الفصل الخامس والاخير
الفصل الخامس: بعض الأشخاص لا يرحلون
مرّت سنة.
سنة كاملة منذ رحيل سارة.
وكان هذا أول شيء خطر في بال ليان عندما استيقظت ذلك الصباح.
سنة.
اثنا عشر شهرًا.
ثلاثمئة وخمسة وستون يومًا.
ومع ذلك ما زالت أحيانًا تفتح هاتفها وكأنها ستجد رسالة جديدة منها.
ما زالت أحيانًا ترى موقفًا مضحكًا فتفكر:
"لازم أحكيه لسارة."
ثم تتذكر.
فتسكت.
خرجت من غرفتها.
وكان أخوها الصغير يجلس على الأرض يحاول حل واجب الرياضيات.
قال وهو متضايق:
"ليان تعالي."
ابتسمت.
"وش فيه؟"
"هذا السؤال يكرهني."
ضحكت.
وجلست بجانبه.
وبدأت تشرح له.
وبينما كانت تتكلم لاحظت شيئًا.
لم تعد تلك الفتاة المنهكة التي كانت تحمل العالم كله فوق كتفيها.
صحيح أن الحياة لم تصبح سهلة.
لكنها أصبحت أقوى.
ليس لأن الألم اختفى.
بل لأنها تعلمت كيف تعيش معه.
في المدرسة كان مشروع سارة ما يزال مستمرًا.
كبر أكثر مما توقعت.
وأصبحت الطالبات يكتبن رسائل دعم لبعضهن.
ويساعدن بعضهن.
وأصبحت الفكرة تنتقل من شخص إلى آخر.
دون أن يعرف معظمهم من أين بدأت.
في إحدى الفسحات.
كانت ليان ترتب بعض الأوراق عندما اقتربت منها فتاة صغيرة.
لم تكن تعرفها.
قالت الفتاة بخجل:
"أنتِ ليان؟"
ابتسمت.
"إيه."
أعطتها ظرفًا صغيرًا.
وقالت:
"هذا لك."
ثم ركضت.
كما فعلت فتاة أخرى قبل أشهر.
فتحت ليان الظرف.
وكانت داخله رسالة قصيرة.
مكتوب فيها:
"كنت أمر بفترة سيئة جدًا."
"وكنت أحس أن محد مهتم."
"لكن رسالة وحدة وصلتني من مشروع سارة غيرت يومي كله."
"شكرًا."
بقيت تنظر إلى الورقة بصمت.
ثم ابتسمت.
لأنها شعرت أن سارة لو كانت هنا لضحكت بتلك الضحكة التي كانت تضحكها دائمًا عندما تشعر بالخجل.
في المساء.
عادت إلى غرفتها.
وأخرجت صندوق الذكريات.
ذلك الصندوق الذي وجدت فيه رسالة أمها قبل سنة.
كانت الأشياء ما تزال كما هي.
الصور القديمة.
الرسائل.
والذكريات.
جلست على الأرض.
وأخذت صورة تجمعها بأمها.
ثم وضعتها بجانب دفتر سارة.
وبقيت تنظر إليهما طويلًا.
وفجأة انتبهت لشيء.
أهم شخصين غابا عن حياتها...
هما أكثر شخصين ما زالا يؤثران فيها.
أمها علمتها الحب.
وسارة علمتها الأمل.
شعرت بدموع خفيفة في عينيها.
لكنها لم تكن دموع حزن هذه المرة.
بل دموع امتنان.
في تلك الليلة.
فتحت دفترًا جديدًا.
ليس دفتر رسائل.
وليس دفتر ذكريات.
بل دفتر أحلام.
وكتبت في الصفحة الأولى:
"الأشياء التي أريد أن أعيشها."
ظلت تنظر إلى العنوان طويلًا.
ثم بدأت تكتب.
أريد أن أتخرج.
أريد أن أحقق حلمي.
أريد أن أسافر يومًا ما.
أريد أن أساعد الناس.
أريد أن أعيش حياة تليق بكل من أحبني.
وعندما انتهت.
أغلقت الدفتر.
ثم ابتسمت.
لأنها للمرة الأولى منذ سنوات طويلة...
كانت تفكر في المستقبل أكثر مما تفكر في الماضي.
وفي صباح اليوم التالي.
مرت بجانب مقعد سارة القديم.
المقعد الذي كانت تنظر إليه كل يوم.
توقفت للحظة.
ثم مررت يدها فوقه بخفة.
وهمست:
"اشتقت لك."
ثم ابتسمت.
وأكملت طريقها.
دون أن تلتفت هذه المرة.
ليس لأنها نسيتها.
بل لأنها لم تعد تحتاج أن تنظر للخلف كي تتذكرها.
بعض الأشخاص لا يرحلون عندما يغادرون.
يبقون في الكلمات التي قالوها.
وفي الأشياء التي علمونا إياها.
وفي النسخة الجديدة من أنفسنا التي ساعدونا على صنعها.
ولهذا...
عندما خرجت ليان من بوابة المدرسة ذلك اليوم.
كانت تمشي تحت شمس هادئة.
وقلبها أخف مما كان قبل سنوات.
وفي داخلها يقين صغير...
أن الحب الحقيقي لا ينتهي بالغياب.
وأن الذكريات الجميلة لا تموت.
وأن الحياة...
مهما كسرتنا أحيانًا...
تمنحنا دائمًا سببًا جديدًا لنكمل الطريق.
تمت. 🌷