الفصل الاول
اسم الرواية: حين كبرتُ قبل أواني
للكاتبه آية خالد
الفصل الأول: أشياء لا يراها أحد
كانت الساعة تقترب من السادسة صباحًا عندما رنّ المنبه للمرة الثالثة.
فتحت ليان عينيها بصعوبة، وحدقت في سقف غرفتها للحظات طويلة. لم تكن متعبة من قلة النوم فقط، بل من شيء أكبر لا تستطيع وصفه. ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان ينهض كل يوم وكأنه يحمل على كتفيه عمرًا كاملًا بدلًا من يوم جديد.
أغلقت المنبه، وجلست على طرف السرير.
كان البيت هادئًا.
هادئًا أكثر مما ينبغي.
في الماضي كانت تستيقظ على صوت أمها وهي تجهز الفطور أو تنادي إخوتها، أما الآن فلم يعد هناك سوى الصمت.
مرّت يدها على صورة صغيرة موضوعة فوق الطاولة بجانب سريرها.
صورة قديمة تجمعها بأمها.
ابتسمت فيها أمها ابتسامة واسعة كأنها كانت تعرف كيف تخبئ أحزانها كلها خلف تلك الضحكة.
أما ليان الصغيرة في الصورة فكانت تضحك بلا خوف، بلا قلق، وبلا فكرة عما ينتظرها بعد سنوات.
تنهدت.
ثم وقفت لتبدأ يومًا جديدًا يشبه كل الأيام التي سبقته.
في المدرسة كان كل شيء يبدو طبيعيًا للآخرين.
الطالبات يضحكن.
المعلمات يشرحن الدروس.
الأصوات تملأ الممرات.
أما ليان فكانت تسير بينهم وكأنها شبح.
لا أحد يلاحظ التعب الموجود خلف عينيها.
ولا أحد يعرف أنها تبقى مستيقظة حتى منتصف الليل تراجع دروسها وحدها.
ولا أحد يعرف أنها أصبحت مسؤولة عن أشياء كثيرة منذ رحيل أمها.
جلست في الصف بينما كانت المعلمة تشرح درسًا في الأدب.
لكن كلمات المعلمة كانت تمر بجانبها دون أن تستقر في ذهنها.
كانت تفكر في فاتورة الكهرباء التي أخبرها والدها عنها بالأمس.
وفي أخيها الصغير الذي يحتاج إلى حقيبة مدرسية جديدة.
وفي نفسها...
وفي سؤال يطاردها دائمًا:
متى أصبحت كبيرة هكذا؟
عند الفسحة جلست وحدها كعادتها.
أخرجت سندويشًا صغيرًا من حقيبتها.
لكنها لم تأكل.
كانت تراقب الطالبات وهن يتحدثن عن أشياء بسيطة.
فستان جديد.
حفلة قريبة.
مسلسل مشهور.
أمور عادية جدًا.
ومع ذلك شعرت أنها بعيدة عنها بمسافات طويلة.
اقتربت منها فتاة تُدعى سارة.
جلست بجانبها وقالت:
"ليش دايم لحالك؟"
ابتسمت ليان ابتسامة خفيفة.
"عادي."
"مو عادي."
"يمكن أحب الهدوء."
ضحكت سارة.
"كذابة."
رفعت ليان حاجبًا.
"ليش؟"
قالت سارة وهي تنظر إليها مباشرة:
"لأن عيونك تقول إن عندك ألف كلام ما قلتيه."
للحظة لم تعرف ليان ماذا ترد.
كم مرة حاول أحد فعلًا أن ينظر خلف ابتسامتها؟
قليل جدًا.
لهذا اكتفت بالابتسام.
لكن شيئًا صغيرًا تحرك داخل قلبها.
شيء يشبه الامتنان.
انتهى الدوام.
وعادت ليان إلى البيت.
فتحت الباب ودخلت.
كان والدها ما يزال في العمل.
أما أخوها الصغير فكان يلعب في الصالة.
ما إن رآها حتى ركض نحوها.
"ليان!"
ابتسمت رغم تعبها.
"هلا بالبطل."
"جبتِ لي شوكولاتة؟"
ضحكت.
"لا."
عبس.
"كل مرة تقولين لا."
"لأنك تطلب كل يوم."
"طيب بكرة؟"
"نشوف."
