حب و عشق مزيف - الفصل 4 - بقلم اسماء - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حب و عشق مزيف
المؤلف / الكاتب: اسماء
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 4

الفصل 4

*الفصل الرابع: الباب اللي انفتح على مهله* بعد هدية العيد، البيت كله اتغير. أمها صارت كل ما تصلي، تدعي له من قلبها: "يا رب، لو هو ولد حلال قرّبه، ولو مو هو، عوض بنتي خير منه". أبوها صار كل ما يشوف ضله يعدي العصر، يوقف عند الباب ويكح كحة خفيفة كأنه يقول "أنا صاحي". ومهاب صار يطلع الشارع بدري عشان "يشيك" على الرجال إذا هو رجال قد كلامه ولا لا. وهي؟ هي صارت تخاف من الفرحة. الفرحة بعد الوجع توجع أكثر. *روتينه اليومي اللي صار روتينها:* صحيان الفجر ما عاد لحاله. هي تصحى مع أذان المحضار، تصلي، وتدعي له وهي ما تعرف اسمه كامل. بس تقول "يا رب وفقه". ينزل الشغل، وهي من الشباك تراقبه من بعيد. يشيل، ويعرق، ويضحك مع العمال. الظهر يرتاح، والعصر يعدي من قدام البيت. بس هذي المرة صار يوقف ثانيتين قدام بابهم. ما يطق، ولا ينادي. بس يعدل عقاله، وياخذ نفس، كأنه يشحن قلبه، بعدين يمشي. وهي من ورا الستارة، قلبها يطلع معاه ويرجع معاه. *كيف عرفت اسمه وقصته؟* كان يوم جمعة، والدنيا حر. الكهرباء طافية من الصبح. هي نازلة تشتري موية من البسطة اللي على ناصية الشارع. البياع غالي عليها، وهي ما معها إلا حق جالون واحد. واقفة محتارة، والعرق مغطي وجهها. فجأة سمعت صوت هادي وراها: "كم الجالون يا عم؟" التفتت... لقيته. عرقه نازل على رقبته، وثوبه لاصق بظهره من الحر. دفع حساب الجالونين، واحد له وواحد لها. عطاها حقها وقال: "الجو حر، والبنت ما تشيل ثقيل بالشمس". وهي خجلانة تقول: "بس أنا ما طلبت..." قاطعها: "وأنا ما استنيت طلب. الواجب واجب يا بنت الأصول". وهي ماشية جنبه، سألته بخوف: "إنت... إيش اسمك؟ عشان أشكرك". وقف، طالع بالأرض، وقال: "اسمي سالم. سالم العولقي. وأمي الله يرحمها كانت تقول: اللي يسوي المعروف ما ينتظر شكر". سالم... الاسم دخل قلبها زي النسمة. سالم من السلام، من الأمان. وهو عرف اسمها بعدين، لما مهاب أخوها طلع يزعق: "يا أختي سارة، أبوي يناديك!" من يومها صار بقلبه اسمين: سارة... وبنت الأصول. *كيف حبته بالتفاصيل الصغيرة:* حبته لما مرضت أمها، وسمعها من الشباك وهي تبكي. ثاني يوم جاب لها عسل سدر أصلي من حضرموت، وحطه قدام الباب وطرق ومشى. معاه ورقة مكتوب فيها بخط رجال: "للوالدة، ملعقة الصبح على الريق. مجرب". حبته لما أبوها تعطلت سيارته القديمة، وهو وقف له بالشارع، ووسخ هدومه كلها وهو يصلحها معه تحت الشمس، وما رضي ياخذ ولا ريال. حبته لما مهاب انسرقت شنطته بالمدرسة، وهو لف الحارة كلها يدور على الولد اللي أخذها، وجابها لين البيت وقال لمهاب: "الرجال ما يمد يده على حق غيره". حبته لأنه عمره ما قال "أحبك". كان يقول: "خدي بالك"، "بردانة؟"، "ثقيل عليك؟"