اصوات في الظلام
كتابة: " سدرة "
الفصل الثالث: أصوات في الظلام
/
/
/
/
لم ينم أحد تلك الليلة.
كانت الجملة التي ظهرت على الشاشة تدور في رأس ليان بلا توقف:
"تعالي إلى البرج الأسود وحدك."
جلست قرب نافذة القاعدة السرية تنظر إلى المدينة البعيدة.
الأضواء تلمع فوق الأبراج.
والناس يعيشون حياتهم وكأن شيئًا لم يحدث.
لكنها أصبحت تعرف الحقيقة.
كل تلك الابتسامات...
كل تلك الحياة الطبيعية...
كانت مجرد قشرة تخفي شيئًا مرعبًا.
اقترب ريان منها.
وقال:
"لن تذهبي."
لم تنظر إليه.
"سأذهب."
"إنه فخ."
"أعرف."
"وقد تموتين."
"أعرف."
ساد الصمت.
ثم قال ريان بهدوء:
"لكنك ستذهبين رغم ذلك."
هزت رأسها.
لأن آدم كان هناك.
كانت تشعر بذلك.
لا تعرف كيف...
لكنها كانت متأكدة.
---
بعد ساعات قليلة خرجت وحدها.
كما طلب الرجل الغامض.
كان البرج الأسود يقع في أطراف المدينة.
مكانًا لا يقترب منه أحد.
حتى الخرائط الرسمية كانت تتجاهله.
كلما اقتربت منه شعرت بالبرد يزداد.
ليس بردًا عاديًا.
بل شعورًا غريبًا وكأن أحدًا يراقبها.
وصلت أخيرًا.
كان البرج هائلًا.
أسود بالكامل.
يمتد إلى السماء كأنه يبتلع الضوء.
وعندما لمست بابه المعدني...
فتح تلقائيًا.
دون صوت.
كأنه كان ينتظرها.
---
في الداخل لم تجد حراسًا.
ولا روبوتات.
ولا أي شخص.
فقط ممرات طويلة.
وأضواء خافتة.
وأصوات بعيدة تشبه الهمسات.
بدأت تمشي.
كل خطوة كانت تزيد خوفها.
ثم...
سمعت صوتًا مألوفًا.
"ليان."
توقفت.
استدارت بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
لكن الصوت عاد.
"ليان..."
كان صوت آدم.
ركضت نحو مصدره.
وكلما ركضت أصبح أوضح.
حتى وصلت إلى غرفة ضخمة.
في وسطها كبسولة زجاجية عملاقة.
وداخلها...
شاب نائم.
شعره الأسود الطويل.
ملامحه.
وجهه.
كان هو.
آدم.
شعرت بالدموع تملأ عينيها.
اقتربت من الكبسولة.
وضعت يدها على الزجاج.
وفجأة فتح آدم عينيه.
لكن...
عيناه لم تكونا طبيعيتين.
كانتا تتوهجان باللون الفضي.
---
قبل أن تنطق بكلمة...
سمعت تصفيقًا خلفها.
استدارت.
كان الرجل الذي ظهر على الشاشة.
يرتدي معطفًا أبيض طويلًا.
ويبدو في الخمسين من عمره.
قال مبتسمًا:
"أخيرًا التقينا."
"من أنت؟"
انحنى قليلًا.
"الدكتور نيرون."
"العالم الذي أنقذ البشرية."
صرخت:
"أنت كاذب!"
ضحك.
ضحكة باردة.
"الجميع يقول ذلك في البداية."
ثم ضغط زرًا صغيرًا.
وفجأة امتلأت الجدران بصور قديمة.
صور من مئات السنين.
حروب.
مجاعات.
أوبئة.
انهيارات.
قال:
"البشر كانوا يدمرون أنفسهم."
"الخوف."
"الحزن."
"الصدمة."
"الكراهية."
"كلها كانت تقودهم للدمار."
ظهرت صورة أخرى.
جهاز ضخم.
قال:
"لذلك صنعنا مشروع النسيان."
تجمدت ليان.
تابع:
"آلة تمحو الذكريات المؤلمة."
"في البداية كانت ناجحة."
"الناس أصبحوا أكثر هدوءًا."
"أكثر سعادة."
ثم ظهرت صور جديدة.
أشخاص يحدقون في الفراغ.
أطفال لا يتذكرون أسماءهم.
عائلات نسيت بعضها.
وقال:
"لكن المشروع خرج عن السيطرة."
شعرت ليان بالغثيان.
المدينة كلها...
كانت ضحية تجربة علمية.
---
ثم أشار إلى آدم.
وقال:
"أخوك كان أول من اكتشف الحقيقة."
"حاول إيقافنا."
"لذلك اضطررنا لاستخدامه."
صرخت:
"ماذا فعلتم به؟"
ساد الصمت.
ثم قال:
"لقد ربطناه بالشبكة."
"أي شبكة؟"
ابتسم.
"كل العقول البشرية."
شعرت ليان أن قلبها توقف.
لم تفهم.
لكنها خافت.
خافت بشدة.
---
اقترب الدكتور من الكبسولة.
وقال:
"آدم لم يعد إنسانًا بالكامل."
"لقد أصبح العقل المركزي."
"هو من يحمل ذكريات ملايين البشر."
"كل الذكريات التي سرقناها."
اتسعت عيناها.
لهذا كانت تسمع الأصوات.
لهذا كانت ترى ذكريات غريبة.
كانت تتصل بآدم.
وتتصل بكل تلك الذكريات.
---
وفجأة...
بدأت الكبسولة تهتز.
ثم تشققت.
شق صغير.
ثم آخر.
ثم انفجر الزجاج بالكامل.
تناثرت القطع في كل مكان.
وسقط آدم على الأرض.
كان يتنفس بصعوبة.
رفع رأسه ببطء.
ونظر إلى ليان.
ولأول مرة منذ سنوات...
ابتسم.
وقال بصوت ضعيف:
"وجدتك..."
لكن في اللحظة نفسها...
بدأت صفارات الإنذار تعوي في البرج كله.
وأضاءت الأنوار الحمراء.
ظهر تحذير ضخم على الجدران:
خطر. العقل المركزي انفصل عن الشبكة. بدء الانهيار خلال 60 دقيقة.
نظر الدكتور نيرون إلى الشاشة.
وفقد ابتسامته لأول مرة.
أما آدم فحدق في ليان وقال:
"إذا لم نهرب الآن... سيموت الجميع."
نهاية الفصل الثالث...✨