اخر ذكرى
كتابة : " سدرة "
الفصل الخامس والأخير: آخر ذكرى
/
/
/
/
كان الظلام يبتلع مدينة نوفا-7 شيئًا فشيئًا.
الأبراج العملاقة انطفأت.
وسائل النقل الطائرة سقط بعضها من السماء.
والناس في الشوارع كانوا ينهارون واحدًا تلو الآخر.
بعضهم بدأ يتذكر كل شيء دفعة واحدة.
كل الأحزان التي مُحيت.
كل الصدمات.
كل الخسارات.
وآخرون فقدوا ذاكرتهم بالكامل.
أصبحت المدينة على حافة الانهيار.
---
أما داخل البرج الأسود...
فكانت ليان تحدق في الشاشة العملاقة أمامها.
هناك ظهر المخطط الكامل للشبكة.
ملايين العقول البشرية متصلة ببعضها.
ومركزها الوحيد...
هو آدم.
قال آدم بصوت هادئ:
"إذا استمرت الشبكة بالانهيار سيموت الجميع."
سأل ريان:
"كيف نوقفها؟"
ساد الصمت.
ثم أجاب آدم:
"يجب أن يحل شخص محلي."
شعرت ليان أن قلبها انقبض.
كانت تعرف الجواب قبل أن يقوله.
نظر إليها آدم.
وقال:
"أنتِ الوحيدة القادرة على ذلك."
---
اقتربت من الشاشة.
كانت يداها ترتجفان.
"ماذا سيحدث لي؟"
لم يجب أحد.
فعرفت أن الحقيقة أسوأ مما تتخيل.
أخيرًا قال آدم:
"ستبقين حية."
تنفست قليلًا.
لكن كلماته التالية كانت كالسهم.
"لكنك ستفقدين نفسك."
تجمدت.
"ماذا؟"
قال:
"ستحملين ذكريات البشر جميعًا."
"ومع الوقت..."
"ستختفي ذكرياتك الخاصة."
"اسمك."
"طفولتك."
"أصدقاؤك."
"أنا."
"كل شيء."
شعرت ليان وكأن الأرض اختفت تحت قدميها.
الموت كان يبدو أسهل.
أما أن تعيشي...
وتنسي من أنتِ...
فذلك كان مرعبًا أكثر.
---
بكت بصمت.
ثم نظرت إلى آدم.
"هل يوجد حل آخر؟"
أخفض رأسه.
"لا."
"هل أنت متأكد؟"
"بحثت عنه لسنوات."
"ولا يوجد."
---
جلس الجميع في صمت.
آخر دقائقهم معًا.
آخر لحظاتهم كعائلة.
آخر فرصة لقول ما لم يُقل.
قال ريان فجأة:
"أنا أرفض."
نظرت إليه.
كانت عيناه حمراوين من شدة التعب.
قال:
"سنجد طريقة أخرى."
ابتسمت ليان بحزن.
"لم يعد لدينا وقت."
"لكن..."
"ريان."
سكت.
فأكملت:
"شكرًا."
"على كل شيء."
ولأول مرة منذ عرفها...
بكى.
---
بقيت عشر دقائق فقط.
اقترب آدم منها.
وأعطاها القلادة القديمة.
نفس القلادة التي أعادتها لها أمها.
قال:
"احتفظي بها."
ضحكت بحزن.
"إذا كنت سأنسى كل شيء... فما الفائدة؟"
أجاب:
"ربما."
ثم ابتسم.
"ربما يجدك قلبك حتى لو نسيك عقلك."
---
بعد دقائق...
وقفت ليان أمام النواة الرئيسية للشبكة.
كرة ضخمة من الضوء الأزرق.
تنبض كقلب عملاق.
كل نبضة كانت تحمل ملايين الذكريات.
ملايين القصص.
ملايين الأرواح.
سمعت أصوات البشر جميعًا.
الأصوات التي عذبتها طوال الوقت.
لكنها الآن فهمتها.
لم تكن صرخات جنون.
كانت صرخات بشر خائفين من أن يُنسوا.
---
وضعت يدها على النواة.
فانفجر الضوء حولها.
بدأت الذكريات تتدفق إليها.
أسرع من أي شيء.
طفل يتعلم المشي.
أم تفقد ابنها.
رجل يعود من الحرب.
فتاة تقع في الحب.
عجوز ينظر إلى آخر غروب شمس في حياته.
ملايين الذكريات.
ملايين المشاعر.
ملايين الأحلام.
---
صرخت.
ليس من الألم.
بل من كثرتها.
كان عقلها يذوب ببطء.
وآخر ما رأته...
كان آدم.
يقف بعيدًا.
يبتسم.
كما كان يفعل دائمًا.
---
ثم...
اختفى كل شيء.
---
مرت سنة.
ثم سنتان.
ثم خمس سنوات.
تعافت مدينة نوفا-7.
انتهى مشروع النسيان.
وعاد الناس للاحتفاظ بذكرياتهم.
لكن أحدًا لم يعرف كيف حدث ذلك.
إلا عدد قليل جدًا من الأشخاص.
---
في مساء هادئ...
كان ريان يسير في حديقة قديمة.
أصبح أكبر عمرًا.
وأكثر هدوءًا.
لكنه لم يتوقف يومًا عن البحث.
رغم أنه كان يعلم أن الأمر مستحيل.
---
وفجأة...
رأى فتاة تجلس قرب البحيرة.
وحيدة.
تراقب الماء.
شعره الأسود يتحرك مع الريح.
وفي عنقها...
قلادة قديمة.
توقف قلبه للحظة.
اقترب ببطء.
ثم قال:
"مرحبًا."
رفعت رأسها.
كانت هي.
ليان.
أو على الأقل من تبقى منها.
ابتسمت له بلطف.
وكأنها تراه لأول مرة.
وقالَت:
"هل نعرف بعضنا؟"
شعر ريان بالدموع في عينيه.
لكنه ابتسم.
وقال:
"لا."
ثم جلس بجانبها.
"لكن أعتقد أننا سنصبح أصدقاء."
ابتسمت.
ونظرت إلى السماء.
دون أن تعرف لماذا...
شعرت بدفء غريب في قلبها.
وكأن شخصًا ما...
في مكان بعيد جدًا...
ما زال يتذكرها.
انتهت القصة ✨