الرسالة الأخيرة - من الفصل 1_3 - بقلم A | روايتك

اسم الرواية: الرسالة الأخيرة
المؤلف / الكاتب: A
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: من الفصل 1_3

من الفصل 1_3

كانت السماء مغطاة بالغيوم السوداء منذ الصباح، وكأن المطر ينتظر اللحظة المناسبة ليسقط. جلست ليان قرب نافذة غرفتها، تراقب الشارع الخالي بينما تدون بعض الأفكار في دفترها الصغير. كانت الكتابة الشيء الوحيد الذي يجعلها تشعر بالراحة منذ وفاة والدتها قبل عامين. تنهدت وهي تغلق الدفتر. كان المنزل هادئًا على غير العادة. أخوها سليم لم يعد من عمله بعد، والجدة نرجس كانت نائمة في غرفتها. نظرت إلى الساعة. الحادية عشرة وخمس وأربعون دقيقة ليلًا. قالت لنفسها: "سأنام مبكرًا الليلة." أطفأت المصباح واستلقت على السرير. لكن النوم لم يأتِ بسهولة. كان هناك شعور غريب يرافقها منذ أيام، وكأن أحدًا يراقبها من بعيد. حاولت تجاهل الأمر. أغمضت عينيها. وفجأة... اهتز هاتفها الموضوع على الطاولة. فتحت عينيها بسرعة. أضاءت الشاشة وسط الظلام. رسالة جديدة. رقم مجهول. ترددت للحظات قبل أن تفتحها. كان محتوى الرسالة قصيرًا جدًا: "لا تنامي الليلة." شعرت ليان بقشعريرة تسري في جسدها. حدقت في الكلمات عدة مرات. ثم ضحكت بخفة. "بالتأكيد إنها مزحة." كتبت: "من أنت؟" لم تمر ثانية واحدة حتى وصل الرد. "انظري تحت السرير." اختفت ابتسامتها. نظرت ببطء نحو حافة السرير. كان الظلام يخفي كل شيء. حاول عقلها إقناعها أن الأمر مجرد مزحة سخيفة. لكن فضولها كان أقوى. أشعلت مصباح الهاتف. وانحنت قليلًا لتنظر أسفل السرير. في البداية لم ترَ شيئًا. ثم لمحَت شيئًا أبيض في الزاوية. ورقة. اتسعت عيناها. مدت يدها وسحبتها. كانت قديمة ومصفرة وكأنها موجودة منذ سنوات. فتحتها بحذر. وفي منتصفها جملة واحدة مكتوبة بخط أحمر: "لقد رآك." تجمدت في مكانها. دق قلبها بقوة. رن الهاتف مرة أخرى. رسالة جديدة. "لا تنظري إلى الباب." شعرت ليان بالخوف الحقيقي لأول مرة. لماذا لا تنظر إلى الباب؟ ماذا يوجد هناك؟ بدأت أنفاسها تتسارع. حاولت مقاومة الفضول. خمس ثوانٍ. عشر ثوانٍ. ثم استدارت ببطء. كان الباب مغلقًا. تنفست الصعداء. لكن فجأة... تحرك مقبض الباب ببطء. مرة. ثم مرة أخرى. وكأن شخصًا يقف في الخارج ويحاول فتحه. شهقت ليان وتراجعت إلى الخلف. "سليم؟" لم يجب أحد. عادت حركة المقبض. ثم توقفت. ساد الصمت. مرت دقيقة كاملة دون أي صوت. ثم وصلت رسالة أخرى. "لا تفتحي الباب مهما سمعت." ارتجفت يداها. كتبت بسرعة: "ماذا يحدث؟ من أنت؟" جاء الرد: "إذا أردتِ البقاء بأمان، أيقظي جدتك." قفزت ليان من السرير. خرجت من غرفتها بسرعة. كان الممر مظلمًا. وكل خطوة كانت تجعل أرضية المنزل تصدر صوتًا خافتًا. وصلت إلى غرفة الجدة. طرقت الباب. "جدتي؟" لا رد. طرقت مرة أخرى. "جدتي!" سمعت حركة خفيفة في الداخل. ثم فُتح الباب ببطء. ظهرت الجدة نرجس وهي تنظر إليها باستغراب. "ماذا حدث يا ليان؟" قالت ليان بصوت مرتجف: "هناك شخص يرسل لي رسائل غريبة." تغيرت ملامح الجدة فجأة. وكأنها فهمت شيئًا. سألتها: "هل طلب منك أن تنظري تحت السرير؟" اتسعت عينا ليان. "كيف عرفتِ؟" أغلقت الجدة الباب بسرعة خلفهما. وقالت بصوت منخفض: "إذن لقد