الرسالة الأخيرة - من الفصل 6_8 - بقلم A | روايتك

اسم الرواية: الرسالة الأخيرة
المؤلف / الكاتب: A
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: من الفصل 6_8

من الفصل 6_8

لم ينم أحد تلك الليلة. بقيت ليان تنظر من النافذة نحو التل البعيد الذي أشار إليه يوسف. كان يظهر بالكاد تحت ضوء القمر الخافت. كلما نظرت إليه شعرت بشيء غريب. وكأن المكان يناديها. في الصباح اجتمع الأربعة في غرفة الجلوس. يوسف كان يجلس بهدوء على الكرسي. من الغريب أنه لم يعد يبدو شبحًا مخيفًا كما في البداية. بل بدا كطفل ضائع يبحث عن إجابات. قال سليم: "إذا كانت ذكرياتك هناك، فعلينا الذهاب." هز يوسف رأسه. لكن الجدة نرجس بدت قلقة. "ذلك التل مهجور منذ سنوات طويلة." سألتها ليان: "لماذا؟" تنهدت الجدة. ثم قالت: "كان هناك منزل قديم فوقه." "منزل؟" أومأت. "لكن الناس كانوا يقولون أشياء غريبة عنه." "مثل ماذا؟" خفضت صوتها. "كانوا يسمعون أصواتًا في الليل." ساد الصمت. ثم أضافت: "وبعد اختفاء يوسف لم يقترب أحد من المكان." شعرت ليان بقشعريرة. لكن فضولها كان أقوى من خوفها. وبعد ساعة انطلقوا نحو التل. كلما اقتربوا ازداد شعورهم بالغرابة. كانت الأشجار أكثر كثافة. والهواء أبرد. والسماء مغطاة بالغيوم. وصلوا أخيرًا إلى القمة. وهناك رأوا المنزل. كان قديمًا جدًا. نوافذه محطمة. وسقفه متصدع. لكن أكثر ما أخاف ليان... أن الباب الأمامي كان مفتوحًا. وكأن أحدًا دخل قبلهم بقليل. قال سليم: "ابقوا قريبين مني." ودخلوا. كان الغبار يغطي كل شيء. لكن أرضية المنزل كانت تحمل آثار أقدام حديثة. توقفت ليان فجأة. "انظروا." اقترب الجميع. كانت هناك آثار حذاء كبير. ليست لطفل. وليست لأي واحد منهم. همست الجدة: "الرجل..." شعرت ليان بأن قلبها بدأ ينبض بقوة. تبعوا الآثار حتى وصلوا إلى غرفة صغيرة في نهاية الممر. كانت الغرفة شبه فارغة. عدا خزانة خشبية قديمة. وفوقها صورة مغطاة بالغبار. اقترب يوسف ببطء. ومد يده. ثم أزال الغبار. شهقت ليان. الصورة كانت لعائلة. رجل. وامرأة. وطفل صغير. الطفل كان يوسف. أما الرجل... فبمجرد أن رآه يوسف تراجع خطوة إلى الخلف. ووضع يديه على رأسه. "لا..." قالها بصوت مرتجف. بدأت صور كثيرة تتدفق إلى ذهنه. صرخ. وسقط على ركبتيه. ركضت ليان نحوه. "يوسف!" لكن يوسف كان ينظر إلى الصورة فقط. والدموع تملأ عينيه. ثم قال جملة صدمت الجميع: "الرجل الذي يطاردني..." رفع إصبعه نحو الأب الموجود في الصورة. "...