الفصل 1
في عالم المافيا
الفصل الأول — عيون فرعون
بقلم الكاتبة الملاك الأبيض خوخه
كانت القاهرة في آخر الليل شبه مدينة مهجورة…
المطر كان نازل بغزارة، وصوت الرعد يهز السما بطريقة تخوف أي حد لوحده في الشارع.
الساعة عدت اتنين بعد منتصف الليل، والبرد كان قاسي جدًا.
خلود كانت ماشية بسرعة وهي ضامة الشال حوالين جسمها الصغير، بتحاول تهرب من المطر ومن إحساس الوحدة اللي ملازمها من سنين.
ملامحها كانت هادية وبريئة بشكل يخطف النظر…
بشرة بيضا، عيون واسعة بلون العسل، وشعر أسود طويل نازل على ضهرها رغم إنه اتبل بالكامل من المطر.
كانت مرهقة جدًا بعد يوم طويل في الشغل.
اشتغلت زيادة النهاردة علشان تقدر تساعد أخوها في مصاريف البيت، خصوصًا بعد ما تراكمت عليهم الديون.
وقفت تحت عامود نور ضعيف وهي بتحاول تطلب تاكسي، لكن الشارع كان فاضي بشكل غريب.
حضنت نفسها أكتر وهي بتهمس:
— يا رب بس أروح بسرعة…
لكن فجأة…
صوت رصاصة قطع هدوء الليل.
خلود اتجمدت مكانها بالكامل.
رفعت عيونها بخوف ناحية آخر الشارع، وشافت عربيات سودا بتجري بسرعة جنونية.
صوت الكاوتش وهو بيحتك بالأرض المبلولة كان مرعب، ومع كل ثانية كان صوت الرصاص بيزيد أكتر.
ناس بدأت تجري وهي بتصرخ.
وخلود قلبها بدأ يدق بعنف.
كانت ناوية تهرب، لكن قبل ما تتحرك…
عربية سوداء ضخمة خبطت بعنف في الرصيف قدامها مباشرة.
شهقت بخضة وهي راجعة لورا.
باب العربية اتفتح بقوة…
ونزل منه راجل طويل جدًا، لابس بدلة سودا بالكامل، والدم مغرق إيده وجزء من قميصه.
كان ماسك مسدس أسود بإيده بطريقة تدل إنه متعود عليه.
لكن رغم الجرح الواضح فيه…
كان واقف بثبات مرعب.
خلود كانت بتبصله برعب كامل.
الراجل رفع عيونه عليها.
ولأول مرة…
حست بالخوف الحقيقي.
عيونه كانت سودا وقاسية بشكل يخوف… نظرة شخص شاف الموت كتير لدرجة بقى جزء منه.
وقبل ما تستوعب أي حاجة، سحب باب عربيتها الصغيرة وركب جنبها.
— اتحركي.
صوته كان منخفض… لكنه مليان أوامر.
خلود بصتله بصدمة:
— إنت مين؟!
في نفس اللحظة…
رصاصة ضربت الزجاج الخلفي للعربية.
صرخت بخوف.
الرجل لف ناحيتها بعصبية:
— سوقي قبل ما نموت هنا!
إيديها بدأت تترعش وهي بتحاول تدور العربية.
ومن بعيد، ظهرت عربيتين سودا بيقربوا بسرعة.
الرجل فتح الشباك ومد إيده بالسلاح بدون أي تردد.
دوى الرصاص في المكان.
خلود صرخت وهي واطية راسها:
— يا نهار أبيض!
لكن هو…
كان هادي بشكل يخوف.
ضرب رصاصتين متتاليتين، وبعدها العربية اللي وراهم فقدت السيطرة واتقلبت بعنف.
خلود بصتله بصدمة وهي مش قادرة تستوعب.
إزاي حد يقتل كده بكل البرود ده؟!
العربية انطلقت بسرعة وسط المطر.
خلود كانت بتسوق وهي حرفيًا بتعيط من الرعب.
— أنا مالي بكل ده؟!
— نزلني بالله عليك!
لكنه تجاهل كلامها تمامًا.
كان ضاغط على جرحه بإيده، والدم بينزل بغزارة، لكن ملامحه ثابتة بشكل مرعب.
بعد دقائق طويلة من الهروب، خرجوا من وسط المدينة تمامًا.
ولأول مرة…
خلود شافت القصر.
قصر ضخم جدًا، محاط بأسوار عالية وحراس في كل مكان.
البوابات الحديدية اتفتحت فورًا أول ما شافوا العربية.
العربية دخلت ببطء وسط رجال شايلين أسلحة ضخمة.
خلود قلبها كان بيدق بعنف وهي حاسة إنها دخلت عالم تاني.
عالم كله خوف وسلاح ودم.
العربية وقفت.
الرجل نزل بهدوء رغم إصابته، وفورًا جري عليه مجموعة من الرجال.
واحد منهم قال بقلق واضح:
— فرعون! إنت اتصبت؟!
خلود رفعت عيونها ببطء.
