الفصل الثاني
الفصل الثاني: الرسالة التي لم تكن في مكانها
مرّ شهر تقريبًا منذ ذلك اليوم الذي كتبت فيه ليان في دفترها أنها بدأت تتعلم شيئًا جديدًا.
شهر كامل.
ولأول مرة منذ سنوات لم يكن كل يوم نسخة مطابقة لليوم الذي قبله.
وجود سارة أحدث فرقًا صغيرًا.
صغيرًا جدًا.
لكنه كان كافيًا ليجعل الحياة أقل ثقلًا.
أصبحت سارة تنتظرها عند بوابة المدرسة كل صباح.
وتجلس معها أثناء الفسحة.
وتتذمر من الواجبات.
وتشتكي من المعلمات.
وتضحك على أشياء تافهة لا تستحق الضحك أصلًا.
وأحيانًا كانت ليان تستغرب كيف يمكن لإنسان أن يغير مزاج يوم كامل بمجرد وجوده.
في أحد الأيام عادت ليان إلى المنزل لتجد والدها جالسًا في الصالة على غير عادته.
كان يبدو شاردًا.
أكثر من المعتاد.
وما إن دخلت حتى رفع رأسه.
ابتسم ابتسامة باهتة.
ثم قال:
"تعالي يا ليان."
جلست أمامه.
شعرت أن هناك شيئًا ما.
شيئًا لا تريد سماعه.
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال:
"الشركة اللي أشتغل فيها تمر بظروف صعبة."
ارتجف قلبها قليلًا.
لكنها حاولت أن تبقى هادئة.
"وش يعني؟"
تنهد.
"يعني يمكن يقللون الموظفين."
سكتت.
ثم سألت:
"وأنت؟"
خفض عينيه.
وكان ذلك كافيًا لتفهم.
في تلك الليلة لم تستطع النوم.
لم تكن المرة الأولى التي تواجه فيها مشكلة.
لكنها كانت تشعر أن المشاكل أصبحت تتراكم فوق بعضها.
كأن الحياة كلما رأتهم يحاولون الوقوف دفعتهم خطوة أخرى إلى الخلف.
جلست أمام مكتبها.
وأخرجت دفتر الرسائل.
ثم كتبت:
"يا أمي."
"أحيانًا أحس أن الدنيا تختبرنا أكثر من اللازم."
"وأحيانًا أحس أني قوية."
"لكن في بعض الأيام..."
توقفت قليلًا.
ثم كتبت:
"في بعض الأيام أتمنى لو كنتِ هنا فقط."
مرت الأسابيع التالية ثقيلة.
وخلالها تأكد الخبر.
فقد والدها عمله.
لم يبكِ.
لم يغضب.
بل بدا هادئًا بشكل مخيف.
كأن التعب تجاوز مرحلة الشكوى.
وأصبح مجرد صمت.
كانت ليان تراقبه من بعيد.
تراه يخرج كل صباح بحثًا عن وظيفة.
ويعود كل مساء أكثر إرهاقًا.
وفي كل مرة يسألهم:
"كيف كان يومكم؟"
وكأن همه الأكبر ما زال همهم.
بدأت المصاريف تقل.
واختفت أشياء كثيرة من البيت.
لم تعد الحلويات تُشترى.
ولا الطلبات الخارجية.
ولا الأشياء التي كانوا يعتبرونها عادية.
لكن أكثر ما كان يؤلم ليان أنها بدأت ترى القلق في عيون والدها.
وكان ذلك جديدًا عليها.
لأن والدها لطالما بدا قويًا.
أما الآن...
فكان يبدو إنسانًا فقط.
إنسانًا يحاول.
في المدرسة لاحظت سارة أن شيئًا ما تغيّر.
قالت لها يومًا:
"أنتِ مو بخير."
ابتسمت ليان.
"أنا بخير."
"كذابة."
ضحكت رغمًا عنها.
"ليش مصرة؟"
قالت سارة:
"لأنك لما تكونين زعلانة تسكتين أكثر."
ساد الصمت.
ثم قالت ليان أخيرًا:
"أبوي فقد شغله."
اختفت الابتسامة من وجه سارة.
ولأول مرة لم تعرف ماذا تقول.
فقط مدت يدها وربتت على كتفها.
