الفصل 3
*الفصل الثالث: لما القلب بدأ يفهم*
بعد ليلة المطر، الدنيا عندها ما عادت زي أول.
تصحى الصبح، أول شي تسويه تروح الشباك. تشوف الشارع فاضي، وتزعل. تقول لنفسها "إيش فيكِ مجنونة؟ الرجال عنده شغل وبيت وهم، مش فاضي يعدي كل يوم عشانك".
بس قلبها ما كان يسمع العقل.
*يومياته اللي بدأت تعرفها من بعيد لبعيد:*
صحيان الفجر على أذان المحضار. يتوضى بموية باردة، ويصلي لحاله في زاوية بيته. سجادته قديمة، مهترية من كثر السجود. بعد الصلاة يقعد شوي، يمسك صورة أمه ويبوسها ويقول: "سامحيني يا أمي لو قصرت".
فطوره ما يتغير: شاهي حليب ثقيل تعمله أمه الله يرحمها قبل ما تموت، كانت تقول له "اشرب يا ولدي عشان تقوى". وخبز طاوة يجيبه حار من فرن الحافة، حق عم عبده. عم عبده كل ما يشوفه يقول: "تعال يا ولد الأصول، الخبز هذا لك ببلاش". وهو يرد: "لا يا عم، الرزق الحلال أحلى".
شغله في الميناء شقى. من الساعة 6 الصبح لين 5 المغرب. عرق، وغبار، وسب، وشيل ثقيل. العمال الكبار يحترموه ويقولوا له "يا أبو الأصول". الصغار يتعلموا منه: "شوفوا كيف يشتغل من غير ما يتذمر".
الظهر لما الشمس تصير نار، يرتاح تحت ظل كونتينر قديم. يطلع كيس صغير فيه تمر وخبز يابس. ياكل وهو يتفرج على السفن. واحد من العمال سأله مرة: "ليش ما تتزوج يا ولد؟ شكلك رجال وتستاهل بيت وعيال".
طالع بالبحر وسكت، بعدين قال: "الزواج مسؤولية يا صاحبي. والبنت اللي باخذها، لازم أكون قدها وقد أهلها. مو أي كلام".
بعد الشغل يعدي سوق المنصورة. يشتري لأمه فاتحة وموية زمزم، ويروح المقبرة. يجلس عند قبرها ساعة يحكي لها عن يومه. يحكي لها عن الشقى، وعن البحر، وعن البنت اللي يشوفها كل يوم شايلة كياس ثقال. ما يقول اسمها، بس يقول "البنت الطيبة حق المعلا".
*كيف حبته بدون ما تدري:*
حبته في يوم شافت البياع يغش بالميزان. هي ساكتة مستحية تتكلم، وهو كان معدي. وقف، طالع بالبياع عين قوية، وقال: "يا عم اتق الله، هذي بنت ناس مش زبونة سوق. الميزان هذا حرام". البياع خاف ونزل له كيلو زيادة.
حبته لما شافته يعطي عامل عجوز نص راتبه ويقول: "خذ يا عم، عيالك أولى". العامل بكى وقبّل راسه.
حبته لما انقطعت الكهرباء بالحارة كلها، وهو لف على كل البيوت يتأكد إن العجايز معاهم شمعة وموية.
حبته لأنه ما عمره قال لها كلمة حب. بس كل تصرفاته كانت رسالة: "أنا رجال أمان".
قلبها اللي كان مقفل بألف قفل من العشق المزيف، بدأ المفتاح الصدق يفتحه. تكة تكة. بس لسه خايفة. الخوف اللي يجي بعد الكسرة ما يروح بسهولة.
*جو عائلتها وكلامهم اللي يطبطب:*
أمها حست بالموضوع من نظراتها. يوم كانت بنتها تغسل المواعين وسارحة، قربت منها أمها ومسحت على شعرها وقالت: "يا بنتي، عيونك بدأت تلمع مرة ثانية. إيش فيه؟"
البنت ارتبكت: "ما في شي يا أمي، تعبانة شوي".
أمها ابتسمت بحنية: "اللي في القلب ما يتخبى يا بنت بطني. وأنا أم، وعيني تعرف. لو الرجال رجال أمان، فأنا موافقة من قبل ما أشوفه. المهم ضحكتك ترجع".
أبوها كان أذكى. يوم شاف واحد يعدي من قدام البيت كل عصر ويلتفت للشباك، ما قال شي. بس يوم الجمعة بعد الصلاة، نادى بنته وقعدها جنبه وقال: "اسمعي يا بنتي. أبوكي شاف الدنيا. الرجال بينعرف من أفعاله مش من كلامه. اللي يشيل عنك الثقل قدام الناس، بايشيلك بقلبه قدام ربه. بس تذكري... بنت الأصول ما ترخص نفسها. خليه هو اللي يجي لين الباب".
مهاب أخوها كان مراقب من نوع ثاني. يوم شاف الرجال يعدي، راح وقف له بالشارع وقاله: "إنت اللي تشيل أختي؟"
الرجال وقف واحترمه: "إيه يا بطل".
مهاب نفخ صدره: "اسمع، أختي هذي لو دمعت عينها، أنا بأخلي الدنيا كلها تبكي. فهمت؟"
الرجال ابتسم وربت على كتفه: "ونعم الرجال يا مهاب. وأنا لو على يدّي، ما أخليها تدمع ولا لحظة".
*الموقف اللي كسر آخر جدار بقلبها:*
كان يوم عيد صغير، والناس كلها لابسة جديد ومبسوطة. هي كانت لابسة فستانها القديم، لأن أبوها يدوب قادر على مصروف البيت. واقفة بالشباك تتفرج على البنات وهن يضحكوا بالشارع، وقلبها مقبوض.
فجأة سمعت طق خفيف على باب البيت. فتحت... لقته واقف. لابس ثوب أبيض نضيف مكوي، وعقاله معدول. بيده كيس صغير ملفوف بورق هدايا.
ما دخل، وقف على الباب بأدب وقال: "كل عام وإنتو بخير. هذي... هذي لأمك، عشان العيد".
وعطاها الكيس ومشى بسرعة كأنه خايف.
دخلت جري لأمها وفتحت الكيس. لقت فيه طقم صلاة أبيض مطرز، وسبحة لؤلؤ، وريحة بخور عود.
أمها مسكت الطقم وبكت. قالت: "يا بنتي، هذا رجال. جاب لي هدية عيد وأنا ما أعرفه. عرف إن الأم تفرح بأقل شي".
في الليل، وهي لحالها، فتحت دفترها وكتبت صفحات وصفحات:
"اليوم جاب لأمي هدية... ما جاب لي أنا. جاب لأمي. فهم إن مفتاح البنت عند أمها.
العشق المزيف كان يقول لي 'إنتي عمري' ويشتري لنفسه ساعة ذهب.
وهذا ما قال لي شي، بس اشترى لأمي طقم صلاة.
يمكن الصدق كذا... يبدأ من الكبار قبل الصغار.
يا رب، إذا هو خير لي قرّبه. وإذا شر، أبعده عني أبعد السما عن الأرض. بس تكفى يا رب، لا توجعني مرة ثانية، قلبي ما عاد يتحمل".
وقفلت الدفتر، وحطت يدها على قلبها. لأول مرة من سنين، دقات قلبها ما كانت خوف... كانت رجاء.
ومن شباكها، شافت ضله وهو يبعد بالشارع الفاضي. كان يمشي وراسه مرفوع، بس مشيته هذي المرة فيها شي مختلف... فيها لهفة.
*يتبع...*