هو أبي." ساد الصمت. شعرت ليان بأن الأرض اختفت تحت قدميها. قال سليم بذهول: "ماذا؟" لكن قبل أن يجيب يوسف... انغلق باب المنزل بعنف. دداااام! واهتزت الجدران كلها. ثم جاء ذلك الصوت العميق من جديد. أقرب من أي وقت مضى. "كان يجب أن تبقى الحقيقة مدفونة." وفي الممر خارج الغرفة... بدأت خطوات ثقيلة تقترب منهم ببطء. خطوة... ثم خطوة أخرى... ثم ثالثة... وكأن شخصًا يصعد نحوهم من أعماق المنزل. وتجمد الجميع في أماكنهم عندما ظهر ظل طويل عند مدخل الغرفة. ظل رجل. ينظر إليهم بصمت. ثم رفع رأسه ببطء. وقال: "يوسف... عد إلى المنزل." ______________________________________________ وقف يوسف مكانه كأن الزمن توقف. كان الظل الطويل يقف عند مدخل الغرفة. لا يتحرك. لا يتكلم. فقط ينظر إليه. أما ليان فشعرت بأن الهواء أصبح أثقل من قبل. كان الرجل يشبه الشخص الموجود في الصورة القديمة. نفس القامة. ونفس الملامح تقريبًا. لكن وجهه كان مغطى بالظلام. قال يوسف بصوت مرتجف: "أنت..." خطا الرجل خطوة إلى الأمام. صرير الأرضية القديمة تردد في أنحاء المنزل. ثم قال بهدوء غريب: "لقد بحثت عنك طويلًا." ارتجف يوسف أكثر. لكن شيئًا ما بدا خاطئًا. لو كان هذا والده حقًا... فلماذا يشعر بهذا الخوف؟ تقدمت ليان خطوة. وقالت: "من أنت؟" التفت الرجل نحوها ببطء. ولأول مرة استطاعت رؤية عينيه. كانتا فارغتين بشكل مخيف. ثم أجاب: "هذا لا يهم." شعرت ليان بقشعريرة. أما سليم فتقدم أمامها. "ابتعد عنا." ابتسم الرجل ابتسامة باردة. وقال: "أنتم لا تفهمون ما يحدث." ساد الصمت. ثم أشار إلى يوسف. "هو لا يجب أن يتذكر." صرخت ليان: "لماذا؟" وللمرة الأولى تغيرت ملامح الرجل. ظهر الخوف في عينيه. خوف حقيقي. وقال: "لأن الحقيقة أسوأ مما تتخيلون." في تلك اللحظة اهتز المنزل كله. وسقطت الصورة القديمة من فوق الخزانة. تحطم الزجاج. وانقسم الإطار إلى نصفين. نظر يوسف إلى الصورة الساقطة. ثم اتسعت عيناه فجأة. ظهرت ذكرى جديدة في رأسه. كان يرى نفسه طفلًا صغيرًا. يركض تحت المطر. يبكي. وينادي شخصًا ما. ثم رأى المنزل نفسه. هذا المنزل. ورأى باب القبو مفتوحًا. شعر بألم حاد في رأسه. وسقط على ركبتيه. ركضت ليان نحوه. "يوسف!" لكن يوسف كان يحدق في الأرض. وكأنه يرى شيئًا لا يراه الآخرون. ثم همس: "القبو..." تجمد الرجل عند الباب. لأول مرة بدا مرتبكًا. رفع يوسف رأسه ببطء. وقال: "أتذكر القبو." صرخ الرجل فجأة: "اصمت!" اهتزت النوافذ بقوة. وتطاير الغبار من السقف. لكن يوسف أكمل. "كان هناك شخص..." أصبح وجه الرجل شاحبًا. وتراجع خطوة للخلف. أما الجدة نرجس فقد أدركت شيئًا مهمًا. همست: "لهذا السبب لا يريدك أن تتذكر." نظر الجميع إليها. وقالت: "الحقيقة موجودة في القبو." ساد الصمت. ثم نظر يوسف إلى الرجل. وسأله: "ماذا حدث في تلك الليلة؟" لم يجب الرجل. بل استدار فجأة. وبدأ يختفي داخل الظلام. قبل أن يختفي تمامًا قال: «"إذا فتحتم القبو... فلن تعود حياتكم كما كانت."» ثم اختفى. بقي المنزل صامتًا. لا صوت سوى أنفاسهم المتسارعة. نظر سليم إلى الآخرين. ثم قال: "إذن نعرف وجهتنا التالية." سألته ليان: "أين؟" نظر إلى الأرضية القديمة تحت أقدامهم. ثم قال: "سنبحث عن القبو." لكنهم لم يكونوا يعلمون أن ما ينتظرهم هناك... سيغير كل شيء عرفوه