عاد." شعرت ليان بالخوف أكثر. "من عاد؟" لم تجب الجدة مباشرة. بل ذهبت نحو خزانة قديمة وأخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا. كان مغطى بالغبار. فتحته. وفي الداخل عشرات الرسائل القديمة. كلها مكتوبة بالخط نفسه. التقطت ليان إحداها. وكان مكتوبًا فيها: "لا تنظري خلفك." رفعت رأسها بصدمة. "من كتب هذه؟" تنهدت الجدة. ثم قالت: "قبل ثلاثين عامًا وصلتني الرسائل نفسها." ساد الصمت. لم تصدق ليان ما تسمعه. "ماذا؟" أومأت الجدة برأسها. "كنت في مثل عمرك تقريبًا. وفي كل ليلة كانت تصلني رسالة تحذرني من شيء." ابتلعت ليان ريقها. "ومن كان يرسلها؟" نظرت الجدة نحو النافذة. وقالت: "لا أحد يعرف." في تلك اللحظة... انطفأت أضواء المنزل بالكامل. غرقت الغرفة في الظلام. صرخت ليان بخوف. وأمسكت بيد جدتها. ثم سمع الاثنان صوتًا قادمًا من الطابق العلوي. خطوة... ثم أخرى... ثم أخرى. وكأن شخصًا يسير فوقهما ببطء. همست ليان: "سليم عاد؟" لكن الجدة هزت رأسها. "سليم لم يعد بعد." توقف الصوت للحظة. ثم سُمعت ضربة قوية على باب المنزل الرئيسي. دق! دق! دق! ارتجفت ليان. قالت الجدة بسرعة: "لا تفتحي الباب." لكن الطرق استمر. أقوى من السابق. ثم دوى صوت سليم من الخارج: "ليان! افتحي الباب!" شعرت ليان بالراحة. "إنه سليم!" لكن الجدة أمسكت بذراعها بقوة. وقالت بصوت مرتجف: "لا." نظرت إليها ليان بدهشة. "إنه أخي!" قالت الجدة: "إذا كان أخاك حقًا... فلماذا وصلتني رسالة الآن؟" أخرجت هاتفها المرتجف. ونظرت إلى الشاشة. اقتربت ليان لترى. وكانت الرسالة الجديدة تقول: "لا تفتحي الباب... سليم ما زال في الطريق." انقطع نفس ليان. وعاد الطرق على الباب من جديد. لكن هذه المرة... تحول صوت سليم في الخارج إلى ضحكة غريبة بطيئة. وفي تلك اللحظة أدركت ليان أن الشخص الذي يقف خلف الباب... ليس سليمًا. ______________________________________________ تجمدت ليان في مكانها. كانت عيناها مثبتتين على الباب بينما استمرت الضحكة الغريبة في الخارج. لم تعد تشبه ضحكة سليم أبدًا. كانت أبطأ... وأعمق... وكأن شخصًا يحاول تقليد صوته. أمسكت الجدة نرجس بيد ليان بقوة. وقالت بصوت منخفض: "ابتعدي عن الباب." تراجعت ليان خطوة إلى الخلف. ثم أخرى. لكن الطرق عاد من جديد. دق! دق! دق! اهتز الباب بقوة حتى ظنت ليان أنه سينكسر. ثم ساد الصمت فجأة. صمت كامل. لم يعد هناك أي صوت. لا طرق. لا ضحكات. لا شيء. مرت دقيقة كاملة. ثم دقيقتان. همست ليان: "هل رحل؟" لم تجب الجدة. كانت تنظر نحو الباب وكأنها تنتظر شيئًا. وفجأة... رن هاتف ليان. رسالة جديدة. فتحتها بسرعة. "إنه الآن خلفك." اتسعت عيناها. وتجمد الدم في عروقها. أغلقت الشاشة فورًا. لم تجرؤ على الالتفات. قالت الجدة بحزم: "لا تنظري." بدأت أنفاس ليان تتسارع. كانت تشعر وكأن شخصًا يقف فعلًا خلفها. قريب جدًا. قريب لدرجة أنها تكاد تسمع أنفاسه. لكنها لم تلتفت. أغمضت عينيها بقوة. ثم وصلتها رسالة أخرى. "أحسنتِ." في اللحظة نفسها اختفى ذلك الشعور. وكأن شيئًا كان موجودًا ثم رحل. تنفست ليان بارتياح. لكن خوفها لم يختفِ. سألت جدتها: "ما الذي يحدث؟" تنهدت الجدة وجلست على الكرسي القديم. وقالت: "هناك حكاية قديمة في هذه المدينة." جلست