الفصل الخامس والاخير
الفصل الخامس: الأشياء اللي تبقى
جاء آخر أسبوع دراسي بسرعة غريبة.
كأن السنة كلها كانت تمشي ببطء… وفجأة قررت تركض.
نور ما كانت مستوعبة إن الفصل بيخلص.
كل شيء كان طبيعي أكثر من اللازم: ضحك، دروس، واجبات، وممرات المدرسة اللي صارت مألوفة.
بس فيه شيء واحد كان مختلف.
البنت الهادية.
في الصباح دخلت نور الفصل، ولقت المقعد فاضي شوي أطول من العادة.
سألت نفسها:
"متأخرة؟"
لكن الوقت مرّ… وهي ما جاءت.
حاولت تقنع نفسها إنه عادي.
لكن قلبها كان يعرف إنه مو عادي.
أخيرًا دخلت البنت.
لكنها كانت مختلفة شوي.
حقيبة أكبر.
نظرة أهدأ.
وكأنها شايلة قرار في داخلها.
جلست.
نور التفتت لها وقالت:
"تأخرتِ."
ردت بهدوء:
"كنت أجهز نفسي."
نور:
"لإيش؟"
سكتت لحظة.
ثم قالت:
"بنقل مدرسة."
سكت الفصل.
لكن عند نور… السكون كان أعمق.
مو صدمة قوية.
بس شعور غريب كأن شيء كان ثابت… وبدأ يتحرك فجأة.
قالت نور بسرعة:
"ليش؟"
ردت:
"أهلي قرروا."
نور:
"وإنتِ؟"
سكتت.
ثم قالت:
"أنا تعودت أوافق."
نور ما ردت.
لأنها لأول مرة ما لقت نكتة تقولها.
ولا تعليق خفيف ينقذ الموقف.
بس قالت بصوت منخفض:
"متى؟"
ردت:
"نهاية الأسبوع."
مرت الأيام ببطء شديد.
نور كانت تحاول تتصرف طبيعي.
بس كانت تلاحظ كل شيء أكثر من قبل.
ضحكتها.
سكوتها.
طريقة كتابتها في الدفتر.
كأنها صارت تشوف الأشياء وهي بتختفي مسبقًا.
آخر يوم.
كانت الشمس هادية.
والمدرسة مليانة ضجيج نهاية سنة.
طلاب يودعون بعض.
ضحك كثير.
وصور بالجوال.
بس نور كانت واقفة عند الباب تنتظرها.
جت البنت الهادية.
وقفوا سوا.
سكتوا شوي.
ثم قالت نور:
"ما أدري إيش المفروض ينقال في مواقف زي كذا."
ردت البنت:
"ولا أنا."
ابتسمت نور:
"غريبة… أنتِ اللي دايم تعرفين الكلام الصح."
قالت:
"مو دايم."
سكتوا مرة ثانية.
ثم نور قالت:
"بتوحشيني."
الجملة خرجت بسيطة… بس صادقة.
البنت نظرت لها.
وبهدوء قالت:
"وأنتِ كمان."
طلعت البنت من شنطتها ورقة صغيرة.
وقالت:
"هذا لك."
نور أخذتها.
فتحتها.
كان مكتوب فيها بخطها:
"شكراً لأنك خليتي المدرسة أخف."
سكتت نور.
ثم ضحكت بخفة وهي تبكي شوي:
"أنا؟ أخف؟ أنا كنت كارثة متحركة."
قالت البنت:
"الكارثة اللي خلت المكان أحسن."
سكتوا.
ثم البنت قالت:
"لا تغيّرين نفسك."
نور:
"وأنتِ؟"
ردت:
"أنا ما أغيّر نفسي… بس أغيّر المكان."
وقفوا شوي عند الباب.
ثم قالت البنت:
"يمكن ما نشوف بعض كثير بعد اليوم."
نور:
"يمكن."
سكتت لحظة.
ثم ابتسمت وقالت:
"بس غريب… أحس إنك بتظلين موجودة حتى لو رحتي."
البنت هزت رأسها:
"وأنتِ كمان."
مشت.
وخطواتها كانت هادية.
لكنها كل خطوة كانت تخفف شيء وتترك شيء.
نور وقفت مكانها.
ما بكت كثير.
ولا ضحكت كثير.
بس حسّت بشيء عميق وهادئ.
يشبه الامتلاء.
في آخر اليوم جلست نور في الفصل الفاضي.
نظرت للمقاعد.
للسبورة.
للمكان اللي كان مليان أصوات طول السنة.
وقالت لنفسها:
"غريب… كنت أحسب الأشياء الكبيرة هي اللي تغيّرنا."
سكتت.
ثم ابتسمت:
"طلعت الأشياء الصغيرة هي اللي تخلينا مختلفين."
طلعت من الفصل.
والمدرسة خلفها بدأت تهدأ.
لكنها ما كانت النهاية الحقيقية.
كانت بداية فهم جديد.
إن الناس مو لازم يبقون عشان يأثرون.
يكفي إنهم مرّوا… وخففوا الطريق.
وقفت عند البوابة.
نظرت للمكان مرة أخيرة.
ثم همست:
"شكرًا."
ومشت.
النهاية. 🌿