الرسالة الأخيرة - من الفصل 9_11 - بقلم A | روايتك

اسم الرواية: الرسالة الأخيرة
المؤلف / الكاتب: A
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: من الفصل 9_11

من الفصل 9_11

تجمد الجميع في أماكنهم. كان الهمس واضحًا. قريبًا جدًا. "لا تصدقوه..." شعرت ليان بقشعريرة تسري في جسدها. نظرت نحو الظلام في آخر القبو. لكنها لم تستطع رؤية أي شيء. رفع سليم ضوء الهاتف. وتقدم بحذر. "من هناك؟" لم يأتِ أي رد. فقط الصمت. ذلك الصمت الثقيل الذي يجعل الإنسان يتخيل أشياء غير موجودة. لكن يوسف لم يكن ينظر نحو الظلام. كان ينظر إلى الرسومات المبعثرة على الطاولة. ثم التقط ورقة أخرى. حدق فيها طويلًا. وبدأت يداه ترتجفان. اقتربت ليان منه. "ماذا وجدت؟" ناولها الورقة. نظرت إليها. كانت رسمة لطفل صغير داخل غرفة. وخلف باب الغرفة يقف رجل طويل. لكن الغريب أن وجه الرجل كان مشطوبًا بالكامل بقلم أسود. وكأن من رسمه أراد إخفاء هويته. وفي أسفل الرسمة كانت هناك كلمات مكتوبة بخط طفل: "لا تنظر إليه عندما يغضب." شعرت ليان بالخوف. سألت يوسف: "هل كتبت هذا؟" أومأ ببطء. ثم قال: "أتذكر الغرفة." "أي غرفة؟" أشار إلى آخر القبو. إلى باب خشبي قديم كان نصف مخفي خلف أكوام الصناديق. شعرت ليان بأن قلبها انقبض. لم ينتبه أحد لذلك الباب من قبل. تبادل الجميع النظرات. ثم بدأوا يقتربون منه. كل خطوة كانت تزيد التوتر. حتى وصلوا أمامه. كان الباب قديمًا جدًا. وعليه آثار خدوش كثيرة. كأن شخصًا حاول فتحه أو الخروج منه بعنف. وضعت الجدة يدها على فمها. بدت مصدومة. "يا إلهي..." نظر إليها سليم. "ماذا؟" أشارت إلى الخدوش. وقالت: "هذه ليست خدوش أدوات." "إذن ماذا؟" أجابت بصوت مرتجف: "تبدو كآثار أظافر." ساد الصمت. شعرت ليان بأن الهواء أصبح أثقل. ثم أمسك سليم بالمقبض. وأدار الباب ببطء. صررر... انفتح الباب. ظهر ممر ضيق خلفه. مظلم تمامًا. لكن في نهايته كان هناك ضوء خافت. ضوء أصفر ضعيف. همس يوسف: "كنت هناك." نظر إليه الجميع. وأكمل بصوت خافت: "أتذكر الآن." ثم بدأ يمشي نحو الممر. "يوسف!" نادته ليان. لكنه لم يتوقف. كان يتحرك وكأنه منوم. وكأن شيئًا ما يناديه من الداخل. اضطر الباقون للحاق به. استمروا بالمشي حتى وصلوا إلى غرفة صغيرة. وحين دخلوا... تجمدوا جميعًا. كانت الغرفة مليئة بالصور. مئات الصور. على الجدران. على الأرض. داخل الصناديق. في كل مكان. صور لأطفال. صور لأسر. صور لمنازل. لكن أكثر ما أرعب ليان... أن بعض الصور كانت لها. شهقت. وأمسكت إحداها بسرعة. كانت صورة لها وهي صغيرة جدًا. في عمر خمس سنوات تقريبًا. لكنها لم تتذكر أبدًا أن أحدًا التقطها. "كيف وصلت هذه إلى هنا؟" لم يجب أحد. أما الجدة فكانت تنظر إلى صورة أخرى. ثم شحب وجهها. كانت صورة قديمة لها. التقطت قبل أكثر من ثلاثين سنة. همست: "هذا مستحيل." حتى سليم وجد صورًا لنفسه. صورًا لم يرها من قبل. شعر الجميع بالخوف. من كان يجمع هذه الصور؟ ولماذا؟ وفجأة... توقف يوسف أمام صورة كبيرة معلقة على الجدار. كانت مغطاة بقماش أبيض. مد يده ببطء. وسحب القماش. شهقت ليان. كانت صورة عائلية. الأب. الأم. ويوسف. لكن الأب لم يكن الرجل الذي رأوه. كان شخصًا آخر تمامًا. شخصًا عاديًا. بملامح هادئة. تراجع يوسف خطوة. "هذا أبي." ساد الصمت. إذن الرجل الغامض ليس والده. لكن لماذا كان يدعي ذلك؟ وفجأة بدأ يوسف يتنفس بسرعة. ظهرت الذكريات في رأسه كالعاصفة. صوت صراخ. أم تبكي. باب يُغلق بقوة. ثم ذلك الرجل الطويل. الرجل ذو العينين الفارغتين. كان يقف في المنزل. كان يتحدث مع والده. ثم... ثم... اتسعت عينا يوسف فجأة. وسقط على ركبتيه. "أتذكر!" ركضت ليان نحوه. "ماذا تتذكر؟" رفع رأسه ببطء. وكان وجهه شاحبًا جدًا. "في ليلة اختفائي..." توقف للحظة. ثم أكمل: "كان أبي خائفًا منه." شعرت ليان بقشعريرة. "من الرجل؟" أومأ يوسف. "كان يقول إن علينا الهرب." بدأت الذكريات تتدفق أكثر. "أتذكر المطر." "أتذكر السيارة." "أتذكر أننا كنا نحاول المغادرة." ساد الصمت. ثم همس: "لكنه وجدنا." ارتجفت الجدة. وسألته: "ماذا حدث بعد ذلك؟" أغلق يوسف عينيه. كانت الدموع تتجمع فيهما. ثم قال: "لا أستطيع رؤية الباقي." فجأة... انطفأت أضواء الهواتف جميعها. مرة واحدة. غرق المكان في الظلام. صرخت ليان. وسمعت الجدة تلهث بخوف. ثم جاء ذلك الصوت. الصوت العميق نفسه. لكن هذه المرة كان داخل الغرفة. قريبًا جدًا. "لقد تذكر أكثر مما يجب." شعرت ليان بأن قلبها توقف. كان الرجل هنا. في الظلام. معهم. ثم سُمعت خطوات بطيئة. خطوة... ثم أخرى... ثم أخرى... وكانت تقترب. تقترب أكثر فأكثر. أمسك سليم بعصا خشبية وجدها على الأرض. ووقف أمام الجميع. لكن الصوت لم يتوقف. وفجأة ظهر ضوء أحمر خافت في طرف الغرفة. ثم آخر. ثم آخر. اتسعت عينا ليان. لم تكن أضواء. بل عيونًا. عشرات العيون الحمراء. تنظر إليهم من الظلام. وساد الصمت للحظة. قبل أن يقول الرجل الغامض: "كان يجب أن تنسوا الماضي." ><><><><><><><><><><><><><><><><><><><><> تجمد الجميع في أماكنهم. كانت العيون الحمراء تلمع في الظلام كأنها تراقبهم منذ زمن طويل. شعرت ليان بأن أنفاسها أصبحت ثقيلة. لم تستطع إبعاد نظرها عنها. كانت كثيرة. أكثر مما تستطيع عده. منتشرة في زوايا الغرفة كلها. أما يوسف فبدا وكأنه يعرف شيئًا. كان ينظر إلى العيون بخوف وحزن في الوقت نفسه. قال الرجل الغامض بصوته العميق: "أنتم لا تفهمون ما تحاولون إيقاظه." أمسك سليم العصا بقوة أكبر. وقال: "أظهر نفسك." ساد الصمت. ثم بدأت العيون تختفي واحدة تلو الأخرى. حتى لم يبقَ سوى عينين فقط. في الطرف الآخر من الغرفة. ثم ظهر الظل الطويل ببطء. كأنه يخرج من الجدار نفسه. وقفت ليان دون حركة. كان أطول مما تتذكر. وملامحه ما زالت مخفية. لكن هذه المرة استطاعت رؤية يديه. وكانتا مليئتين بالندوب القديمة. نظر الرجل إلى يوسف. ثم قال: "عد معي." هز يوسف رأسه. "لا." تقدم الرجل خطوة. "أنت لا تعرف الحقيقة كاملة." رد يوسف: "إذن أخبرني بها." ساد الصمت. ثم قال الرجل: "الحقيقة ستؤذيك." في تلك اللحظة بدأت الأرض تهتز. وسقطت عدة صور من الجدران. تحطم الزجاج على الأرض. لكن إحدى الصور سقطت أمام ليان مباشرة. انحنت والتقطتها. ثم شعرت بصدمة. كانت الصورة تظهر يوسف. لكن ليس وحده. كان يقف بجوار فتاة صغيرة. في عمره تقريبًا. شعرها طويل. وترتدي فستانًا أبيض. رفعت ليان الصورة. "من هذه؟" نظر يوسف إليها. وتغيرت