الفصل 1
*الفصل الأول: ضحكة قبل الكسرة*
كان بيتها في المعلا، بيت عدن القديم حق أهل أول. سقفه عالي، وشبابيكه خشب مشرّح، والبحر لو فتحت الشباك تشمه ريحة ملح وياسمين.
تصحى كل صبح على صوت أمها من المطبخ: "قومي يا بنت، الشاهي برد".
أمها حريمة أصيلة، يدها خفيفة بالعشار والزربيان، ولسانها أحلى من العسل. أول ما تشوف بنتها ساكتة، تجي تبوس راسها وتقول: "ما فيكِ إلا العافية يا قلبي".
أبوها رجال كلمته سيف. ما يحكي كثير، بس عينه لحالها أمان. يوم تشوفه راجع من الشغل، تعب وشقى، أول ما يشوفها يبتسم ويقول: "نورتي البيت يا ضحكة أبوك".
وأخوها "مهاب" هذا لحاله حكاية. عمره 14 بس عقله كبار. كل ما يزعلها شي، يجيب لها توفي من الدكان ويقول: "كلي يا أختي، عشان لو حد زعلك بأكسر راسه".
العشاء عندهم لمة ما تتعوض. سفرة أرضية، صحن كبير رز وصانونة، وأمها تحط لها أحسن قطعة لحم وتقول: "كلي عشان خدودك، ذبلانة من المذاكرة".
بس وسط كل هذا الدفا، كان في قلبها جرح قديم.
كان في واحد... حبته من وهي بنت صغيرة. حب عمر، زي ما يقولوا. كل ما تشتكي له من الدنيا يضحك ويقول "عيوني إنتي". كل ما تبكي عنده يقول "قوي قلبك يا مجنونة".
صدقت إنه الأمان. صدقت إن كلامه صدق.
لين جا اليوم اللي شافت رسايله لغيرها. نفس "عيوني إنتي"، نفس الكلام الحلو.
قامت من عند الشباك، ودموعها تنزل من غير صوت. وقفت قدام المراية، مسحت دموعها بطرف فستانها، ورسمت على شفايفها ضحكة. ضحكة توجع، بس قوية.
همست لنفسها بلهجة عدن: "خلاص، من اليوم ما عاد أبكي لحد. اللي باعني بكلمة، ما يستاهل دمعة".
طلعت تتمشى بشارع المعلا، والشمس حارقة فوق راسها. شنطتها فجأة تقطعت، وكل شي طاح: الروج، المفاتيح، دفتر مذكراتها الصغير اللي تكتب فيه وجعها.
وطت تجمع أغراضها وهي مستحية من الناس، وقلبها يقول "ليش أنا كذا أنحس؟".
يد كبيرة مدت لها الدفتر. يد خشنة، بس حنينة. رفعت عينها...
لقيته واقف قدامها. رجال طويل، لابس فانيلا بيضاء وبنطلون قماش حق شغل الميناء. عرقه نازل على جبينه، بس عيونه... عيونه ما فيها لعب ولا كذب. فيها حنية توجع.
قال لها بصوت هادي: "خدي بالك يا بنت الأصول، الشارع ما يرحم".
وطى معها وجمع لها كل شي، حتى مصاصة قديمة كانت ملفوفة بمنديل. ما قال كلام حب، ولا سألها مالك. بس عطاها أغراضها وابتسم نص ابتسامة ومشى.
هي وقفت مكانها، ماسكة دفترها، وقلبها يدق لأول مرة من سنين... بس هذي الدقة ما كانت وجع. كانت سؤال: "من هذا؟"
ومن يومها، وهو يصير يعدي من قدام بيتهم كل عصر. ما يوقف، ما يتكلم. بس لو شافها شايلة شي ثقيل، ياخذه منها من غير كلمة، يوصله لين باب البيت، ويقول "سلامتك" ويمشي.
وهي من الشباك، تتفرج عليه وهو يمشي. ظهره عريض، ومشيته فيها شقى رجال يشيل الدنيا على كتوفه.
في الليل، تفتح دفترها وتكتب: "اليوم شفته مرة ثانية... ما قال أحبك، بس شال عني الثقل. يمكن الصدق ما يحتاج كلام".
وقفلت الدفتر، ونامت... وأول مرة من شهور، نومها ما كان مقطع بدموع.
*يتبع...*