فالينترا - الفصل الثالث: الطفلة التي لم تمت - بقلم شهرزاد جرود | روايتك

اسم الرواية: فالينترا
المؤلف / الكاتب: شهرزاد جرود
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث: الطفلة التي لم تمت

الفصل الثالث: الطفلة التي لم تمت

بعد انتهاء الإفطار خرج الجميع، وبقيت ميرالين وحدها في القاعة. جلست على الكرسي وأغلقت عينيها، لكن الذكريات بدأت تهاجمها من جديد. ذكريات حاولت دفنها سبعة عشر عامًا كاملة. ليلة عاصفة. صراخ أطفال. غرفة ولادة مضاءة بأنوار بيضاء قوية. وصوت الطبيب يقول: «إنهما توأم.» توأم. طفلتان صغيرتان. لكن الفرح لم يدم طويلًا، لأن أحد الأطباء اقترب بعدها بلحظات وقال شيئًا جعل قلبها يتوقف. شيئًا لم تنسه أبدًا. شيئًا غيّر مصير الجميع. فتحت ميرالين عينيها فجأة وشعرت بالدموع تحرقها. همست لنفسها: «لا... لا يمكن أن تعود. مستحيل. لقد انتهى كل شيء منذ سنوات.» لكن في أعماق قلبها كانت تعرف أن الماضي لم ينتهِ أبدًا. لقد كان نائمًا فقط، والآن بدأ يستيقظ. في المساء عادت ميرينا إلى غرفتها وأخرجت الرسالة من الدرج. بدأت تتفحصها بعناية، وفجأة لاحظت شيئًا لم تنتبه له من قبل. في الزاوية السفلية للورقة كان هناك رسم صغير جدًا يشبه شعارًا أو رمزًا. دائرة سوداء، وفي داخلها حرفان متشابكان: M & K. اتسعت عيناها. M قد تعني ميرينا، لكن K؟ هل تعني كاليستا؟ وقبل أن تتمكن من التفكير أكثر، هبت ريح قوية فجأة وانفتح باب الشرفة بعنف. فزعت ميرينا واتجهت لإغلاقه، لكن عندما وصلت إلى الشرفة توقفت، لأنها رأت شيئًا في الحديقة البعيدة. شخصًا يقف بين الأشجار. فتاة. في عمرها تقريبًا. شعرها الطويل يتحرك مع الريح، وكانت تنظر مباشرة نحو نافذة غرفة ميرينا. ثم رفعت يدها ببطء وأشارت إلى مكان ما خلف القصر. مكان لم تزره ميرينا من قبل. وبعدها اختفت الفتاة بين الضباب وكأنها لم تكن موجودة أصلًا. أما ميرينا فبقيت واقفة في مكانها وقلبها ينبض بقوة، لأنها كانت متأكدة من شيء واحد فقط... تلك الفتاة لم تكن غريبة، بل كانت تشبهها أكثر مما ينبغي. بقيت ميرينا واقفة أمام الشرفة لعدة دقائق، غير قادرة على إبعاد عينيها عن المكان الذي اختفت فيه الفتاة. كان الضباب الكثيف يبتلع الأشجار واحدة تلو الأخرى، بينما كانت الرياح تحرك الأغصان بطريقة جعلتها تبدو وكأنها أذرع طويلة تمتد داخل الظلام. حاولت إقناع نفسها بأنها تتوهم، وأن التعب وقلة النوم بدآ يؤثران عليها، لكن شيئًا في أعماقها كان يخبرها أن ما رأته حقيقي. أغلقت باب الشرفة ببطء وعادت إلى غرفتها، لكنها لم تستطع نسيان تلك النظرة. كانت الفتاة بعيدة جدًا، ومع ذلك شعرت وكأنها تعرف ملامحها جيدًا. وكأنها كانت تنظر إلى نسخة أخرى من نفسها. وضعت الرسالة فوق المكتب وجلست أمامها. أعادت قراءة الكلمات مرة بعد مرة. «أنتِ لستِ الوحيدة في هذا القصر... أنا ما زلت هنا.» كلما قرأتها ازداد شعورها بالاختناق. ثم أخذت دفترها الصغير وبدأت تكتب كل ما حدث منذ الليلة الماضية. الرسالة. الباب المخفي. خوف ميرالين. الفتاة التي ظهرت في الحديقة. كانت تحاول ربط الأحداث ببعضها، لكن كل شيء بدا أكثر غموضًا كلما فكرت فيه. في الوقت نفسه كانت ميرالين في جناحها الخاص من القصر. وقفت أمام المرآة الكبيرة في غرفتها تحدق في انعكاسها بصمت. بدت متعبة على نحو لم تعهده من قبل. الهالات السوداء تحت عينيها كانت واضحة، ويداها لم تتوقفا عن الارتجاف. فتحت أحد الأدراج السفلية وأخرجت صندوقًا خشبيًا قديمًا مغطى بطبقة من الغبار. ترددت طويلًا قبل أن تفتحه. داخل الصندوق كانت هناك صور قديمة ورسائل صفراء اللون، وفي الأسفل استقرت صورة واحدة كانت تخشاها أكثر من أي شيء آخر. صورة لطفلتين صغيرتين. كانت الطفلتان متشابهتين إلى درجة مذهلة. الشعر الذهبي نفسه. الوجه نفسه. العينان الواسعتان نفسيهما. لكن إحدى الطفلتين كانت تنظر إلى الكاميرا بابتسامة مشرقة، بينما كانت الأخرى تحدق بصمت وكأنها لا تنتمي إلى الصورة. أغمضت ميرالين عينيها بقوة ثم همست بصوت مكسور: «لماذا عدتِ الآن؟» انزلقت دمعة على خدها قبل أن تمزق الصمت طرقات مفاجئة على الباب. أغلقت الصندوق بسرعة. ودخل كاسبيان. كان وجهه هادئًا كعادته، لكن نظراته كانت حادة. اقترب من النافذة وقال دون أن ينظر إليها: «لقد رأيتها مرة أخرى، أليس كذلك؟» تجمدت ميرالين. «ماذا تقصد؟» «لا تفعلي ذلك. لقد عشت معك سبعة عشر عامًا. أعرف متى تكذبين.» ساد الصمت للحظات. ثم استدارت نحوه ببطء. «إذا كانت هي فعلًا... فكل شيء سينتهي.» نظر إليها كاسبيان طويلًا. ثم قال: «بل كل شيء سيبدأ.» خرج من الغرفة تاركًا إياها وحدها مع خوفها. أما في الطابق العلوي، فلم تكن ميرينا تعلم أن الليلة القادمة ستغير حياتها بالكامل. حل الظلام مجددًا فوق قصر أرتوفا، وتسللت الرياح بين الممرات الطويلة. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل عندما سمعت ميرينا صوتًا غريبًا. في البداية ظنته صوت الريح، لكن الصوت تكرر. مرة. ثم مرة أخرى. وكأنه شيء يُسحب فوق الأرضية الخشبية. وقفت من سريرها ببطء. كان الصوت يأتي من الممر. فتحت الباب بحذر. كان الظلام يغطي المكان كله، لكنها رأت شيئًا عند نهاية الممر. شيئًا أبيض اللون. شعرت بقلبها يقفز داخل صدرها. اقتربت خطوة، ثم أخرى، وببطء بدأت الملامح تتضح. كانت ورقة. ورقة مطوية موضوعة فوق الأرض. وصلت إليها والتقطتها. ثم فتحتها. وفي اللحظة التي قرأت فيها ما بداخلها شحب وجهها. لأن الرسالة كانت تقول: «إذا أردتِ معرفة الحقيقة... تعالي إلى الحديقة الخلفية عند الثالثة فجرًا. تعالي وحدك. لا تثقي بأحد.» وفي الأسفل... الاسم نفسه. كاليستا. لكن هذه المرة... كان هناك شيء آخر. بقعة صغيرة من الحبر امتدت أسفل الاسم وكأن كاتبة الرسالة توقفت لحظة قبل أن تكمل. وبجانبها كلمة واحدة فقط: «أختكِ.» توقفت أنفاس ميرينا للحظة. شعرت وكأن الأرض اختفت من تحت قدميها. أعادت قراءة الكلمة مرة ثانية، ثم ثالثة، ثم رابعة. أختكِ. كانت الكلمة قصيرة، لكنها بدت أثقل من أي شيء قرأته في حياتها. جلست ببطء فوق الأرض الباردة والورقة ترتجف بين يديها. أختي؟ كيف؟ لم يكن لديها أخت. هكذا أخبروها طوال حياتها. كانت الابنة الوحيدة، وزايدن أخوها الأكبر. هذا كل شيء. إذن من هي كاليستا؟ ولماذا تكتب هذه الرسائل؟ ولماذا تشعر ميرينا كلما قرأت اسمها أن قلبها يتألم بطريقة غريبة؟ رفعت رأسها نحو الساعة المعلقة على الجدار. كانت الثانية وأربعين دقيقة بعد منتصف الليل. بقي أكثر من ساعتين على الثالثة فجرًا. ساعتان فقط. لكنها شعرت وكأنها تنتظر حكمًا سيغير حياتها بالكامل. أما داخل القصر فكانت ميرالين عاجزة عن النوم. منذ عدة ساعات وهي جالسة على حافة السرير تنظر نحو النافذة وتستمع إلى صوت المطر. لكنها لم تكن تسمعه حقًا. كانت تسمع أصوات الماضي. أصواتًا حاولت نسيانها لسنوات طويلة. صوت بكاء طفلتين. صوت الأطباء. وصوتها هي وهي تتخذ القرار الذي دمر كل شيء. وفي صباح اليوم التالي استيقظت ميرينا وهي تحمل في يدها الصورة التي غيرت حياتها. جلست على سريرها تحدق فيها، ثم لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل. في الخلفية، خلف ميرالين والطفلتين، كان هناك شخص يقف بعيدًا. شخص غير واضح بسبب قدم الصورة. اقتربت ميرينا أكثر وضيقت عينيها، ثم شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. لأن ذلك الشخص كان ينظر مباشرة إلى الكاميرا، وكأنه يعرف أن أحدًا سيشاهد الصورة بعد سنوات. لكنه لم يكن فردًا من العائلة، ولا طبيبًا، ولا ممرضة. كان شخصًا مجهولًا تمامًا. وفي أسفل الصورة ظهرت كتابة صغيرة بالكاد تُرى. كتابة لم تكن قد لاحظتها أبدًا. انحنت أكثر ثم قرأتها بصعوبة: «لا تخبروها بما حدث للطفلة الثانية.» اتسعت عيناها وشعرت بأنفاسها تتسارع، لأن السؤال الذي كان يطاردها منذ الليلة الماضية أصبح أكبر وأخطر وأكثر رعبًا. ما الذي حدث فعلًا ليلة ولادتها؟ ولماذا كُتبت تلك الجملة على الصورة؟ ومن هو الشخص الغامض الذي ظهر خلفهم؟ ولماذا يبدو وكأنه يراقبهم حتى بعد سبعة عشر عامًا؟