ملامحه فجأة. وكأن ذكرى بعيدة عادت إليه. "أنا..." وضع يده على رأسه. "أعرفها." اقتربت الجدة بسرعة. "من هي؟" أغمض يوسف عينيه. وبعد لحظات قال: "اسمها مريم." ساد الصمت. قالت ليان: "هل كانت أختك؟" هز رأسه. "لا." "صديقة؟" تردد للحظة. ثم قال: "لا أتذكر." لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا. هذه الفتاة مهمة. مهمة جدًا. وفي اللحظة نفسها تغير صوت الرجل الغامض. أصبح أكثر حدة. وقال: "لا تتحدث عنها." نظر الجميع إليه. لأول مرة بدا خائفًا. خائفًا من مجرد ذكر اسم مريم. شعرت ليان أن هذا الاسم جزء من اللغز. وقالت: "من هي مريم؟" لم يجب الرجل. لكن يوسف بدأ يتذكر. ظهرت الصور في عقله كوميض سريع. حديقة. أرجوحة. ضحكات أطفال. ثم مطر. ثم ظلام. ثم صرخة. اتسعت عيناه. وسقطت دمعة على خده. "كانت معي تلك الليلة." تجمدت الجدة. أما الرجل فقبض يديه بقوة. وقال: "توقف." لكن يوسف أكمل. "كانت في المنزل." "وكانت خائفة." ثم ارتفع صوته قليلًا. "وكانت تبكي." بدأت جدران الغرفة تهتز. وتطايرت الصور من أماكنها. وكأن الذكريات نفسها ترفض الخروج. لكن يوسف لم يتوقف. "أتذكر باب القبو." "أتذكر صراخ أبي." "وأتذكر مريم." ثم فتح عينيه فجأة. وقال: "كانت تحاول الهرب." ساد الصمت. صمت طويل ومخيف. ثم همست ليان: "هل اختفت هي أيضًا؟" نظر يوسف إليها. وكان الرعب ظاهرًا في وجهه. ثم قال: "لا أعرف." في تلك اللحظة دوى صوت قوي في الغرفة. دداااام! وانغلق باب الممر خلفهم بعنف. قفز الجميع من أماكنهم. أما الرجل الغامض فقد بدأ يتلاشى. لكن قبل أن يختفي قال جملة واحدة: "ابحثوا عنها... إذا كنتم تريدون الحقيقة." ثم اختفى تمامًا. عادت الأنوار إلى هواتفهم فجأة. وعاد الهدوء. لكن أحدًا لم يشعر بالراحة. نظرت ليان إلى الصورة مرة أخرى. إلى الفتاة الصغيرة المبتسمة. إلى مريم. ثم قالت: "إذا كانت موجودة في ذكريات يوسف... فربما توجد أدلة عنها." أومأت الجدة. لكن ملامحها أصبحت شاحبة. كأنها تذكرت شيئًا. سألها سليم: "ما الأمر؟" ترددت. ثم قالت بصوت منخفض: "أعرف اسم مريم." تجمد الجميع. "ماذا؟" أغلقت الجدة عينيها للحظة. ثم قالت: "لأنها اختفت في نفس السنة التي اختفى فيها يوسف." شعرت ليان بأن قلبها توقف. وأضافت الجدة: "لكن أحدًا لم يربط بين الحادثتين." ساد الصمت. وأدرك الجميع أنهم لم يعودوا يبحثون عن طفل مفقود واحد... بل عن طفلين. طفلين اختفيا في الليلة نفسها. وفي مكان واحد. ووراءهما السر نفسه. ====================================== بقي الجميع صامتين لعدة ثوانٍ بعد كلام الجدة. طفلان اختفيا في الليلة نفسها. يوسف... ومريم. شعرت ليان أن اللغز أصبح أكبر بكثير مما كانت تتخيل. قال سليم أخيرًا: "إذا كانت مريم اختفت أيضًا، فلا بد أن يكون هناك سجل أو ملف عنها." أومأت الجدة ببطء. "ربما." ثم تنهدت. "لكن ذلك حدث منذ سنوات طويلة." نظر يوسف إلى الصورة في يده. كانت الفتاة تبتسم بسعادة. وكأنها لا تعرف ما سيحدث لها بعد ذلك. همس: "أريد أن أعرف ماذا حدث لها." --- في صباح اليوم التالي. توجه الأربعة إلى مبنى البلدية القديم. كان مكانًا هادئًا مليئًا بالملفات والوثائق القديمة. استقبلهم رجل مسن يعمل في الأرشيف. نظر