الفتاة التي لم تكن موجودة
كتابة : " سدرة "
الفصل الرابع: الفتاة التي لم تكن موجودة
/
/
/
/
بدأت صفارات الإنذار تهز البرج الأسود كله.
59 دقيقة متبقية.
كان الضوء الأحمر يملأ الممرات.
والجدران ترتجف كأن المبنى نفسه يحتضر.
أمسكت ليان بيد آدم.
"يجب أن نخرج!"
لكن آدم لم يتحرك.
كان ينظر إليها بطريقة غريبة.
كأنه يرى شيئًا لا تراه هي.
قال بصوت متعب:
"ليان... هناك شيء لم يخبرك به أحد."
"ليس الآن!"
"بل الآن."
شعرت بالخوف من نبرة صوته.
الخوف نفسه الذي يسبق الأخبار السيئة.
ثم قال:
"أنتِ لستِ أختي الحقيقية."
...
ساد صمت ثقيل.
صمت جعل حتى صفارات الإنذار تبدو بعيدة.
حدقت فيه.
ثم ضحكت ضحكة قصيرة متوترة.
"هذا ليس وقت المزاح."
لكن آدم لم يبتسم.
لم يتحرك.
لم يرمش حتى.
وهنا فهمت أنه جاد.
شعرت بشيء ينكسر داخلها.
"ماذا تقصد؟"
تنهد آدم ببطء.
"ليان الحقيقية ماتت منذ أحد عشر عامًا."
تراجعت خطوة إلى الخلف.
وكأن الكلمات دفعتها بقوة.
"كاذب."
"أتمنى ذلك."
"كاذب!"
صرخت بكل قوتها.
لكن آدم أغمض عينيه بحزن.
وقال:
"كنتِ مريضة جدًا."
"حادث المختبر..."
"الحريق..."
"كل شيء انتهى في ذلك اليوم."
بدأت الصور تومض في عقلها.
نار.
دخان.
صراخ.
طفلة تبكي.
باب مغلق.
لهيب.
---
سقطت ليان على ركبتيها.
وأمسكت رأسها.
كانت الذكريات تنفجر داخل عقلها.
كأن سدًا ضخمًا انهار فجأة.
رأت طفلة صغيرة.
تشبهها.
ثم رأت نفسها تقف قرب سرير أبيض.
لكنها أكبر عمرًا.
كيف يمكن أن تكون موجودة في المشهد نفسه؟
ثم سمعت صوت الدكتور نيرون من خلفها.
"لأنكِ النسخة الثانية."
التفتت نحوه ببطء.
قال:
"بعد وفاة ليان الأصلية..."
"استخدمنا مشروع الاستنساخ العصبي."
"نسخنا ذكرياتها."
"وشخصيتها."
"ومشاعرها."
"ووضعناها داخل جسد جديد."
شعرت ليان أن الهواء اختفى من حولها.
جسد جديد؟
نسخة؟
ماذا يعني هذا؟
من تكون إذن؟
---
بدأ عقلها بالدخول في دوامة مخيفة.
إذا لم تكن ليان...
فمن هي؟
هل ذكرياتها حقيقية؟
هل مشاعرها حقيقية؟
هل حزنها حقيقي؟
هل خوفها حقيقي؟
هل وجودها كله مجرد تجربة؟
كانت الأفكار تضربها بلا رحمة.
بدأت ترتجف.
ثم تبكي.
ثم تضحك.
ثم تبكي مرة أخرى.
لم تعد تعرف ماذا تشعر.
---
اقترب آدم بسرعة.
وأمسك كتفيها.
"اسمعيني."
لم تنظر إليه.
"ليان."
لم تجب.
"انظري إلي."
رفعت رأسها أخيرًا.
كانت دموعها لا تتوقف.
فقال:
"لا يهم كيف وُلدتِ."
"لا يهم ماذا فعلوا."
"بالنسبة لي..."
توقف لحظة.
ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
"أنتِ أختي."
وهنا انهارت.
بكت كما لم تبكِ من قبل.
سنوات من الخوف.
والشك.
والوحدة.
خرجت كلها دفعة واحدة.
---
لكن الوقت كان ينفد.
37 دقيقة متبقية.
بدأ البرج ينهار.
سقط جزء من السقف.
وتناثرت الشرارات في كل مكان.
صرخ آدم:
"علينا الرحيل!"
ركض الثلاثة عبر الممرات.
ليان.
وآدم.
وريان الذي وصل أخيرًا بعد أن اقتحم البرج.
كان الانهيار يزداد مع كل دقيقة.
الجدران تتشقق.
الأرض تهتز.
والمدينة بأكملها بدأت تتأثر.
لأن آدم كان العقل المركزي.
وعندما انفصل...
بدأت شبكة الذكريات كلها بالانهيار.
---
وأثناء الهروب...
بدأت الأصوات تعود إلى رأس ليان.
لكن هذه المرة كانت أقوى.
أقوى بكثير.
آلاف الأشخاص.
بل ملايين.
ذكريات لا تنتهي.
أحزان.
خسارات.
صدمات.
حروب.
وفيات.
فقدان.
كانت تشعر بكل شيء.
كله في اللحظة نفسها.
---
ثم سقطت أرضًا.
صرخ ريان:
"ليان!"
لكنها لم تسمعه.
كانت في مكان آخر.
داخل عقلها.
داخل بحر هائل من الذكريات.
هناك رأت شيئًا أخافها أكثر من أي شيء.
رأت مستقبلًا.
مدينة نوفا-7 تحترق.
السماء سوداء.
والناس يصرخون.
ثم رأت نفسها.
تقف فوق أعلى برج.
وحدها.
وحولها الضوء الأزرق.
---
وفجأة ظهر صوت غريب.
صوت لم تسمعه من قبل.
قال:
"الاختيار لك."
"أي اختيار؟"
"إما أن تنقذي المدينة."
"أو تنقذي نفسك."
"لا يمكن فعل الأمرين معًا."
فتحت عينيها فجأة.
كانت ما تزال في البرج.
وكان آدم و ريان ينظران إليها بقلق.
لكنها أصبحت تعرف شيئًا واحدًا.
شيئًا مرعبًا.
كانت الطريقة الوحيدة لإنقاذ الجميع...
تتطلب تضحية لن تعود بعدها كما كانت أبدًا.
وفي الخارج...
بدأت المدينة كلها تغرق في الظلام.
نهاية الفصل الرابع...✨