الفصل الثالث
مرّ أسبوع ثالث على بداية الدراسة.
وصارت “نور” أقل توترًا من أول يوم… لكن أكثر فوضى بشكل غريب.
كأنها ما عادت تحاول تمسك نفسها كثير، صارت تتصرف على طبيعتها.
وهذا كان يجيب لها مواقف أكثر… وضحك أكثر… ومشاكل صغيرة أكثر.
في الصباح دخلت الفصل وهي متأخرة دقيقة فقط.
وهذا عندها يعتبر “إنجاز تاريخي”.
جلست مكانها وهي تلتقط أنفاسها.
نظرت للبنت اللي جنبها وقالت:
"صدقيني… اليوم أنا شبه منظمة."
ردت بهدوء بدون ما ترفع رأسها:
"هذا يخوف أكثر من الفوضى."
نور ضحكت:
"ليش؟"
قالت:
"لأنك إذا صرتِ منظمة… معناته في كارثة قريبة."
نور:
"أحسك تعرفيني أكثر من نفسي."
ردت:
"يمكن."
وسكتت.
لكن هذه المرة الصمت كان مختلف… أخف شوي.
في الحصة الثانية، صار موقف ما كان محسوب.
المعلمة طلبت مشروع جماعي.
وقسمت البنات لمجموعات.
وبشكل ما كان مخطط له… نور والبنت الهادية صاروا في نفس المجموعة.
مع بنت ثالثة ما تعرفهم زين.
نور التفتت وقالت:
"تمام… أنا دايم أحب الحظ لما يختار لي حياتي."
البنت الهادية قالت:
"الحظ ما اختار… المعلمة هي اللي اختارت."
نور:
"نفس الشي عندي."
بدأوا يشتغلون على المشروع.
البنت الهادية كانت تكتب أفكار مرتبة جدًا.
والبنت الثالثة تحاول تساعد بس مرتبكة.
ونور… كانت تحاول ما تخرب الورقة بالغلط.
كل شوي:
"أوه آسفة"
"لا قصدي مو كذا"
"هذا خطأ إملائي ولا فكرة جديدة؟"
الجو كان فوضوي بشكل لطيف.
لكن الغريب… إن الشغل كان يطلع فعلاً يمشي.
وقت الفسحة، جلسوا سوا.
نور قالت وهي تأكل:
"أول مرة أحس إني أشتغل بجد في مشروع بدون ما أنسحب."
البنت الهادية ردت:
"لأنك ما حاولتي تكونين مثالية."
نور سكتت شوي.
ثم قالت بابتسامة خفيفة:
"أنتِ خطيرة… تعرفين تضربين بالكلام بس بهدوء."
البنت:
"هذه مهارة."
نور:
"أنا لو أسويها يطلع تهديد رسمي."
في نفس اليوم صار موقف غير الجو شوي.
بنت من الصف كانت تبكي في الحمام.
وما أحد انتبه لها غير نور بالغلط.
سمعت صوت بكاء خفيف.
وقفت عند الباب.
ترددت.
ثم دخلت بهدوء.
البنت كانت جالسة على الأرض.
نور ما سألت كثير.
جلست جنبها فقط.
وقالت:
"تبين أحد يسمعك ولا تبين أحد يسكت معك؟"
البنت مسحت دموعها وقالت:
"الثاني."
نور هزت رأسها:
"تمام… أنا شاطرة في السكوت."
وسكتوا سوا.
بدون ضغط.
بدون أسئلة كثيرة.
بس وجود.
بعد ما طلعت نور، رجعت الفصل وهي هادية بشكل غريب.
البنت الهادية لاحظت.
وقالت:
"صار شيء؟"
نور:
"لا… بس اكتشفت إن السكوت أحيانًا مو ممل."
البنت:
"أحيانًا هو أصدق شيء."
نور نظرت لها:
"أنتِ ليش تعرفين أشياء كثير كذا؟"
ردت:
"لأني ما أتكلم كثير."
نور ضحكت:
"واضح… الكلام عندك محدود بس خطير."
آخر اليوم، وهم خارجين من المدرسة.
نور قالت:
"غريب… كنت أحسب الناس اللي ما يتكلمون كثير ما عندهم قصص."
البنت ردت:
"كل أحد عنده قصة."
نور:
"بس مو كل أحد يقولها."
البنت نظرت قدامها وقالت:
"صح."
سكتوا شوي.
ثم نور قالت بابتسامة:
"أنا أحس قصتي لسه بالبداية."
البنت:
"كل القصص بالبداية."
وقفت نور عند الباب.
وقالت:
"طيب… لو سألتك سؤال صريح؟"
البنت:
"قولي."
نور:
"أنتِ مرتاحة معاي ولا بس تتحمليني؟"
سكتت البنت شوي أطول من العادة.
ثم قالت:
"أنا ما أتحمل أحد… إذا جلست معك، معناته أنا أختار."
نور ابتسمت بدون ما تحس:
"هذا أجمل رد انقال لي من بداية السنة."
ومشت وهي تحس بشيء خفيف داخلها.
مو سعادة كبيرة.
بس راحة.
وهذا كان يكفي.