إليهم باستغراب. "ملفات اختفاء قديمة؟" أومأ سليم. "نعم." فكر الرجل للحظة. ثم قادهم إلى غرفة مليئة بالخزائن الحديدية. بدأ يبحث بين الملفات. حتى أخرج صندوقًا صغيرًا مغطى بالغبار. ووضعه على الطاولة. "هذه ملفات المفقودين من تلك الفترة." شعرت ليان بالحماس والخوف في الوقت نفسه. بدأوا البحث. دقيقة. ثم دقيقتان. ثم عشر دقائق. وفجأة وجد يوسف ملفًا أصفر قديمًا. كان مكتوبًا عليه: «مريم عادل» توقف قلب ليان للحظة. فتحوا الملف بسرعة. كانت بداخله صورة لمريم. الصورة نفسها الموجودة في القبو. لكن هناك شيء آخر. قصاصة صحيفة قديمة. التقطها سليم وقرأها بصوت مرتفع: "اختفاء الطفلة مريم عادل في ظروف غامضة." تبادل الجميع النظرات. ثم أكمل القراءة: "اختفت بعد ساعات من اختفاء الطفل يوسف سالم." اتسعت عينا ليان. كانت الحادثتان مرتبطتين فعلًا. لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الصفحة التالية. وجدوا خريطة صغيرة. وعليها دائرة حمراء. حول مكان واحد. المنزل الموجود فوق التل. المنزل نفسه الذي دخلوه. قالت الجدة بصدمة: "إذن الشرطة كانت تعرف." لكن الملف لم ينتهِ بعد. في آخر صفحة كانت هناك ملاحظة مكتوبة بخط اليد. ملاحظة قصيرة جدًا. لكنها كانت كافية لإثارة الرعب. «"شاهد أحد السكان رجلًا مجهولًا قرب المنزل ليلة الاختفاء."» شعرت ليان بقشعريرة. الرجل نفسه. الرجل الغامض. لكن كيف يمكن أن يكون موجودًا قبل كل هذه السنوات وما زال كما هو؟ --- أثناء عودتهم إلى المنزل كان يوسف صامتًا. ينظر من نافذة السيارة فقط. ثم فجأة قال: "أتذكر شيئًا جديدًا." التفت الجميع نحوه. "ماذا؟" أغمض عينيه للحظة. ثم قال: "مريم أعطتني شيئًا." ساد الصمت. "ماذا أعطتك؟" هز رأسه. "لا أتذكر." "هل كان صندوقًا؟" "لا." "مفتاحًا؟" صمت للحظة. ثم اتسعت عيناه. "نعم." نظر الجميع إليه بصدمة. "مفتاح." شعرت ليان بأن اللغز بدأ يتضح قليلًا. "أين المفتاح؟" لكن يوسف بدا مرتبكًا. "لا أعرف." --- في تلك الليلة. وصلت رسالة جديدة إلى هاتف ليان. كانت أول رسالة تصل منذ مدة. فتحتها بسرعة. وكان مكتوبًا: «"ابحثوا تحت الأرض."» ارتجفت يدها. وأسرعت لإخبار الآخرين. قرأ سليم الرسالة. ثم نظر إلى يوسف. "المفتاح." أومأ يوسف ببطء. "أشعر أن له علاقة بالقبو." لكن أي قبو؟ القبو الذي وجدوه بالفعل؟ أم مكان آخر؟ وقبل أن يتمكنوا من التفكير أكثر... وصلت رسالة ثانية. ظهرت الكلمات ببطء على الشاشة. كأن شخصًا يكتبها في تلك اللحظة. «"لا تثقوا بالرجل."» ثم رسالة ثالثة. «"ولا تثقوا بي أيضًا."» ساد الصمت. شعرت ليان بأن قلبها ينبض بقوة. لأول مرة... الرسائل نفسها تعترف بأنها قد تكون غير جديرة بالثقة. رفعت رأسها نحو الآخرين. وقالت: "إذا لم نثق بالرجل..." ثم نظرت إلى الهاتف. "...ولا بالرسائل." ابتلع سليم ريقه. وأكمل الجملة: "فبمن نثق إذن؟" وفي اللحظة نفسها... ظهر على شاشة الهاتف شيء جديد. لم يكن رسالة. بل صورة. صورة حديثة. التقطت ليلًا. وتظهر شخصًا يقف أمام منزل ليان مباشرة. شخصًا طويلًا يرتدي معطفًا أسود. ويراقب المنزل. وعندما كبرت ليان الصورة... شهقت. لأن الرجل كان ينظر مباشرة إلى الكاميرا. وكأنه يعرف أنهم يشاهدونه. يتبع...