فرعون؟…
الاسم ده كانت سمعته قبل كده في الأخبار.
اسم بيخوف الناس كلها.
زعيم أكبر تنظيم مافيا وسلاح في البلد.
الراجل اللي الشرطة نفسها بتخاف تدخل حرب معاه.
عز فرعون.
خلود حست إن رجليها مبقوش شايلينها.
هو ده؟…
ده الشخص اللي الناس بتقول إنه بيقتل بدون رحمة؟!
عز خلع الجاكيت الأسود ورماه بعنف لأحد الحراس.
وبعدين لف ناحيتها ببطء.
خلود اتوترت فورًا لما عيونه ثبتت عليها.
قرب منها بخطوات ثابتة.
وكل خطوة كان قلبها يدق أسرع.
وقف قدامها مباشرة.
كان طويل جدًا مقارنة بيها، وهي حست نفسها صغيرة بشكل مرعب قدامه.
— اسمك إيه؟
بلعت ريقها بصعوبة:
— خ… خلود.
سكت للحظة وهو مركز في ملامحها.
المطر كان نازل على شعرها ووشها، وعينيها مليانة خوف واضح.
لكن الغريب…
إنه لأول مرة من سنين يحس إنه مش قادر يبعد عينه عن حد.
قال بهدوء:
— من النهارده… هتفضلي هنا.
خلود بصتله بصدمة:
— نعم؟!
— الناس اللي كانوا بيجروا ورانا شافوكي.
— وأنا مالي؟! أنا معرفكش أصلًا!
قرب أكتر، لدرجة إنها حسّت بأنفاسه.
وقال بصوت منخفض لكنه مخيف:
— في عالمي… مجرد إنك تشوفي وشي كفاية يخليكي هدف.
الدم اتجمد في عروقها.
— يعني إيه؟!
— يعني لو خرجتي برا القصر دلوقتي… هتموتي.
خلود رجعت لورا بخوف:
— لا… أنا لازم أرجع البيت… أخويا مستنيني.
عز فضل باصصلها ثواني طويلة.
وبعدين قال:
— من النهارده… أنا اللي أحدد تروحي فين.
الكلام استفزها رغم خوفها.
— إنت متقدرش تتحكم فيا!
لأول مرة…
ابتسم عز.
ابتسامة بسيطة جدًا… لكنها خطيرة.
— محدش بيرفع صوته عليا ويعيش مرتاح يا خلود.
قلبها دق بعنف لما نطق اسمها.
الحراس كانوا واقفين ساكتين تمامًا، وكأنهم خايفين حتى يتنفسوا قدامه.
واحد منهم قرب:
— نجهزلها أوضة يا فرعون؟
عز من غير ما يشيل عينه عنها قال:
— وخلي حارسين على بابها.
خلود اتصدمت:
— أنا مش سجينة عندك!
لف عيونه ليها ببرود:
— لا…
السجينة ممكن تخرج.
أما إنتِ…
سكت لحظة، وبعدين قال:
— إنتِ دلوقتي مسئوليتي.
الكلمة خلتها تتوتر بطريقة غريبة.
مش فاهمة ليه رغم خوفها منه…
في جزء جواها حاسس بالأمان.
وده اللي خوفها أكتر.
دخلت القصر مع الحراس وهي بتبص حواليها بذهول.
رخام أسود… نجف ضخم… رجال مسلحين في كل زاوية.
المكان كله كان مرعب.
لكن أكتر شيء مرعب فيه…
هو صاحبه.
دخلت الأوضة بسرعة وقفلت الباب وراها.
أول ما بقت لوحدها، بدأت تتنفس بسرعة وتحاول تستوعب اللي حصل.
لكن عقلها وقف عند عيون عز.
العيون اللي كانت مليانة قسوة…
وفي نفس الوقت، مليانة حزن غريب مستخبي.
في الناحية التانية من القصر…
عز كان قاعد وهو بيتعالج.
أحد رجاله قال:
— نخلص منها يا فرعون؟ دي شافتك.
عز رفع عيونه ببطء.
وفي اللحظة دي، المكان كله سكت.
لأنهم عارفين النظرة دي معناها خطر.
لكنه قال بهدوء:
— محدش يلمسها.
الرجل اتفاجئ:
— بس دي ممكن تبقى نقطة ضعف—
عز ضرب الطاولة بعنف لدرجة إن الكوباية اتكسرت.
— قولت محدش يلمسها.
الكل سكت فورًا.
أما هو…
فسند راسه للخلف وهو لأول مرة من سنين حاسس إن في حاجة اتغيرت جواه.
بنت بريئة دخلت عالمه بالغلط…
لكن الغلط ده ممكن يولع حرب كاملة.
وفي نفس اللحظة…
تليفونه رن.
رد بهدوء:
— اتكلم.
الصوت اللي جاله خلا ملامحه تقسى أكتر.
— الذئاب السوداء عرفوا إن البنت عندك.
عز عيونه اظلمت فورًا.
— يبقى الحرب بدأت.