الفصل 6
*الفصل الخامس: خطوة لقدام، وقلب مرتجف*
من بعد ليلة المطر وكلام سالم قدام الباب، سارة ما عادت سارة الأولى. صارت تمشي بالبيت وعلى شفايفها ابتسامة غصب عنها، وأمها تشوفها وتسكت، بس عينها تقول "الحمدلله".
الخوف لسه موجود، بس صار خوف بنت تحب، مش خوف بنت انكسرت.
*يومياتهم صارت أقرب بدون كلام:*
هو يصحى الفجر، يلقى كوب الشاهي قدام بابه. تشربه وهي من ورا الشباك. يشرب نصه، ويخلي النص الثاني، كأنه يقول لها "بشرب من نفس كوبك".
وهي تنزل السوق، تلقاه واقف عند زاوية الشارع يصلح بسطة عم صالح اللي انكسرت. ما يكلمها، بس أول ما يشوفها، يوسع لها الطريق بيده ويطأطأ راسه احترام. هي تعدي وقلبها يدق، وهو يكمل شغله كأنه ما سوى شي.
العمال بالميناء صاروا يعرفوا السر. واحد يقول له "يا سالم، اليوم الشاهي كان حلو". يرد عليه ويضحك بخجل: "البركة من أهل البيت".
*أهلها دخلوا بالموضوع رسمي:*
أبوها يوم شاف الإصرار بعيون سالم، ناداه بعد صلاة الجمعة. قعدوا بالديوان، والسكوت بينهم أبلغ من الكلام.
أبوها فتحها على طول: "يا ولدي سالم، إنت رجال وشهم، وهذا واضح. وبنتي سارة غالية، وعاشت وجع قبل. فأنا ما أبغى أرميها للي ما يقدرها".
سالم نزل راسه وقال: "يا عم، أنا ما جيت أطلب يدها عشان أرميها. أنا جيت أشيلها. شقاي لك، وعرقي لها، وعمري تحت رجلها ورجل أمها. الفقر مو عيب، العيب إني أوعد وما أوفي".
أبوها سكت شوي، بعدين قام جاب له كوب شاهي بيده وقال: "اشرب يا ولدي. واللي يشرب من شاهي بيتي، يصير واحد مننا. استخير، واستخيرها، وإذا ربك كاتب، الباب مفتوح".
طلع سالم من البيت وطوله شبرين من الفرحة. بس الفرحة فيها هيبة، فيها مسؤولية.
*سارة كيف حبته زيادة؟ بالتفاصيل اللي تذبح:*
حبته لما أمها تعبت فجأة بنص الليل، وهو شالها بسيارة الجيران ووداها المستشفى، ووقف بالاستقبال لين الفجر، ورفض يروح حتى تشرب موية.
حبته لما مهاب انضرب من عيال الحارة، وهو جابهم كلهم، ما ضرب أحد، بس وقف قدامهم وقال: "اللي يمد يده على أخ سارة، كأنه مدها علي أنا. والرجال ما يمد يده على الصغار". العيال من هيبته اعتذروا.
حبته لما جاب لها كتاب "ديوان شعراء عدن" يوم سمعها تقول لأمها "ودي أقرأ". قال لها: "العلم زينة البنت، وأنا ما أبغى حرمة جاهلة. أبغى حرمة تربي عيالي".
حبته لما وقف قدام المراية حق دكان عم صالح يعدل عقاله قبل ما يمر من قدام بيتهم. هي شافته من بعيد، وفهمت إنه يتزين عشان عينها، مش عشان الناس.
*اللحظة اللي قالت فيها "موافقة" بدون ما تنطق:*
كان في فرح بالحارة، وزفة عروس. سارة واقفة مع البنات تتفرج. العروسة معدية، وأمها تبكي من الفرحة وتقول "يا رب أشوف بنتي كذا".
سارة قلبها انقبض. خافت. خافت من الفستان الأبيض، خافت من كلمة "مبروك"، خافت من البداية الجديدة.
حسّت بيد تمسك طرف عبايتها من ورا. التفتت... لقيته سالم.
ما تكلم. بس عطاها منديل أبيض ثاني، زي الأول. بس هذي المرة المنديل ملفوف عليه خاتم فضة بسيط، محفور عليه "س.ع".
همس لها بصوت ما يسمعه إلا هي وسط الزغاريد: "سارة، أنا ما أملك ذهب ولا قصور. أملك قلب ما يعرف الخيانة، ويد ما تنمد إلا بالحلال. هذا خاتم أمي الله يرحمها، قالت لي 'عطيه للبنت اللي بتكون أم عيالك'. إذا قبلتيه، البسيه. وإذا ما قبلتيه، رجعيه لي وأنا راضي بقضاء ربي".
وحط المنديل بيدها ومشى، وظهره ما التفت ولا لحظة.
هي وقفت، والزغاريد حولها، والدموع بعيونها. فتحت المنديل، شافت الخاتم الفضة البسيط. ما فيه فص، ما فيه لمعة، بس فيه ريحة أم، وريحة صدق، وريحة عمر.
قفلت يدها على الخاتم بقوة، كأنها تقول "ملكي".
رجعت البيت، دخلت غرفتها، سكرت الباب. أمها واقفة برا تسمع.
سارة لبست الخاتم بإصبعها... وكان على مقاسها بالضبط.
طلعت لأمها، ومدت يدها وهي تبكي بس بتبتسم: "يا أمي... قولي لأبوي، قولي لسالم... قولي له إني موافقة. موافقة على الشقى معاه، موافقة على البيت الصغير، موافقة على العمر كله. بس بشرط..."
أمها حضنتها بقوة: "إيش شرطك يا مجنونة؟"
سارة مسحت دموعها وقالت: "شرطي إنه عمره ما يكذب علي. ولا يخليني ألبس ضحكة مزيفة مرة ثانية".
أمها باس راسها: "والرجال هذا، ما أظنه يعرف الكذب. شكله ما يعرف إلا الصدق والشقى".
نفس الليلة، مهاب ركض لسالم وهو يصارخ بالشارع: "يا سالم، يا سالم، أختي لبست الخاتم!"
سالم كان جالس على عتبة بيته، راسه بين يديه يدعي. يوم سمع الخبر، قام وقف، وطالع للسما، ودمعة نزلت من عين الرجال الناشف وقال: "يا رب لك الحمد... لك الحمد".
ما راح يطق الباب. ما راح يزعق. بس جلس على عتبته، وحط يده على قلبه، وهمس: "من اليوم، وقلبك أمانة برقبتي يا سارة".
سارة من شباكها شافته. شافت دموعه. وشافت ظهره اللي صار ظهرها وسندها.
فتحت دفترها لآخر مرة، وكتبت:
"انتهى الفصل المزيف... وبدأ فصل الصدق.
اسمه سالم، واسمي سارة.
وعدنا قدام رب العالمين: هو يكون الأمان، وأنا أكون السكن.
العشق المزيف علمني أخاف... وسالم علمني أطمن.
اللهم تمم لنا على خير، واجعل بيتنا مودة ورحمة، وضحكتنا صدق من القلب".
وقفلت الدفتر، وشالت الخاتم باسته، ونامت... ولأول مرة من سنين، نومها ما كان هروب. كان بداية.
*تمت... بحمد الله*
إ