الفصل 5
*الفصل الخامس: لما الخوف بدأ يذوب*
بعد كلام سالم ليلة العرس، الدنيا عند سارة صارت بين نارين. نار الخوف اللي من الكسرة الأولى، ونار الأمان اللي بدأ يحسها فيه.
كل يوم يعدي، وقلبها يتعود على وجوده شوي شوي. زي الشاهي العدني، أول شربة تحرق، بعدين تدفي.
*يومياتها الجديدة:*
تصحى بدري، قبل أمها. تولع الموقد وتسوي شاهي حليب ثقيل زي ما تحبه، وتحطه بكوب ستانلس حق العمال. تلفه بمنديل عشان ما يبرد.
تنزل، تحطه قدام باب بيته بكريتر، وتطرق طرقتين خفيفة وتهرب. ما تشوفه، ما تواجهه. بس تسمع صوته من ورا الباب يقول: "تسلم يدك يا بنت الأصول". وقلبها يطير من الفرحة.
هو كمان صار له طقوس. كل ما يرجع من الميناء، يعدي سوق كريتر يشتري لها شي بسيط. مرة علبة حلاوة طحينية لأنها قالت لأمها "توحمت عليها". مرة مشبك عدن، مرة ورد بلدي من بايع متجول. يحطها بكيس، ويكتب عليها "لأم سارة" ويخلي مهاب يوديها.
مهاب صار السفير بينهم. يدخل ويطلع، وياخذ ويجيب، وعيونه تلمع فخر. يقول لأخته: "شفتي يا سارة؟ الرجال لما يحب، يحب الكل. يحب أمك، يحب أبوي، يحبني أنا قبل".
*جو البيت وكلام الكبار:*
أبوها ما عاد يكح بس. صار كل ما يشوف سالم يعدي، يطلع يجلس معه بالديوان. ما يتكلموا عن البنت. يتكلموا عن البحر، عن الشقى، عن الغلا والمعيشة.
يوم من الأيام، أبوها سأله سؤال واحد بس: "يا سالم، إيش نيتك؟"
سالم عدل جلسته، وحط يده على قلبه وقال: "يا عم، نيتي بيت. بيت ستر وعفاف. وأمك وأبوك تاج على راسي قبل عيوني. وأنا ما أملك إلا شقاي، بس شقاي حلال، ويبني بيت".
أبوها ما رد. بس يوم مشى سالم، دخل على أم سارة وقال: "الولد هذا رجال. والرجال قليل بهالزمن. استخيري يا حرمة".
أمها من يومها صارت كل ما تطبخ زربيان، تشيل أحسن صحن وتقول لسارة: "وديه له، قولي له من أبوك".
*كيف حبته أكثر؟ في المواقف اللي ما تنكتب:*
حبته لما الكهرباء طفت أسبوع كامل بعدن، وهو كل ليلة يجيب لهم بطارية يشغلها، ويرفض ياخذ فلوس. يقول: "الجار قبل الدار".
حبته لما أبوها انحجز بالمستشفى ليلتين، وهو سهران معاهم، يجيب الدواء، ويوقف بالطابور، ويقول للدكتور "أبوي هذا، لو تبغى عيني عطيتك".
حبته لما مهاب جاب له شهادة بتفوق، وهو لبس أحسن ما عنده، وحضر التكريم، وصور معاه، واشترى له بسكليت جديد. قال له: "أنت أخ سارة، يعني أخي".
حبته لما شافته يصلي الفجر بالمسجد، وبعد الصلاة يمسح دموعه بطرف ثوبه. سأله الإمام: "مالك يا سالم؟"
قال: "أدعي ربي يرزقني بنت الحلال اللي تسترني، وأسترها".
سارة كانت تصلي ببيتهم، وسمعت دعاه من الشباك. بكيت. أول مرة تبكي وهي مبسوطة.
*المواجهة اللي كسرت الحاجز الأخير:*
كان يوم، وهي راجعة من السوق، الدنيا مطر مرة ثانية. عدن إذا مطرت تغرق.
وهي واقفة بنص الشارع، والموية واصلة لركبها، وفستانها اتبلل كله. خايفة، ومرعوبة.
وفجأة حسّت بذراع قوية تشيلها. رفعها سالم لفوق، وحضنها عشان ما تتبلل أكثر. هي لاصقة بصدره، تسمع دقات قلبه. دقات ما فيها لعب، دقات رجال خايف عليها.
وصله لين باب البيت، نزلها، وظهره كله موية. هي كانت ترجف، مش من البرد، من القرب.
قبل ما يمشي، مسك يدها ثانية وحدة بس، وطالع بعيونها وقال: "سارة، أنا صبرت كثير. وصبرت عشانك. بس الصبر له حدود. أنا رجال، وباب أهلك مفتوح. لو قلبك مال لي، قولي لأمك. ولو قلبك ما مال، قولي لي وأنا بمشي وما بلومك".
سحب يده، ومسح موية المطر من على وجهها بإصبعه، وقال: "سامحيني على الجرأة... بس الخوف على قلبك خلاني أتهور".
ومشى بالمطر، وخطواته ثقيلة.
هي دخلت البيت، وكلها موية. أمها شافتها، شافت المنديل بيده، شافت دموعها.
ما سألتها. بس حضنتها بقوة وقالت: "بكي يا بنتي، البكا يغسل القلب. واللي يمسح دموعك بالمطر، هذا يستاهل عمرك".
سارة راحت غرفتها، فتحت الدفتر، والصفحات كلها رطوبة. كتبت بخط ملخبط:
"اليوم شالني مرة ثانية... بس هذي المرة ما شالني من بركة. شالني من خوفي.
قال 'لو قلبك ما مال، قولي لي'. ما هدد، ما لاحق، ما جرح. عطاني حريتي.
العشق المزيف كان يقول 'إنتي ملكي'.
وسالم يقول 'إنتي حرة، واختياري'.
يا الله، إيش الفرق بين الكذب والصدق؟ الكذب يخنق، والصدق يحرر.
يا رب، قلبي مال له. بس خايفة. خايفة أصدق وأطيح.
دبرني يا رب، فإني لا أحسن التدبير".
قفلت الدفتر، وطلعت لأمها. جلست بحضنها، وحكت لها كل شي. من أول يوم شافته، لين اليوم.
أمها مسحت على شعرها وقالت: "يا بنتي، القلب لما يحب صح، ما يخاف. يطمن. وإذا سالم هذا أمانك، فأنا من اليوم أعتبره ولدي".
في الليل، سارة ما نامت. كانت تسمع صوت المطر، وتدعي: "يا رب، إذا هو نصيبي، سهلها. واجعل خوفي أمان".
وثاني يوم الصبح، أول ما صحيت، لقت قدام الباب كوب شاهي حليب، لسه دافي، وورقة صغيرة مكتوب فيها:
"صح النوم يا سارة. شفتك سهرانة، قلت أكيد قلبك صاحي. هذا شاهي عشان يروق بالك. وأنا صابر... لين ما قلبك يقول".
ما كان فيه توقيع. بس كانت تعرف الخط. خط سالم.
ابتسمت، وحضنت الكوب، وشربت الشاهي... ولأول مرة، الشاهي ما كان مر. كان حلو بطعم الأمان.
*يتبع...*