. ثم رفعت يدها مقاطعة أي رد قد يصدر من صديقتها. ولا تقولي إنك تمزحين، لأنك لا تمزحين. ساد الصمت للحظات. كانت ميا تعرف أن أومورود محقة. فخلف ابتسامة الأميرة الهادئة وملامحها اللطيفة، كان يوجد جانب آخر لا يعرفه إلا القليلون. جانب أكثر برودة وحذرًا، اعتاد النظر إلى العالم كما هو لا كما يتمنى أن يكون. حاليًا، لم يكن ذلك الوجه الخفي معروفًا سوى لأربعة أشخاص: روكي ، هايزل ، آيزك و أخيرا ميا . -لماذا طلبت مني أن اصمت . -أولا لأني أردت أن أرتاح من صوتك و ثانيا كانت ڤالي تتجسس . -التدريب العسكري مع أخويك في المنزل مفيد اذا ؟ اجل . -آنستي الصغيرة ، لقد جهّزنا العربة ، قال صوت الخادمة ڤالي .   - صرت تقضين الكثير من الوقت مع ذانيك العاميّين .   - لديهما أسماء و هما صديقاي ، إضافة إلى أنك تفكّرين في الانفتاح ، فلما لا تفكرين في التحدث مع العامة .   - سأفكّر ...   - استأذنك إذا .   بعد انتهاء اللقاء بين ميا و أومورود ، ذهبت كل منهما الى مشاغلهما ، حيث جهّزت أومورود نفسها للقاء بآيزك و هايزل ، كانت تنتهز كل فرصة للقائهما فقد صارت متعلقة بهما لأقصى درجة فقد صارا كاتمي أسرارها ، أو بالأحرى هايزل كاتمة أسرارها.   توجّهت أومورود إلى العربة حيث كان روكي ينتظرها ، رغم حساسيته منها بعد اكتشافه لجانبها المخيف .   - لقد تأخرت يا سيدتي.   - أعرف ، لقد انسجمت أنا و ميا في الحديث أكثر من اللازم فنسينا الوقت.   - هل أنت جاهزة ؟   - أجل ، لنذهب !!   انطلقت العربة في طريقها إلى البلدة ، الطريق قصير ، بين السهول و خضرة الحقول ، مطبّات أحيانا ،و أحيانا أخرى حفر ، لكن أومورود كانت تجلس بصمت تحس بنشوة كل ما تذكرت الساعات القادمة التي ستقضيها مع هايزل ، حيث لم تلتقها منذ أكثر من أسبوعين.   وصلت عربة القش براكبيها إلى مشارف البلدة حيث استقرّت في مقدمة السوق الكبير الذي يقام كل نهاية أسبوع .   - أوووووموووووو !!!! صيحة عالية دوّت من وسط السوق قبل حتىّ أن تطأ قدم أومورود أرضه لقد كانت هايزل ، لوّحت بيدها من بعيد لصديقتها لتقفز في حضنها و يستمرّا في عناق طويل.   بعد هذه اللحظة الحميمية بين الصديقين ، نظرت أومو لآيزك لتصافحه ، و يسألها عن أخبارها فتجيبه بتحفظ . لاحظ آيزك هذا الاختلاف الغريب في أومورود فهي في العادة تتوتر و تبدأ بالتلعثم و هو لا يرى ذلك غبيا كما تراه هي فذلك بسبب وجهها يبدو ظريفا كقطة صغيرة ، أحس بعاطفة غريبة تجتاح جسمه كحرارة تنبع من أعماقه . واصلت الفتاتان السير و الحديث ، أمّا آيزك فاكتفى بالضحك و الاستماع. توقفت أومورود عند كشك لبيع الفواكه المعسلة لشراء وجبتها الشعبية المفضلة -التفاح المعسل- ، ابتسمت لهايزل ثم سألت مرافقيها الثلاثة ما إن كانوا يودون لكن كلهم رفضوا بأدب فقالت أومو بحماس طفولي : - أنتم الخاسرون إذا . ثم ذهبت لابتياع التفاح مع روكي ، بينما بقي الأخوان يراقبانها من بعيد ، لينطق آيزك لأخته دون النظر إليها : - هايزل ؟ - نعم ؟؟ - لماذا أومورود تتجنّبني في الآونة الأخيرة ؟ التفتت اليه بحيرة ثم قالت : - ما الذي تقصده ؟ - أعني أن أومورود لم تعد تتكلم معي ، أو حتى تنظر إلي كما في السابق. - ربما تصرفت بلؤم معها أو آذيتها دون قصد مثلا ؟ - لا !! قال ذلك و قد رفع نبرته - لماذا ترفع صوتك ؟! - لأنني لم أوذها قبلا ! - بل آذيتها ! - ماذا ؟ متى ؟ - أتذكر في مهرجان الخريف ، أو يوم الزهور ، أو حتى في آخر زيارة لها للسوق لم تحضر ، و لم تهنأها بعيد ميلادها السابق ، كل تلك عوامل سببت ما أنت في صضد مواجهته . -... - جرب أن تعتذر - كيف ؟؟ قال بلهفة طفل للحلوى - لا أعلم ، اكتشف بنفسك ذلك سيزيد فرصة قبولها اعتذارك ، و لا تعتذر بالطريقة التي تراها صائبة اعتذر بالطريقة التي تراها هي صائبة ، و تذكر أنك المخطأ في حقها، مفهوم ؟ قالت ذلك بجدية جعلت آيزك يبتلع ريقه بصعوبة ، التفت نحو أومورود ليجدها تقف بعيدا عنه بعدة أمتار ، تمسك في يدها عصى حلوى تفاح معسل حمراء ، ابتسم آيزك بتوتر و قال بصوت مليء بالتحدي : - ستكون استعادة صداقتها أمرا في غاية الأهمية. التفتت لترى أخاها لا يزال يحدق بأومورود البشوشة لتجيبه و هي ترى لمعة حماس في عينيه الداكنتين : - يبدو أنك جاد هذه المرة . لم يجبها بل ظل يراقب هدفه بصبر إلى أن اقترب اكثر ليندفع باتجاه أومو و يقول و قد تغيرت نبرته إلى ندم مهتز : - أومورود ؟ لم تجب - هل لي أن أتكلم معك ، نظر إلى روكي ثم هايزل و قال : على انفراد . أومأت له فقط . ثم ابتعدت قليلا عن الآخرين ليقول و هو يفرك مؤخرة رأسه : أومورود ... أنا آسف حقا آسف. - علام ؟ قالت أومورود بنظرات باردة قاتلة مزقته من الداخل ، جعلت قلبه يرتجف في ضلوعه . - لأني لم ألب كثيرا من دعواتك ، كمهرجان الزهور ، و الخريف ، أعرف أنها تعني الكثير لك لكن... - لو كنت تعلم لحضرت ، أنت لا تعرف الألم الذي عانيته عندما اكتشفت أنك كنت مع أصدقائك الآخرين ، سأمنحك فرصة ، و أومن بك يا آيزك لكن أثبت أنك تستحقها ، قالتها بحزم جعله يضن أنها جنرال عسكري في حرب طاحنة . - حاضر سيدتي الجنرالة . اتسعت عينا أومورود للحظة قبل أن ترتفع زاوية شفتها معلنة استسلامها لمزاح آيزك ، ثم قالت : - هيا ! تحرك أمامي أيها الجندي ستقلق الكتيبة علينا . ضحك الاثنان و عاد الدفء لعلاقتهما كشمس ساطعة في يوم أحد صيفي . تقدما و على وجههما ابتسامات مشرقة ليلكز آيزك هايزل و يقول :- أومورود ، كتعويض أدعوك لبيتي لتناول العشاء معنا ، فهل ... تقبلين ؟ - هل تعرف حتى ما هو العشاء يا آيزك ؟ هايزل - لا بأس...سآكل أي شيء. - أسمعتي ؟ إذا هل أعتبر هذا قبولا لدعوتي ؟ - أجل. - ممتاز ، إذا هيا بنا !! تنهدت هايزل باستسلام، بالتزامن مع روكي، بينما تقدمهم آيزك وهو يحدث أومورود بحماس عن منزلهم وأمه وأبيه. وبعد مسيرة قصيرة، وصلوا إلى منزلهم. كان بسيطًا، لكنه جميل التصميم ويبعث في النفس راحة غريبة. تألف المنزل من طابق واحد وسطح، وتحيط به حديقة خلفية صغيرة تضم مسكنًا للدواجن؛ سبع دجاجات، وإوزتين، وثلاثة ديكة رومية. في الطابق الأرضي كانت توجد غرفة نوم واسعة، وغرفة إضافية، إلى جانب غرفة المعيشة والمطبخ، ومكان مخصص لقضاء الحاجة يقع بعيدًا عن بقية الغرف. أما السطح، فكان يضم غرفة تُخزن فيها البضائع والحبوب، وتوضع فيها آلة خياطة وبعض الأثواب، وكانت تلك العلية غارقة في فوضى عارمة. طرق آيزك الباب بخفة، وما هي إلا لحظات حتى فتحته امرأة ذات ملامح ودودة. ابتسمت لهم ابتسامة بشوشة، لكنها ما إن وقعت عيناها على روكي وأومورود حتى اتسعتا دهشةً للحظة، قبل أن تنجح سريعًا في إخفاء صدمتها خلف ابتسامتها الدافئة. دخل هذا الرباعي ، نزع الجميع أحذيتهم ما عدى أومورود التي واصلت المشي لتشير لها هايزل ، ثم يقوم آيزك بالتدخل : - حسنا ، أمي هذه صديقتنا أومورود ، و هي بعمر هايزل و هذا...توتر آيزك ثم أردف بعد برهة صمت : - حارسها السيد روكي ، أومورود روكي هذه أمي . - تشرفت بكما ، إسمي سيليس . - أهلا...أن...نا أومورود . -