الفصل الثالث
الفصل الثالث: عندما اختفت سارة
مرّت أسابيع بعد حصول والد ليان على الوظيفة الجديدة.
وعادت الحياة إلى هدوئها النسبي.
لم تصبح مثالية.
لكنها أصبحت أخف.
وكأن البيت أخذ نفسًا عميقًا بعد فترة طويلة من الاختناق.
أما ليان...
فكانت تبتسم أكثر.
وتضحك أكثر.
حتى إن بعض المعلمات بدأن يلاحظن الفرق.
وكان السبب الأكبر في ذلك كله شخصًا واحدًا.
سارة.
في صباح أحد الأيام وصلت ليان إلى المدرسة كعادتها.
توقفت عند البوابة.
ونظرت حولها.
لم تجد سارة.
استغربت قليلًا.
لكنها لم تهتم كثيرًا.
ربما تأخرت فقط.
دخلت الصف.
وانتظرت.
بدأت الحصة الأولى.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
ومقعد سارة ما زال فارغًا.
أخرجت هاتفها بعد انتهاء الدوام.
وأرسلت لها رسالة:
"وينك اليوم؟"
لم يصل الرد.
قالت في نفسها:
ربما مريضة.
لكن اليوم التالي مرّ.
ثم الذي بعده.
وسارة لم تعد.
بدأ القلق يتسلل إلى قلبها.
كانت تحاول إقناع نفسها أن الأمر عادي.
لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.
وفي اليوم الرابع سألت إحدى صديقات سارة.
فأجابتها:
"ما أدري."
"حتى أنا مو عارفة وينها."
عادت ليان إلى منزلها وهي تشعر بانقباض غريب.
جلست في غرفتها.
وأعادت فتح المحادثة بينهما.
كانت آخر رسالة من سارة قبل أسبوع.
صورة لكتاب.
وتحتها تعليق مضحك كعادتها.
كيف يمكن لشخص أن يختفي بهذه البساطة؟
مرّ أسبوع كامل.
ثم استدعتها المرشدة الطلابية.
دخلت ليان المكتب.
فرأت أن المرشدة تبدو مترددة.
قالت بلطف:
"اجلسي يا ليان."
جلست.
ثم سألت مباشرة:
"عن سارة؟"
خفضت المرشدة عينيها.
وقالت:
"نعم."
شعرت ليان أن قلبها بدأ ينبض بسرعة.
قالت المرشدة:
"سارة مريضة."
تنفست ليان الصعداء.
لكن المرشدة أكملت:
"مرضها خطير."
شعرت أن الكلمات لم تصل لعقلها.
سمعتها فقط.
دون أن تستوعبها.
"وش فيها؟"
سكتت المرشدة لحظة.
ثم قالت:
"عندها سرطان."
في تلك اللحظة شعرت ليان أن الأرض انسحبت من تحتها.
سرطان؟
سارة؟
الفتاة التي كانت تضحك طوال الوقت؟
التي تمزح أكثر شخص عرفته؟
التي كانت تنشر الطاقة في المكان كله؟
كيف؟
خرجت من المكتب وهي لا تشعر بشيء.
كانت الأصوات من حولها بعيدة.
كأنها تأتي من مكان آخر.
وعندما عادت إلى المنزل أغلقت باب غرفتها.
وجلست على الأرض.
تحاول استيعاب الخبر.
لكن عقلها كان يرفض.
يرفض بشدة.
في تلك الليلة لم تنم.
كانت تتذكر كل موقف جمعها بسارة.
كل ضحكة.
كل مزحة.
كل حديث.
وفجأة أدركت شيئًا.
هي لم تشكرها يومًا.
لم تخبرها يومًا كم كانت مهمة في حياتها.
كانت تظن أن الوقت موجود دائمًا.
كما يظن الجميع.
بعد أيام قليلة استطاعت الحصول على عنوان المستشفى.
وترددت طويلًا قبل الذهاب.
كانت خائفة.
خائفة مما ستراه.
وخائفة أكثر مما قد تسمعه.
لكنها ذهبت.
وقفت أمام الغرفة.
ويدها على المقبض.
ثم فتحت الباب ببطء.
ورأت سارة.
لكنها لم تكن سارة التي تعرفها.
كانت أنحف.
وأضعف.
وشاح يغطي شعرها.
وإرهاق واضح على وجهها.
لكن...
ابتسامتها بقيت نفسها.
قالت فور رؤيتها:
"وأخيرًا جيتي."