، "نمتي زين؟". كلام رجال، مش كلام عيال. قلبها اللي كان ميت، بدأ يصحى. بس صحيان بخوف. كل ما يبتسم لها، تتذكر الضحكة المزيفة الأولى. كل ما يحن عليها، تتذكر الكلام البارد. *بيتهم وحضنهم اللي يطيب الجرح:* أمها صارت تطبخ له أكل وتقول: "يا بنتي، نزلي له هذا الصحن. قولي له من أمك". تنزل له صانونة بطاطس، أو رز ومطفاية. هو ياخذها، يبوس راسها من بعيد احترام، ويقول: "سلمت يد الوالدة، وقولي لها دعواتي لها بالشفاء". أبوها يوم شافه يصلح السيارة، ناداه للديوان. قعدوا سوا، شربوا شاهي، وما تكلموا عن شي. بس أبوها فهمه. الرجال بينعرف من قعدته، من سكوته، من عينه. قبل ما سالم يمشي، أبوها مسك كتفه وقال كلمتين: "يا ولدي، بنتي غالية. والغالي ما ينعطى إلا للغالي. وأنا شايف فيك الغلا". سالم نزل راسه احترام وقال: "يا عم، أنا ما أملك إلا شقاي واسم أمي. بس أوعدك، لو دخلت هذا البيت، بدخل من بابه، وبشيلها بعيوني قبل يدي". مهاب كان واقف يسمع. يوم مشى سالم، لف على أخته وقال: "شفتي يا سارة؟ هذا الرجال اللي قلت لك عليه. هذا اللي لو زعلك، بأزعل أنا الدنيا كلها". *الليلة اللي اعترف فيها بدون كلام:* كان في عرس بالحارة، ودبكة وزغاريد. هي طالعة مع أمها وأخواتها، لابسة فستان بسيط بس مرتب. وهو كان واقف مع الرجال، بس عينه عليها غصب عنه. فجأة واحد من الشباب قليل الأصل حاول يضايقها بالزحمة. قبل ما هي تحس، لقته قدامه. ما تكلم، ما صارخ. بس طالعه طالعة رجال تخوف. الولد نزل راسه وهرب. بعدها بدقايق، حسّت بمنديل أبيض نظيف ينمد لها. كان وجهها عرقان من الخوف. أخذته وهي ترجف. سالم كان واقف بعيد، بس قريب. قال لها بصوت واطي ما يسمعه إلا هي: "سارة... أنا ما أعرف أقول كلام حلو زي غيري. ولا أعرف أغزل. أنا أعرف شي واحد... إن الحرمة اللي بقلبي، لو طاحت شعرة من راسها، قلبي أنا اللي بينكسر قبلها". وسكت. الموسيقى شغالة، والناس ترقص، بس هو والهي لحالهم بعالم. كمل كلامه: "أبوي مات وأنا صغير، وأمي ربتني على الحلال. وأنا من يوم شفتك شايلة كياسك بالشارع، وأنا أشيل همك قبل شغلي. لو تشوفي إن هذا قليل، قولي لي وأنا أمشي وأتركك. بس لو تشوفي إن الأمان يسوى، فأنا موجود". ما استنى رد. لف ومشى وسط الزحمة، وظهره زي الجبل. هي وقفت مكانها، المنديل بيده، وقلبها يدق. أول مرة من سنين، ما خافت من الكلام. خافت من الصدق. دخلت البيت، جري على غرفتها، فتحت الدفتر. يدها ترجف وهي تكتب: "اليوم قال اسمه... سالم. اليوم قال 'الحرمة اللي بقلبي'... وما قال حبيبتي. فهمت الفرق. الحبيبة كلمة، والحرمة بيت وعمر. العشق المزيف كان يغرقني بكلام... وهذا يطلعني من الغرق بفعل. يا رب، إذا سالم هذا رزقي، ثبته. وإذا أنا رزقه، قويني. ويا رب، طهر قلبي من الخوف... عشان أعرف أحب صح هذي المرة". قفلت الدفتر، وحضنت المنديل الأبيض. وريحة عرقه وشقاه كانت فيه. ريحة أمان. ونامت... وأول مرة، ما صحت مفزوعة. صحت وهي مبتسمة. *يتبع...*