ابتسم فورًا وكأنه نسي خيبته في ثانية واحدة.
الأطفال يملكون قدرة غريبة على تجاوز الأشياء.
قدرة كانت تتمنى لو بقي منها شيء.
في المساء جلست تذاكر.
كانت تحاول التركيز.
لكن رأسها كان ممتلئًا.
كلمات كثيرة.
ذكريات كثيرة.
أسئلة أكثر.
أغلقت الكتاب أخيرًا.
واتجهت إلى النافذة.
في الخارج كانت الأضواء البعيدة تلمع تحت ظلام الليل.
وقفت تتأملها.
ثم همست دون أن تشعر:
"اشتقت لك يا أمي."
خرجت الكلمات ضعيفة.
لكنها كانت صادقة.
صادقة إلى درجة أنها أوجعتها.
شعرت بدمعة تنزل على خدها.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
حاولت مسحها بسرعة.
كأن أحدًا يراها.
مع أنها كانت وحدها.
تمامًا كما اعتادت.
في تلك الليلة لم تستطع النوم.
تقلبت كثيرًا.
ثم نهضت أخيرًا.
فتحت درج مكتبها.
وأخرجت دفترًا قديمًا.
كان الدفتر يحتوي على رسائل كتبتها لأمها بعد رحيلها.
رسائل لا يقرأها أحد.
ولا تنتظر جوابًا عليها.
فتحت صفحة جديدة.
وأمسكت القلم.
ثم كتبت:
"اليوم سألَتني فتاة في المدرسة لماذا أجلس وحدي."
توقفت قليلًا.
ثم تابعت:
"أردت أن أخبرها أن الوحدة ليست اختيارًا دائمًا. أحيانًا الإنسان يتعود عليها حتى تصبح جزءًا منه."
كتبت سطرًا آخر.
"الجميع يظن أنني بخير لأنني أبتسم."
ثم سطرًا آخر.
"هل تعرفين يا أمي؟ أصبحت أخاف أن أشتكي. أخاف أن يظن الناس أنني ضعيفة."
توقفت.
وحدقت في الورقة.
ثم كتبت أخيرًا:
"لكنني متعبة."
كانت تلك أول مرة تعترف فيها بذلك حتى لنفسها.
متعبة.
فقط متعبة.
مرت الأيام بعد ذلك ببطء.
لكن شيئًا صغيرًا بدأ يتغير.
سارة أصبحت تجلس معها أكثر.
وتسأل عنها أكثر.
وتجبرها أحيانًا على المشاركة في الأحاديث.
في البداية كانت ليان تنزعج.
ثم بدأت تعتاد الأمر.
ثم بدأت تنتظره.
ولأول مرة منذ فترة طويلة شعرت أن هناك شخصًا يحاول الاقتراب منها دون أن يطلب منها شيئًا بالمقابل.
وفي أحد الأيام، وبينما كانتا تغادران المدرسة، سألتها سارة فجأة:
"لو رجع فيك الزمن، وش الشيء اللي بتغيرينه؟"
سكتت ليان طويلًا.
طويلًا جدًا.
حتى ظنت سارة أنها لن تجيب.
لكنها قالت أخيرًا:
"ولا شيء."
استغربت سارة.
"ولا شيء؟"
هزت رأسها.
ثم ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:
"لأن بعض الأشياء لو تغيرت... يمكن ما كنت صرت أنا."
لم تفهم سارة الجملة تمامًا.
لكن ليان فهمتها.
كانت تعرف أن الألم غيّرها.
وأن الخسارات غيّرتها.
وأن المسؤوليات غيّرتها.
وأنها كبرت أسرع مما يجب.
لكنها رغم كل ذلك ما زالت تقف.
وما زالت تحاول.
وما زالت تستيقظ كل صباح.
وهذا وحده كان نوعًا من الشجاعة.
في تلك الليلة، قبل أن تنام، فتحت دفتر الرسائل مرة أخرى.
وكتبت:
"أظن أنني بدأت أتعلم شيئًا جديدًا."
"ليس كل من يسأل عنك فضوليًا."
"بعض الناس يسألون لأنهم يهتمون فعلًا."
ثم أغلقت الدفتر.
وأطفأت الضوء.
ولأول مرة منذ أشهر طويلة...
نامت وهي تشعر أن الغد قد يحمل شيئًا مختلفًا.
نهاية الفصل الأول.