لم تستطع ليان الكلام.
فقط اقتربت.
وجلست بجانبها.
ثم انفجرت بالبكاء.
ضحكت سارة بخفة.
وقالت:
"هيه."
"أنا المريضة مو أنتِ."
مسحت ليان دموعها.
وقالت بصوت مكسور:
"ليش ما قلتي لي؟"
سكتت سارة قليلًا.
ثم أجابت:
"لأني كنت خايفة."
"من وش؟"
ابتسمت.
"من نظرات الناس."
ساد الصمت بينهما.
ثم قالت سارة:
"تعرفين أكثر شيء يخوف؟"
هزت ليان رأسها.
قالت سارة:
"مو المرض."
"الخوف أن الناس يبدأون يعاملونك كأنك انتهيت."
كانت الكلمات بسيطة.
لكنها أصابت قلب ليان مباشرة.
لأنها رأت ذلك بالفعل.
في عيون البعض.
في طريقة حديثهم.
في نظرات الشفقة.
بدأت تزورها كل أسبوع.
وأحيانًا أكثر.
كانت تحكي لها عن المدرسة.
وعن المعلمات.
وعن المواقف المضحكة.
وكانتا تضحكان كثيرًا.
حتى إن بعض الممرضات كنّ يستغربن.
كيف تضحك مريضة سرطان بهذا الشكل؟
وذات يوم سألتها ليان:
"أنتِ خايفة؟"
نظرت سارة إلى النافذة.
طويلًا.
ثم قالت:
"أحيانًا."
"من الموت؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت:
"لا."
استغربت ليان.
فأكملت:
"أخاف أن أنسى أشياء كثيرة قبل ما أعيشها."
ظلت تلك الجملة عالقة في ذهن ليان لأيام.
أخاف أن أنسى أشياء كثيرة قبل ما أعيشها.
كم شخص يعيش وهو يؤجل أحلامه؟
ويؤجل كلماته؟
ويؤجل حياته كلها؟
في إحدى الزيارات أخرجت سارة دفترًا صغيرًا.
وقالت:
"إذا صار لي شيء..."
قاطعتها ليان بسرعة:
"لا تقولي كذا."
ابتسمت سارة.
ثم وضعت الدفتر في يدها.
وقالت:
"بس خذيه."
عادت ليان إلى المنزل والدفتر معها.
ولم تفتحه.
لم تستطع.
كانت تشعر أن فتحه اعتراف بشيء لا تريد الاعتراف به.
ومع مرور الشهور...
بدأ العلاج يؤثر أكثر.
وأصبحت سارة أضعف يومًا بعد يوم.
لكنها كانت ما تزال تبتسم.
وما تزال تمزح.
وما تزال تحاول أن تجعل الآخرين ينسون أنها تتألم.
وفي ليلة شتوية باردة...
رن هاتف ليان.
نظرت إلى الشاشة.
كان الرقم من المستشفى.
وفي اللحظة التي رأت فيها الاسم...
عرف قلبها الخبر قبل أن تسمعه.
رفعت السماعة.
واستمعت.
ثم تجمدت.
وسقط الهاتف من يدها.
بقيت واقفة في مكانها.
لا تبكي.
لا تتكلم.
لا تتحرك.
كأن العالم كله توقف.
وفي صباح اليوم التالي...
كانت السماء ملبدة بالغيوم.
وكان الناس يرتدون السواد.
وكانت ليان تقف بصمت.
تنظر إلى مكان دفنت فيه أعز صديقة عرفتها.
الصديقة التي أعادتها للحياة...
ثم رحلت.
بعد انتهاء الجميع من المغادرة.
بقيت وحدها.
وأخرجت الدفتر الذي أعطتها إياه سارة.
فتحته للمرة الأولى.
وكانت أول جملة فيه:
"إذا كنتِ تقرئين هذا الآن... فأنتِ تبكين غالبًا."
ارتجفت يداها.
وأكملت القراءة.
"لا تكرهيني لأنني رحلت."
"ولا تحزني أكثر مما يجب."
"أنتِ من الأشخاص الذين يستحقون الحياة كاملة."
"فعيشيها."
عندها فقط...
انهارت بالبكاء.
بكاءً لم تعرف مثله من قبل.
لكن بين دموعها...
كانت هناك ابتسامة صغيرة.
لأنها أدركت أن بعض الأشخاص لا يغيبون تمامًا.
حتى بعد رحيلهم.
نهاية الفصل الثالث.