ليان أمامها. وأصغت باهتمام. "قبل عشرات السنين اختفى طفل من هذا الحي. بحث الجميع عنه ولم يجدوه أبدًا." توقفت الجدة لحظة. ثم أكملت: "وبعد سنوات بدأ الناس يتلقون رسائل غريبة في الليل." "مثل الرسائل التي تصلني؟" أومأت الجدة. "نعم." "ومن كان يرسلها؟" هزت الجدة رأسها. "لا أحد يعرف." في تلك اللحظة سُمع صوت مفتاح يدور في قفل الباب الرئيسي. التفتتا نحو الممر. ثم فُتح الباب. دخل سليم وهو يحمل حقيبة صغيرة. نظر إليهما باستغراب. "لماذا أنتما مستيقظتان؟" ركضت ليان نحوه فورًا. "سليم!" نظر إليها بدهشة. "ماذا حدث؟" قصت عليه كل شيء. الرسائل. والورقة. والطرق على الباب. والصوت الذي انتحل شخصيته. استمع سليم بصمت. ثم قال مبتسمًا: "ربما شخص يحاول إخافتك." لكن ابتسامته اختفت عندما رأى الرسائل بنفسه. قرأها عدة مرات. ثم قال: "هذا ليس طبيعيًا." جلس الثلاثة في غرفة الجلوس. وكان التوتر يملأ المكان. وفجأة... انطفأت شاشة التلفاز وحدها. رغم أنها لم تكن تعمل أصلًا. ثم اشتعلت من جديد. ظهرت شاشة سوداء. وبعد ثوانٍ ظهرت كلمات بيضاء: "وجدتكم." شهقت ليان. وقف سليم بسرعة وأغلق التلفاز من القابس. اختفت الكلمات. لكن الخوف بقي. نظر الجميع إلى بعضهم بصمت. ثم سمعوا صوتًا قادمًا من الطابق العلوي. صوت باب يُفتح ببطء. صرير طويل ومزعج. قال سليم: "سأرى ما هناك." أمسكت ليان بذراعه. "لا تذهب وحدك." صعد الثلاثة الدرج معًا. خطوة بعد خطوة. وكان المنزل يبدو مختلفًا في الظلام. وصلوا إلى الطابق العلوي. كل الأبواب كانت مغلقة. عدا بابًا واحدًا. باب غرفة التخزين القديمة. نظر سليم إليه. وقال: "أنا متأكد أنني أغلقته صباحًا." اقترب بحذر. ثم دفع الباب ببطء. صررر... انفتح الباب. أضاء مصباح هاتفه. كانت الغرفة مليئة بالصناديق القديمة. ولا يوجد أحد. تنفست ليان بارتياح. لكنها لاحظت شيئًا. على الجدار المقابل. كلمات حمراء كبيرة. وكأنها كُتبت قبل لحظات. اقتربت أكثر. وقرأت الجملة بصوت مرتجف: "لا تثقوا بالرسالة الأخيرة." ساد الصمت. نظر سليم إلى الجدار. ثم إلى هاتف ليان. وقال: "إذا كانت الرسائل تحذرك... فلماذا هذه الجملة تقول ألا نثق بها؟" لم تجد ليان جوابًا. لأول مرة خطرت لها فكرة مخيفة. ماذا لو كانت الرسائل نفسها خدعة؟ ماذا لو كان الشخص الذي يرسلها لا يحاول مساعدتها... بل يقودها إلى شيء أسوأ؟ وفي تلك اللحظة بالذات... وصلت رسالة جديدة. فتحتها ليان ببطء. وكان مكتوبًا فيها: "أخيرًا بدأتِ تطرحين السؤال الصحيح." ______________________________________________ تجمدت ليان وهي تحدق في شاشة هاتفها. كانت الرسالة واضحة: "أخيرًا بدأتِ تطرحين السؤال الصحيح." رفعت رأسها ببطء. نظر إليها سليم والجدة نرجس بقلق. سألها سليم: "ماذا تقول الرسالة هذه المرة؟" ناولته الهاتف. قرأها ثم عبس. "كيف يعرف ما نفكر فيه؟" لم تستطع ليان الإجابة. كانت تشعر أن الأمر أصبح أكبر من مجرد شخص يرسل رسائل مخيفة. وكأن هناك أحدًا يراقبهم منذ البداية. أحد يعرف كل كلمة يقولونها. وكل خطوة يقومون بها. فجأة... أغلق هاتفها نفسه. اختفت الشاشة تمامًا. ضغطت على زر التشغيل. لا شيء. نفدت البطارية؟ مستحيل. كانت مشحونة بالكامل قبل ساعة فقط. قالت الجدة بصوت منخفض: "يحدث هذا دائمًا." نظرت إليها ليان. "دائمًا؟" تنهدت الجدة. ثم جلست فوق أحد الصناديق القديمة. وقالت: "عندما بدأت تصلني الرسائل قبل ثلاثين عامًا، كانت الأشياء الإلكترونية تتعطل كلما اقترب." "من هو؟" سألت ليان بسرعة. لكن الجدة ظلت صامتة. وكأنها تخشى ذكر الاسم. في تلك اللحظة لمح سليم شيئًا داخل أحد الصناديق. اقترب منه. ثم أخرج دفترًا قديماً مغطى بالغبار. فتحه بحذر. كانت صفحاته صفراء ومتآكلة. وفي الصفحة الأولى كُتب: "مذكرات نرجس - لا تفتحها." اتسعت عينا ليان. "هذه مذكراتك؟" أومأت الجدة ببطء. بدت مترددة. ثم قالت: "ربما حان الوقت لتعرفا الحقيقة." جلس الثلاثة على أرض الغرفة. وبدأت الجدة تقرأ. 12 أكتوبر 1996 "وصلتني الرسالة الأولى الليلة. قالت: لا تنظري من النافذة. لم أفهم السبب. لكنني نظرت." توقفت الجدة للحظة. كانت يدها ترتجف. سألتها ليان: "وماذا رأيتِ؟" ابتلعت الجدة ريقها. ثم قالت: "رأيت نفسي." ساد الصمت. حتى سليم لم ينطق بكلمة. قالت ليان: "ماذا تعنين؟" أجابت الجدة: "رأيت فتاة تشبهني تمامًا تقف في الحديقة." شعرت ليان بقشعريرة. أكملت الجدة القراءة. "الفتاة كانت تنظر نحوي. وتبتسم. لكن ابتسامتها لم تكن طبيعية. وحين أغلقت الستارة لثانية واحدة ثم فتحتها... اختفت." أغلقت الجدة الدفتر. كانت ملامحها شاحبة. قالت: "بعدها بدأت الأمور تزداد سوءًا." "ماذا حدث؟" سأل سليم. أجابت: "كل شخص تجاهل الرسائل... اختفى." شعرت ليان بأن قلبها توقف للحظة. "اختفى؟" أومأت الجدة. "دون أثر." وفجأة... سمعوا صوت سقوط شيء في الطابق السفلي. دويّ قوي جعل الجميع يقفز من مكانه. نظروا إلى بعضهم. ثم سمعوا صوتًا آخر. خطوة. ثم خطوة ثانية. ثم ثالثة. شخص ما كان يتحرك داخل المنزل. لكن سليم كان معهم. والجدة كانت معهم. وليان كانت معهم. إذن... من الموجود في الأسفل؟ أمسك سليم بعصا قديمة كانت قرب الباب. وقال: "ابقيا هنا." لكن الجدة هزت رأسها. "لا نتفرق." نزل الثلاثة الدرج ببطء. كل درجة كانت تصدر صريرًا خافتًا. وكان الظلام يملأ المنزل. وصلوا إلى غرفة الجلوس. نظروا حولهم. لا أحد. لكن شيئًا كان مختلفًا. الصورة العائلية المعلقة على الجدار سقطت على الأرض. اقتربت ليان منها. ثم تجمدت. في الصورة كان يظهر والدها ووالدتها وسليم وهي نفسها. لكن... كان هناك شخص خامس. شخص لم يكن موجودًا من قبل. طفل صغير يقف خلفهم. بوجه شاحب وعينين سوداوين. شهقت ليان. "هذا لم يكن في الصورة!" اقترب سليم بسرعة. وعندما رأى الصورة شحب وجهه. أما الجدة... فبدت وكأنها رأت كابوسًا قديمًا عاد للحياة. همست: "لا..." سألتها ليان: "هل تعرفينه؟" أجابت بصوت مرتجف: "إنه الطفل." "أي طفل؟" رفعت الجدة عينيها نحو الصورة. ثم قالت: "الطفل الذي اختفى قبل عشرات السنين." وفي اللحظة نفسها... اشتعل التلفاز وحده. ظهرت الشاشة السوداء. ثم ظهرت جملة واحدة مكتوبة بالأبيض: "لقد تذكّرني أحدكم." وانطفأ التلفاز فورًا. ساد الصمت. لكن هذه المرة... لم يكن الصمت وحده. فمن آخر الممر... جاء صوت طفل صغير يضحك. ضحكة هادئة... قريبة جدًا. وكأن صاحبها يقف في الظلام ويراقبهم. تجمد الجميع في أماكنهم. كانت الضحكة الخافتة تتردد في آخر الممر. ليست عالية... وليست مخيفة بطريقة واضحة... لكنها كانت