عن يوسف. <><<<<<<<<<>><<<<<<><<<><><<><<>><>><<><< ساد الصمت داخل المنزل القديم. لم يعد أحد يتكلم. كانت كلمات الرجل الغامض تدور في أذهانهم جميعًا. «"إذا فتحتم القبو... فلن تعود حياتكم كما كانت."» شعرت ليان بأن قلبها ينبض بسرعة. كلما اقتربوا من الحقيقة، ازدادت الأسئلة بدلًا من أن تقل. نظر سليم إلى الأرضية الخشبية. ثم بدأ يتفحص الغرفة بعناية. "يجب أن يكون هناك مدخل." اقترب يوسف من الجدار المقابل. كان يمرر أصابعه فوق الخشب القديم وكأنه يبحث عن شيء يتذكره. فجأة توقف. أغلق عينيه للحظة. ثم قال: "هنا." نظر الجميع نحوه. كان يشير إلى خزانة كبيرة مغطاة بالغبار. اقترب سليم منها. ودفعها بكل قوته. تحركت ببطء. وصدر صوت احتكاك مزعج. وبعد لحظات ظهر شيء مخفي خلفها. باب حديدي صغير. مغطى بالصدأ. شعرت ليان بقشعريرة. هذا هو. القبو. اقتربت الجدة نرجس. وبدت شاحبة. "لم أتخيل أنني سأراه مرة أخرى." سألها سليم: "هل كنت تعرفين بوجوده؟" تنهدت. ثم هزت رأسها. "لا... لكنني سمعت عنه." وضعت يدها على المقبض. ثم سحبتها بسرعة. كان المعدن باردًا بشكل غريب. باردًا أكثر مما يجب. حتى في هذا الطقس. أمسك سليم بالمقبض. وأدار القفل. صرير حاد ملأ المكان. ثم انفتح الباب ببطء. ظهرت درجات حجرية تؤدي إلى الأسفل. إلى ظلام كثيف. شعرت ليان بأن معدتها انقبضت. كان الظلام يبدو وكأنه حي. وكأنه ينتظرهم. أضاء سليم مصباح هاتفه. وقال: "ابقوا خلفي." وبدأ النزول. خطوة. ثم أخرى. ثم أخرى. تبعته ليان. ثم يوسف. وأخيرًا الجدة. كلما نزلوا أكثر ازداد الهواء برودة. وأصبحت الرطوبة أقوى. كانت الجدران الحجرية مغطاة ببقع سوداء قديمة. والمكان تفوح منه رائحة العفن. وصلوا إلى الأسفل أخيرًا. كان القبو أكبر مما توقعوا. وفي وسطه طاولة خشبية قديمة. وفوقها عشرات الأوراق المبعثرة. اقتربت ليان منها. بدأت تتفحصها. ثم شهقت. كانت جميعها رسومات أطفال. رسومات كثيرة جدًا. بعضها لبيوت. وبعضها لأشجار. وبعضها لأشخاص بلا وجوه. لكن رسمة واحدة جذبت انتباهها. كانت لطفل يقف بجوار رجل طويل. وقد رُسمت فوق الرجل عينان سوداوان فقط. أمسكت ليان الورقة. ثم نظرت إلى يوسف. "هل رسمت هذا؟" حدق يوسف في الرسم. وفجأة شحب وجهه. "أتذكره." ساد الصمت. رفع يوسف يده المرتجفة. وأشار إلى الرجل المرسوم. "كان يأتي إلى هنا." شعرت ليان بقشعريرة. "من هو؟" لكن يوسف لم يجب. كان يحدق في الرسمة فقط. وكأنه يرى شيئًا بعيدًا جدًا. ثم قال أخيرًا: "لم يكن أبي." تجمد الجميع. حتى سليم. "ماذا؟" رفع يوسف رأسه. وكان الخوف واضحًا في عينيه. "الرجل الذي رأيناه ليس أبي." ازدادت حيرة ليان. إذا لم يكن والده... فمن يكون؟ وفي تلك اللحظة سمعوا صوت شيء يسقط في الطرف الآخر من القبو. استدار الجميع بسرعة. لكن الظلام كان كثيفًا. ثم جاء صوت خافت. وكأنه همس بعيد. صوت طفل. يقول: «"لا تصدقوه..."» وتوقف كل شيء.