وكان ذلك كافيًا.
أحيانًا لا يحتاج الإنسان نصيحة.
بل يحتاج شخصًا يبقى بجانبه.
في إحدى الليالي كان الجميع نائمين.
إلا ليان.
كانت ترتب بعض الأدراج القديمة بحثًا عن دفاتر المدرسة.
وعندما فتحت درجًا قديمًا في غرفة والدها وجدت صندوقًا صغيرًا.
خشبيًا.
مغطى بطبقة خفيفة من الغبار.
ترددت.
ثم فتحته.
في الداخل كانت هناك صور قديمة.
وصور أكثر.
ورسائل.
وأشياء احتفظت بها أمها قبل رحيلها.
تجمدت ليان في مكانها.
لم تكن تعرف بوجود الصندوق أصلًا.
بدأت تقلب محتوياته ببطء.
إلى أن وجدت ظرفًا أبيض.
مكتوبًا عليه بخط يد أمها:
"إلى ليان."
تسارعت أنفاسها.
شعرت أن قلبها يكاد يخرج من صدرها.
فتحت الظرف بيدين مرتجفتين.
وأخرجت الورقة.
ثم بدأت تقرأ.
"إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة الآن، فربما مر وقت طويل."
"وربما أصبحتِ أكبر مما أتخيل."
"أعرف أنكِ ستغضبين لأنني لست بجانبك."
"وأعرف أنكِ ستشتاقين لي."
"لكن يا ابنتي..."
"أرجوكِ لا تسمحي للحزن أن يسرق عمرك."
بدأت الدموع تنزل دون أن تشعر.
وتابعت القراءة.
"لا تحاولي أن تكوني قوية طوال الوقت."
"القوة ليست أن تتحملي كل شيء وحدك."
"القوة أن تعرفي متى تطلبين المساعدة."
"ولا تخافي من البكاء."
"فالقلوب أيضًا تحتاج أن ترتاح."
أغمضت عينيها.
وأخذت نفسًا طويلًا.
لكنها أكملت.
"إذا شعرتِ يومًا أن الدنيا ضاقت عليكِ، فتذكري شيئًا واحدًا."
"أنا كنت فخورة بكِ قبل أن تنجحي."
"وقبل أن تكبري."
"وقبل أن تثبتي أي شيء لأي أحد."
"كنت فخورة بكِ فقط لأنكِ أنتِ."
لم تستطع إكمال القراءة.
انهارت بالبكاء.
لأول مرة منذ سنوات.
بكاء حقيقي.
بلا مقاومة.
بلا محاولة للتظاهر بالقوة.
بلا خوف أن يراها أحد.
جلست على الأرض.
تضم الرسالة إلى صدرها.
وكأنها تعانق أمها للمرة الأخيرة.
في اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة وعيناها متعبتان.
لكن شيئًا مختلفًا كان موجودًا فيها.
شيء لم يكن موجودًا من قبل.
الأمل.
ليس الأمل الكبير الذي يغير الحياة فجأة.
بل ذلك الأمل الصغير.
الهادئ.
الذي يجعل الإنسان يكمل الطريق خطوة إضافية.
وبعد أسبوع واحد فقط...
عاد والدها إلى المنزل على غير عادته.
وكانت الابتسامة تملأ وجهه.
دخل بسرعة.
ونادى أبناءه.
اجتمعوا حوله.
ثم قال:
"لقيت وظيفة."
ساد الصمت لثانية.
ثم انفجر أخوها الصغير فرحًا.
أما ليان فابتسمت فقط.
ابتسامة واسعة.
ونظرت إلى السماء من النافذة القريبة.
وكأنها تريد أن تخبر أحدًا هناك بالخبر.
وفي تلك الليلة فتحت دفتر الرسائل للمرة الأخيرة منذ مدة.
وكتبت:
"اليوم فهمت شيئًا يا أمي."
"الحياة لا تتوقف عند الخسارة."
"وأحيانًا تأتي النجاة من المكان الذي لا نتوقعه."
"وأحيانًا يكفي أن نصبر قليلًا."
ثم أغلقت الدفتر.
لكنها لم تكن تعرف...
أن الأيام القادمة تخبئ لها اختبارًا أصعب بكثير من كل ما مرّت به.
نهاية الفصل الثاني.