كافية لتجعل القشعريرة تسري في أجسادهم. أمسكت ليان بذراع سليم. همست: "هل سمعتها؟" أومأ سليم ببطء. هذه المرة لم يكن هناك شك. لقد سمعها هو أيضًا. أما الجدة نرجس فبدت شاحبة أكثر من أي وقت مضى. وقالت بصوت منخفض: "إنه يقترب." نظر إليها سليم بسرعة. "من هو؟" لكن قبل أن تجيب... انطفأت جميع الأضواء مرة أخرى. غرقت الغرفة في الظلام. صرخت ليان بخوف. وسرعان ما أشعل سليم مصباح هاتفه. ظهر شعاع الضوء الضعيف. لكن شيئًا ما جعل قلب ليان يتوقف للحظة. على الجدار المقابل... كانت هناك آثار أقدام صغيرة. آثار طفل. مبللة وكأن صاحبها خرج للتو من المطر. تتبعت ليان الآثار بعينيها. كانت تبدأ من باب المطبخ. ثم تمتد عبر الممر. وتختفي عند الدرج المؤدي للطابق العلوي. همست: "هل كانت موجودة من قبل؟" هز سليم رأسه. "لا." ساد الصمت للحظات. ثم قالت الجدة: "لا تتبعوها." لكن سليم عقد حاجبيه. "لماذا؟" أجابت بسرعة: "لأنه يريد ذلك." نظر إليها. ثم إلى الآثار. ثم قال: "إذا بقينا خائفين فلن نعرف شيئًا أبدًا." وأخذ خطوة نحو الدرج. صرخت الجدة: "سليم!" لكنه لم يتوقف. اضطرت ليان للحاق به. بينما تبعتهما الجدة على مضض. صعدوا الدرج ببطء. وكانت آثار الأقدام تقودهم إلى نهاية الممر العلوي. إلى باب قديم لم يُفتح منذ سنوات. توقفت ليان. "ما هذه الغرفة؟" نظرت الجدة إلى الباب. وبدت وكأنها لا تريد الإجابة. لكن سليم فتحه قبل أن تتكلم. صررر... صدر صوت مزعج بينما انفتح الباب ببطء. رفع سليم المصباح. وأضاء الداخل. كانت الغرفة مليئة بالأثاث القديم والستائر المغبرة. لكن الشيء الذي جذب انتباههم فورًا... كان صندوقًا خشبيًا صغيرًا في منتصف الغرفة. وحيدًا. وكأن أحدًا وضعه هناك عمدًا. اقتربت ليان منه. وكان فوق الغطاء ورقة قديمة. التقطتها. وقرأت ما كُتب عليها: "كان يجب أن يبقى مغلقًا." ابتلعت ريقها. ونظرت إلى سليم. قال: "سنفتحه." لكن الجدة تقدمت بسرعة. وأمسكت بالصندوق. "لا." نظر إليها الاثنان بدهشة. كانت هذه أول مرة تبدو خائفة إلى هذا الحد. قالت: "هذا الصندوق سبب كل شيء." شعرت ليان بأن قلبها ينبض بقوة. "ماذا تقصدين؟" أغمضت الجدة عينيها للحظة. ثم قالت: "قبل ثلاثين عامًا... أنا التي فتحته." ساد الصمت. حتى الهواء بدا وكأنه توقف. "ماذا؟" همست ليان. جلست الجدة على كرسي قديم. وبدأت تتحدث. "عندما كنت صغيرة، وجدت هذا الصندوق في منزل مهجور على أطراف المدينة." "وماذا كان بداخله؟" سأل سليم. أجابت: "صورة." "فقط صورة؟" هزت رأسها. "صورة لطفل مجهول." شعرت ليان بقشعريرة. "الطفل نفسه؟" أومأت الجدة. ثم أكملت: "بعد أن أخذت الصورة إلى المنزل بدأت الرسائل تصل." "ولماذا لم تتخلصي منها؟" خفضت الجدة رأسها. وقالت بصوت مكسور: "حاولت." "وماذا حدث؟" رفعت عينيها ببطء. وقالت: "كانت تعود دائمًا." في تلك اللحظة... صدر صوت خفيف من داخل الصندوق. تك. ثم... تك. وكأن شيئًا صغيرًا يطرق من الداخل. قفزت ليان إلى الخلف. أما سليم فحدق في الصندوق بصدمة. عاد الصوت. تك. تك. تك. ثم توقف. وفجأة... انفتح غطاء الصندوق وحده. ببطء شديد. صررر... تراجع الجميع. وكان الظلام داخل الصندوق كثيفًا لدرجة أنهم لم يستطيعوا رؤية ما بداخله. رفع سليم المصباح نحو الداخل. وظهر شيء واحد فقط. صورة قديمة. مدت ليان يدها المرتجفة. وأخرجتها. كانت صورة بالأبيض والأسود. لطفل صغير يقف أمام منزل قديم. شعره داكن. ووجهه شاحب. لكن أكثر ما أخافها... أن الطفل كان يبتسم. ابتسامة غريبة وغير مريحة. وفوق الصورة كُتب بخط باهت: "إذا رأيته... فهو يراك أيضًا." شعرت ليان ببرودة تسري في جسدها. ثم نظرت إلى خلف الصورة. وكان هناك تاريخ. 