الفصل الثالث: الصديقة
---
شضايا
الفصل الثالث: الصديقة
مرّ اليوم ببطء.
ليس ببطء عادي…
بل كأن الوقت نفسه كان يتردد في المرور.
---
لم يظهر أزاد مرة أخرى.
لكن غيابه لم يكن مريحًا.
كان أشبه بفراغ لا يُفسَّر، كأن شيئًا مهمًا انمحى من المكان وبقي أثره فقط.
---
كلماته بقيت عالقة في ذهن ميرا.
"لا تثقي بأي شخص يخبرك أنه يحاول مساعدتك."
---
لم تكن جملة مخيفة في حد ذاتها…
لكن تكرارها داخل عقلها جعلها تفقد معناها الطبيعي.
كأنها لم تعد “فكرة”، بل صوت يتردد بدون مصدر.
---
طرق على الباب.
---
ثلاث طرقات.
هادئة.
منتظمة بشكل غريب، كأنها محسوبة مسبقًا.
---
توقفت ميرا للحظة.
لم تعرف لماذا شعرت أنها سمعت هذا النوع من الطرق من قبل…
مع أنها متأكدة أنها لم تسمعه اليوم.
---
ثم فُتح الباب ببطء.
---
دخلت فتاة.
---
نفس العمر تقريبًا.
ابتسامة لطيفة.
ملابس عادية.
وصوت دافئ بشكل مريح أكثر من اللازم.
---
"أخيرًا استيقظتِ."
---
تجمدت ميرا للحظة.
ليس لأن الجملة غريبة…
بل لأن نبرة الصوت بدت كأنها تتعامل مع شيء “كان نائمًا لفترة طويلة جدًا”.
---
"من أنتِ؟"
---
ضحكت الفتاة بخفة.
ضحكة قصيرة، لكنها جاءت في توقيت متأخر قليلًا عن حركتها.
---
"نسيتِني؟"
---
شعرت ميرا بشيء داخلي يتراجع.
ليس خوفًا واضحًا…
بل فراغ صغير في الذاكرة لا تستطيع الإمساك به.
---
"أنا سديس."
---
جلست قرب السرير.
بهدوء شديد، وكأنها تعرف المكان جيدًا.
أكثر من اللازم.
---
"كنا صديقتين."
---
الصمت الذي تلا الجملة لم يكن صمتًا عاديًا.
كان صمت محاولة ميرا لاسترجاع شيء لا يأتي.
---
لكن الأسوأ…
أنها لم تكن متأكدة إن كان هناك شيء لتتذكره أصلًا.
---
"هل تعرفين ماذا حدث لي؟"
---
تنهدت سديس.
كأنها سمعت هذا السؤال كثيرًا.
لكن التعب في رد فعلها لم يكن إنسانيًا تمامًا…
بل أقرب لعادة محفوظة.
---
"الأطباء يقولون إنك تعرضت لصدمة."
---
"أي صدمة؟"
---
"لا أتذكر."
قالتها بسرعة، ثم ابتسمت.
---
ابتسامة جيدة الشكل…
لكنها جاءت متأخرة جزءًا من الثانية عن الصوت.
---
تحدثتا لساعات.
أو هكذا شعرت ميرا.
لكنها لم تكن متأكدة من الوقت.
لأن بعض الفترات كانت تختفي من إدراكها دون أن تنتبه.
---
كلما اقتربت من سؤال عن الماضي…
كانت سديس تغيّر الاتجاه بهدوء.
ليس هروبًا واضحًا…
بل انزلاقًا ناعمًا بعيدًا عن الإجابة.
---
"لماذا لا تجيبين؟"
---
"لأن التفكير الزائد يؤذيك."
---
توقفت ميرا قليلًا.
هذه الجملة بدت مألوفة بطريقة غير مريحة.
كأن عقلها سمعها سابقًا… من شخص آخر.
---
"لكنني أريد أن أعرف."
---
ساد صمت بسيط.
هذه المرة لم يكن صمتًا عاديًا.
بل كأن سديس تفكر في “الإجابة المناسبة” بدل الحقيقة.
---
"ليس الآن."
---
"لماذا؟"
---
اختفت الابتسامة.
ليس تدريجيًا…
بل كأنها انطفأت فجأة.
---
"لأن بعض الأبواب إذا فُتحت… لن تعودين كما كنتِ."
---
تجمدت ميرا.
ليس بسبب الجملة فقط…
بل لأن النبرة كانت مطابقة تقريبًا لشيء لا تستطيع تذكره بوضوح.
---
وفي تلك اللحظة…
لمحت ميرا المرآة.
---
لم يحدث شيء واضح.
لكن انعكاس الغرفة بدا “متأخرًا” لحظة صغيرة.
كأن الصورة لا تواكب الواقع.
---
التفتت بسرعة.
---
لا شيء.
كل شيء طبيعي.
---
لكن إحساس الخطأ بقي.
---
رفعت سديس نظرها بهدوء.
"ميرا…"
---
"نعم؟"
---
"هل بدأتِ ترين أشياء غير موجودة؟"
---
تجمدت ميرا.
ليس لأن السؤال خطير…
بل لأن نبرته لم تكن فضولًا.
بل كأنه اختبار.
---
ولأول مرة…
لم تكن ميرا متأكدة إن كانت الإجابة تخص ما تراه…
أم تخص ما يُسمح لها أن تراه.
---
--