حين كبرتُ قبل أواني - الفصل الرابع - بقلم آيه خالد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين كبرتُ قبل أواني
المؤلف / الكاتب: آيه خالد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع

الفصل الرابع

الفصل الرابع: الوعد الذي تركته خلفها مرّت ثلاثة أشهر. ثلاثة أشهر كاملة منذ رحيل سارة. وكان الجميع يظن أن ليان تجاوزت الأمر. لأنها عادت إلى المدرسة. وعادت إلى الدراسة. وعادت إلى حياتها. لكن الحقيقة كانت مختلفة. الحزن لا يختفي دائمًا. أحيانًا يتعلم فقط كيف يختبئ. في البداية كانت تدخل الصف دون أن تنظر إلى المقعد الفارغ. ثم بدأت تنظر إليه. ثم بدأت تتعود عليه. وكان ذلك أكثر شيء يؤلمها. أن الإنسان يستطيع التعود على غياب من كان يظن أنه لا يستطيع العيش بدونه. وفي أحد الأيام كانت ترتب غرفتها. عندما سقط دفتر سارة من فوق الرف. تجمدت. حدقت فيه طويلًا. ثم التقطته ببطء. ومنذ يوم الجنازة لم تفتحه مرة أخرى. جلست على سريرها. وفتحت الصفحة التالية. وكان مكتوبًا بخط سارة: "إذا وصلتي لهذه الصفحة، فمعناه أنك عنيدة." رغم دموعها ضحكت. وقالت: "صادقة." أكملت القراءة. "أعرفك." "أكيد جلستي فترة زعلانة." "وأكيد قلتي إنك بخير وأنتِ مو بخير." "وأكيد كتمتي أكثر مما تكلمتي." اختفت ابتسامتها. لأن سارة كانت تعرفها فعلًا. بطريقة مخيفة. ثم قرأت سطرًا آخر. "إذا كنتِ تبكين الآن، أمسحي دموعك وكلي شيء." ضحكت من جديد. رغمًا عنها. رغم أن قلبها موجوع. ورغم أن عينيها مليئتان بالدموع. ضحكت. لأن هذه كانت سارة. حتى في رسالة الوداع. تجد طريقة لتجعلك تبتسم. واصلت القراءة. "فيه شيء ما قلته لك." "أنتِ أقوى مما تتخيلين." "وأكبر دليل أنك تحملتِ أشياء كثيرة قبل أن أعرفك." "لكن لا تجعلي القوة سجنًا." "لا تعيشي طول عمرك وأنتِ تنقذين الجميع وتنسين نفسك." شعرت ليان بشيء ينقبض داخل صدرها. لأن هذه الكلمات أصابت مكانًا حساسًا جدًا. المكان الذي كانت تخفيه عن الجميع. حتى عن نفسها. أغلقت الدفتر. وضمته إلى صدرها. ثم بكت. لكنها هذه المرة لم تكن تبكي لأن سارة رحلت. بل لأنها اشتاقت إليها. اشتاقت إلى ضحكتها. ومشاكساتها. وطريقتها الغريبة في فهم الناس. في اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة. وأثناء الفسحة جلست وحدها في الساحة. مثلما كانت تفعل قبل سنوات. لكن هذه المرة لم تكن وحيدة. كانت تحمل ذكريات تكفي لملء المكان كله. اقتربت منها طالبة صغيرة من الصفوف الأدنى. وقالت بخجل: "أنتِ ليان؟" رفعت رأسها. "إيه." ناولتها الطالبة ورقة. ثم ركضت بسرعة. استغربت ليان. وفتحت الورقة. كان مكتوبًا فيها: "شكرًا لأنك ساعدتيني الأسبوع الماضي." "كنتِ الوحيدة التي وقفت معي." تذكرت فورًا الموقف. طالبة كانت تبكي بسبب مشكلة مع زميلاتها. وجلست معها دقائق فقط. لم تتوقع أن الأمر يعني لها شيئًا. حدقت في الورقة طويلًا. ثم ابتسمت. لأنها تذكرت شيئًا. سارة كانت تفعل هذا دائمًا. تترك أثرًا في الناس دون أن تنتبه. وفي تلك الليلة. أخرجت دفترًا جديدًا. وكتبت في الصفحة الأولى: "مشروع سارة." ثم توقفت. فهي نفسها لم تكن تعرف ما الذي تفعله. لكنها شعرت أن عليها أن تفعل شيئًا. أي شيء. وفي الأسبوع التالي بدأت فكرة صغيرة. كانت تجلس مع الطالبات اللواتي يبدون وحيدات. وتستمع لهن. وتساعد من تحتاج مساعدة. وتشرح الدروس لمن تواجه صعوبة. وتكتب كلمات تشجيعية قصيرة وتتركها في الكتب دون أسماء. كانت أمورًا بسيطة جدًا. لكنها بدأت تكبر. بعد شهرين. أصبحت كثير من الطالبات يعرفن "مشروع سارة". دون أن يعرفن أصل الاسم. ودون أن يعرفن القصة كلها. وذات يوم دخلت المرشدة الطلابية إلى الصف. وقالت: "فيه طالبة رشحتها الإدارة لتكريم خاص." بدأت الطالبات يتساءلن. ثم قالت: "ليان." التفتت الأنظار كلها نحوها. أما هي فتجمدت في مكانها. صعدت إلى المسرح في الحفل المدرسي. والجميع يصفق. لكن عقلها كان في مكان آخر. في غرفة مستشفى. وفي فتاة كانت تضحك رغم الألم. أعطتها المديرة شهادة التكريم. ثم قالت: "هل تحبين تقولين كلمة؟" لم تكن مستعدة. أبدًا. لكنها وقفت أمام الميكروفون. والصالة كلها صامتة. نظرت إلى الوجوه. ثم قالت: "قبل فترة كنت أظن أن الأشخاص يرحلون وينتهي كل شيء." توقفت. وشعرت أن صوتها يرتجف. "لكن تعلمت أن بعض الناس يتركون خلفهم أشياء أكبر من وجودهم." ساد الصمت. "يتركون فكرة." "أو ذكرى." "أو أثرًا جميلًا في قلب شخص آخر." بدأت دموعها تتجمع. لكنها أكملت. "وأحيانًا... شخص واحد فقط يغيّر حياة كاملة." لم تستطع قول المزيد. فصفق الجميع. بينما عادت إلى مقعدها. وقلبها ممتلئ بشخص لم يعد موجودًا بينهم. وفي تلك الليلة. بعد انتهاء الحفل. عادت إلى المنزل. وجلست أمام نافذتها. كما كانت تفعل دائمًا. فتحت دفتر سارة. للمرة الأخيرة. ووجدت في الصفحة الأخيرة عبارة قصيرة جدًا. لم تكن قد انتبهت لها من قبل. كانت مكتوبة بخط صغير: "إذا قدرتِ تضحكين بعد كل اللي مريتي فيه..." "فأنتِ انتصرتِ." بكت. ثم ضحكت في الوقت نفسه. وهذا أغرب شعور عرفته يومًا. رفعت رأسها نحو السماء. وكانت النجوم متناثرة فوقها. فهمست بصوت خافت: "أظنكِ كنتِ محقة يا سارة." "ما زلت أعيش." وللمرة الأولى منذ رحيلها... لم تشعر ليان أنها تودعها. بل شعرت أنها تمضي معها إلى الأمام. نهاية الفصل الرابع.