5 يونيو 1996 اتسعت عيناها. "جدتي..." "نعم؟" "اليوم هو 5 يونيو." شحب وجه الجدة فورًا. وكأنها أدركت شيئًا مرعبًا. ثم همست: "لا..." سألها سليم: "ما الأمر؟" أجابت بصوت مرتجف: "اليوم... هو اليوم الذي اختفى فيه الطفل." وفي اللحظة نفسها... سمعوا صوت باب الغرفة يُغلق خلفهم بعنف. ددااام! استداروا جميعًا. كان الباب مغلقًا. وأصبحوا محاصرين داخل الغرفة. ثم جاء صوت طفل صغير من أحد أركان الظلام. صوت هادئ... واضح... ولأول مرة لم يكن مجرد ضحكة. بل كلمات. قال: "أخيرًا وجدتم صورتي." ______________________________________________ تجمدت ليان وسليم والجدة نرجس في أماكنهم. كان الصوت واضحًا جدًا هذه المرة. لم يكن صوتًا قادمًا من هاتف أو تلفاز. بل من داخل الغرفة نفسها. من أحد الأركان المظلمة. شعرت ليان بأن يدها ترتجف وهي تمسك الصورة القديمة. أما سليم فرفع ضوء الهاتف نحو مصدر الصوت. لكن الضوء لم يكشف شيئًا. فقط الظلام. ظلام كثيف وكأن الضوء يرفض الدخول إليه. ثم تكرر الصوت. "أخيرًا وجدتم صورتي." ابتلعت ليان ريقها بصعوبة. وقالت بصوت مرتجف: "من أنت؟" ساد الصمت لثوانٍ طويلة. ثم جاء الرد. "نسيتُ اسمي." شعرت الجدة نرجس بقشعريرة قوية. هذا الجواب أعاد إليها ذكريات حاولت نسيانها لسنوات طويلة. تقدمت خطوة للأمام وقالت: "أنت الطفل الذي اختفى." صدر صوت أشبه بالضحكة القصيرة. ثم قال: "هذا ما يعتقده الجميع." بدأ الهواء داخل الغرفة يبرد أكثر فأكثر. حتى إن أنفاسهم أصبحت مرئية. نظر سليم حوله بتوتر. كان الباب مغلقًا. والنوافذ مغلقة. ومع ذلك كانت الرياح تتحرك داخل الغرفة. كأن هناك شيئًا غير مرئي يدور حولهم. فجأة سقطت الصورة من يد ليان. واستقرت على الأرض. لكن الغريب أن الصورة بدأت تتحرك وحدها. ببطء شديد. تنزلق فوق الأرض الخشبية. ثم توقفت أمام خزانة قديمة في زاوية الغرفة. نظر الجميع إليها. همست ليان: "أعتقد أنها تريدنا أن نفتحها." صرخت الجدة فورًا: "لا!" التفتت إليها ليان. كانت الجدة خائفة بطريقة لم ترها من قبل. قالت نرجس: "في المرة الماضية فتحت كل شيء أرشدتني إليه الرسائل." "وماذا حدث؟" سألت ليان. أغلقت الجدة عينيها. ثم قالت: "اختفت صديقتي." ساد الصمت. وأكملت بصوت مكسور: "كانت معي في تلك الليلة. اسمها هدى." تنهدت بحزن. "سمعنا أصواتًا غريبة داخل منزل مهجور. ثم وجدنا صندوقًا. وبعدها بدأت الرسائل." ارتجفت يدها. "وفي إحدى الليالي خرجت هدى من غرفتها ولم تعد أبدًا." سألت ليان: "هل بحثتم عنها؟" أومأت الجدة. "بحثت المدينة كلها." "ولم يجدوها؟" هزت رأسها. "لم يجدوا أي أثر." في تلك اللحظة... صدر صوت طَرق خفيف من داخل الخزانة القديمة. تك. تك. تك. نظر الجميع إليها. ثم ظهر شيء أغرب. بدأ الباب الخشبي للخزانة ينفتح وحده. ببطء شديد. صرررر... ارتفع نبض قلب ليان. واقترب سليم بحذر. وعندما انفتح الباب بالكامل... ظهر شيء لم يتوقعه أحد. لم يكن هناك وحش. ولا شبح. بل مجموعة دفاتر قديمة مرتبة بعناية. فقط دفاتر. مد سليم يده وأخذ أحدها. قرأ العنوان المكتوب على الغلاف. ثم اتسعت عيناه. "ليان..." "ماذا؟" ناولها الدفتر. نظرت إليه. وشعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها. كان مكتوبًا: يوميات ليان لكن ليان لم تكتب هذا الدفتر أبدًا. فتحته بسرعة. وكانت الصفحة الأولى تحمل تاريخًا قبل أسبوع. بدأت تقرأ. "استيقظت اليوم متأخرة. تشاجرت مع سليم بسبب كوب مكسور." شهقت ليان. هذا ما حدث فعلًا قبل أسبوع. قلبت الصفحة التالية. "في الغد ستعثر ليان على الصورة القديمة." تجمدت. رفعت رأسها ببطء. ثم نظرت إلى سليم. "هذا كُتب قبل أن نجد الصورة." أخذ سليم الدفتر منها. وبدأ يقلب الصفحات بسرعة. وفجأة توقف. كانت هناك صفحة أخيرة. مكتوب فيها: "في ليلة الخامس من يونيو ستدخل ليان الغرفة القديمة." نظر الجميع حولهم. هم بالفعل داخل الغرفة القديمة. ثم أكمل القراءة. "ستسمع الصوت للمرة الأولى." رفع رأسه. الصوت ظهر بالفعل. ثم قرأ السطر التالي. وتغير لون وجهه فورًا. سألته ليان بقلق: "ماذا كُتب؟" لكنه لم يجب. انتزعت الدفتر من يده. وقرأت بنفسها. "وفي النهاية ستختار ليان." تحت الجملة كان هناك فراغ. كأن الكاتب لم يكمل بعد. شعرت ليان برعب غريب. من كتب هذا؟ وكيف عرف كل ما سيحدث؟ وفجأة تحرك القلم الموضوع فوق المكتب القديم. وحده. دون أن يلمسه أحد. ارتفع قليلًا. ثم سقط على الصفحة. وبدأ يكتب. أمام أعينهم. خطًا أسود بطيئًا. حرفًا بعد حرف. لم تستطع ليان إبعاد نظرها. حتى اكتملت الجملة. "ستختار بين الحقيقة... أو النجاة." سقط القلم على الأرض. وساد الصمت. لكن الصمت لم يدم طويلًا. فقد بدأت الجدران تهتز. اهتزت الخزانة. وسقطت بعض الصناديق. ثم ظهر صوت الطفل مجددًا. هذه المرة كان أقرب من أي وقت مضى. "أريد أن أتذكر." همست ليان: "تتذكر ماذا؟" جاء الجواب: "من أنا." نظرت الجدة نحو الظلام. ثم قالت: "لهذا السبب يفعل كل هذا." نظر إليها سليم. "ماذا تقصدين؟" تنهدت. وقالت: "طوال هذه السنوات ظننت أنه يريد الانتقام." ثم هزت رأسها. "لكنني كنت مخطئة." "إذن ماذا يريد؟" أجابت: "ذكرياته." ساد الصمت. ثم أضافت: "ربما لا يعرف حتى أنه مات." في اللحظة نفسها انخفضت حرارة الغرفة أكثر. وبدأت الضبابية تنتشر في الهواء. ثم ظهر شيء داخل الظلام. شكل صغير. يقف قرب النافذة. طفل. لأول مرة استطاعوا رؤيته بوضوح. كان يرتدي ملابس قديمة. وشعره داكن. ووجهه شاحب جدًا. لكنه لم يكن مخيفًا كما تخيلوا. بل بدا حزينًا. وحيدًا. نظر إليهم بعينين ممتلئتين بالحيرة. ثم قال بصوت خافت: "هل تعرفون اسمي؟" لم يجب أحد. اقترب خطوة. ثم أخرى. وقال: "لقد بحثت طويلًا." كانت عيناه مليئتين بالدموع. وأضاف: "لكنني لا أتذكر." وفجأة... ارتفع صوت صرير حاد داخل المنزل كله. وانطفأت أضواء الهواتف. وغرق المكان في الظلام الكامل. آخر ما سمعته ليان قبل أن يبتلعهم الظلام كان صوت الطفل وهو يقول: "هناك شخص آخر هنا..." ثم جاء صوت جديد. صوت لم يسمعوه من قبل. صوت رجل بالغ. غاضب. وعميق. يخرج من مكان مجهول داخل المنزل. "لا ______________________________________________ وقفت ليان في مكانها غير قادرة على الحركة. كان الطفل يقف أمام النافذة، شاحب الوجه، وعيناه مليئتان بالحيرة. نظر إليهم للحظات طويلة ثم قال بصوت خافت: "هل تعرفون اسمي؟" لم يجب أحد. كانت الجدة نرجس تحدق فيه وكأنها ترى شبحًا من الماضي. أما سليم فكان يحاول إخفاء خوفه، لكنه لم ينجح. اقترب الطفل خطوة صغيرة. "أرجوكم... أخبروني من أنا." شعرت ليان بحزن غريب وهي تنظر إليه. لأول مرة لم يبدو مخيفًا. بدا وحيدًا فقط. وكأنه ضائع منذ سنوات طويلة. قالت ليان بهدوء: "وجدنا دفترًا في المدرسة." رفع الطفل رأسه بسرعة. "دفتر؟" أومأت. "وكان مكتوبًا عليه اسم يوسف سالم." تجمد الطفل. بقي صامتًا لعدة ثوانٍ. ثم همس: "يوسف..." وكأن الاسم أعاد إليه ذكرى بعيدة جدًا. فجأة بدأ الهواء داخل الغرفة يتحرك بقوة. واهتزت النوافذ. وسقطت بعض الأوراق القديمة من فوق الرفوف. أمسكت الجدة بطرف الطاولة لتتوازن. وقالت بخوف: "لقد بدأ يتذكر." في اللحظة نفسها صدح صوت الرجل الغامض داخل المنزل. صوت عميق ومخيف. "توقفوا." ارتجفت ليان. جاء الصوت مرة أخرى. "لا تدعوه يتذكر." نظر يوسف حوله بخوف. "هذا الصوت..." وضعت ليان يدها على كتفه. "هل تعرفه؟" أغلق عينيه للحظة. ثم وضع يده على رأسه وكأنه يحاول استرجاع شيء. ظهرت صور متفرقة في ذهنه. شارع قديم. سماء ممطرة. يد كبيرة تمسك بيده. ثم ظلام. الكثير من الظلام. فتح عينيه فجأة. "كنت مع شخص." قالت الجدة بسرعة: "من كان؟" هز رأسه. "لا أتذكر." وفجأة انطفأت جميع الأضواء. غرقت الغرفة في ظلام دامس. ثم ظهر ظل طويل عند الباب. كان أطول من أي شخص عادي. ووقف بلا حركة. شعرت ليان بأن قلبها سيتوقف. أما يوسف فتراجع للخلف. كان يرتجف. همس: "هو..." تقدم الظل خطوة واحدة. ثم خطوة أخرى. وقال بصوت بارد: "كان يجب أن تبقى الذكريات مدفونة." صرخت ليان: "من أنت؟!" لكن الظل لم يجب. بدلًا من ذلك رفع يده ببطء. وفجأة بدأت الصور القديمة المعلقة على الجدران تتساقط واحدة تلو الأخرى. تحطمت الإطارات على الأرض. وتناثرت قطع الزجاج في كل مكان. أمسك سليم بعصا خشبية كانت قربه. وتقدم أمام ليان والجدة. "ابتعد عنهما." ضحك الظل ضحكة قصيرة. "أنت لا تعرف مع من تتحدث." ثم التفت نحو يوسف. وقال: "تعال معي." تراجع يوسف خطوة. "لا." أصبح صوت الرجل أكثر غضبًا. "تعال." لكن يوسف هز رأسه. ثم نظر إلى ليان. لأول مرة ظهر شيء من الشجاعة في عينيه. وقال: "أريد أن أعرف الحقيقة." ساد الصمت. وبعد لحظة طويلة بدأ الظل يتلاشى ببطء. لكن قبل أن يختفي تمامًا قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع: "إذا عرف الحقيقة... سيعرف ما فعلته أنا." واختفى. عادت الأنوار فجأة. وعاد الهدوء إلى المنزل. لكن أحدًا لم يشعر بالراحة. نظرت ليان إلى يوسف. وقالت: "يبدو أن هذا الرجل يعرف ما حدث لك." أومأ يوسف ببطء. ثم نظر إلى النافذة. كانت الأمطار قد بدأت تتساقط في الخارج. وقال بصوت خافت: "أعتقد أن ذكرياتي موجودة في مكان آخر." "أين؟" سألت ليان. رفع يوسف يده وأشار نحو التل الموجود في أطراف المدينة. ثم قال: "هناك..." "هناك بدأ كل شيء." وتبادل الجميع النظرات. فقد أدركوا أن رحلتهم لم تنتهِ بعد. بل إن الحقيقة الحقيقية كانت تنتظرهم في ذلك المكان المجهول.