جنون الحب ج2. 19
كان زاهر ينظر بإبتسامة لصديقه الذي كان يتمسك بالبطانية كطفل صغير يتمسك بقطعة حلوى ،
لم يعتقد أنه سيرى هذا اليوم ، بنفس الوقت
قلق عليه من ما يحمل من أخبار ، فقرر أن يتكتم
على الجزء الذي يتعلق بحياة ، فهو لايريد
إفساد ما يراه الآن بعيني صديقه ،إتصل على نرجس التي أحضرت له بطانية أخرى وضعتها بالمطبخ ومن ثم ذهب زاهر لأخذها من هناك ، تلحف وجلس صامتا هناك يصنع شبح إبتسامة ، كيف سيخبره بأنه وجد حياة ، ويفسد هذه اللحظة كلها .
تكلم عبدالله بعد أن طال الصمت :" زعلان مني .....؟"
:" لأ ....أبد بالعكس " :" زين ...ليش ساكت قول بوش تبي تكلمني " فكر قليلا ثم قال :" هاه ..... آ ه ..إيه ...أبي ....أبي.." كان عبدالله مركزا معه وهو يلاحظ توتره :" ياخي قول... إش تبي "
:" أنا ....خلص أبيها " بدهشة :" اللي هي ؟!!"
:" البنت حقت هذاك اليوم ". وإبتسم حتى بدت أسنانه الأخيرة ،بينما عبدالله بقي مركزا لثوان ثم بدا وكأنه فهم الموضوع ، وعن ماذا يتحدث صديقه
:" آآآ يوم دخلت المطبخ وأنت هربان زي الدجاجة ؟!! "
تغير وجه زاهر إلى الإشمئزاز وتظاهر أنه سيلكم عبدالله الذي كانت البطانية تلفه كالرضيع
:" لأ ...خلص وأنا أخوك مو قادر أتحرك "
فأنزل زاهر يده وهو يقول بدون نفس
:" عمى بعينك جالك القرف إنت واللي كلمك جد
ماتستحي "
:" أجل علشان كذا متعصب طول اليوم ....لأنك عشقان هاه "
:" لأ ...ماراح أكلمك ولا راح أجلس معاك أنا ماشي "
وهم بالنهوض ولكن عبدالله أمسكه وهو يقول
:" ياخي وش فيك إنت ...إجلس مكانك وبلا عبط "
:" أجل لا عاد تستهبل علي كل شوية "
إبتسم وقال :" طيب .....كمل "
تنهد الآخر بشغف وقال :" وش أكمل.....وش أخلي ...والله أني من يوم شفتها كأني شفت اللي أدور عليه من قبل ما أنخلق بها الدنيا
ما أدري أنا كل اللي شفتها دقايق بس.......
شفتها وأول مرّة العين تشوف
شيٍّ ما شافته عيوني قبلها
يوم أقبلت أشرقت شموس الظروف
وانكشف نور الفرح من ظلّها
أنورت دنياي عقب ما هي كسوف
وازدهت روحي مع أوّل طِلّها
كنّها الدنيا إذا جاتي تروف
وإن غدت عنّي فلا معنى لها"
وبقي يحدق بالفراغ وهو يبتسم ببلاهة
وعندما طال صمت عبدالله نظر إليه فوجده مصدوم
سأله بحيرة :" عبدالله ....فيك شي "
:" إنت وش قاعد تقول مايصير كذا "
:" ليش....وش قلت أنا ؟"
:" ياخي مدري وش أقول لك ....أنا.... فكرتك بس تبي تخطبها بس طلعت طبسان فيها ! "
:" إيه ...وين المشكلة يعني ؟! مايصير نحب احنا بعد"
:" مايصير تحب وحدة مكتوب كتابها ....يخوي لبنت مكتوب كتابها على ولد عمها "
ذهل زاهر وهو يسمع الخبر ، بقي يبتلع ريقه وينظر إلى عبد الله بحزن وقنوط لما يقارب دقيقة كاملة ،
لكنه إنتبها إلى عبدالله الذي يحاول أن يكتم ضحكة
ففهم أخيرا أنه يمزح ، نظر إلى عينيه وهو يضيقهما أمامها ، فلم يحتمل عبدالله وإنفجر ضاحكا ،
:" ههههها ههها ههههههه "
:" عمى بعينك ماتستحي ...والله ما تستحي ...ياخي تستهبل أنت " وكان يوجه لكمات خفيفة لعبدالله الذي إنقطع نفسه من القهقهة
:" خلص أنا رايح "
نهض عبدالله حاول أن يمسكه وهو يقبل رأسه
:" والله ما عيدها ...خلص خلص ....هههه والله ماقدرت أمسك نفسي وش أسوي "
:" جد أنك غبي ...قطعت قلبي بغيت أموت "
:" إيييش؟ لدرجة هاذي !!....طيب إجلس ...ونكمل كلامنا "
:" مابي ...نسدت نفسي "
:" على الزواج؟ .....غريبة !...إيش رايك أقلك أنه أنا أصلا قلبي كان حاسس ... وكنت عارف إنها مسألة وقت وتجي تقولي كل اللي قلته "
:" يعني ...؟! "
:" يعني ألف ألف مبروك أنا من بكرى إذا الله راد أكلم لك صهري عنها وأطلبها لك رسمي "
عندها فرد وجهه وهو يبتسم :" من جد ؟"
:" إيه والله إني أتكلم جد ...كم زاهر عندنا احنا ؟!"
قبل زاهر رأسه بحماسة وكأنه قلب فجأة ، بقي عبدالله محتارا ،لما يمكن للإنسان أن يحمله بقلبه لإنسان آخر، وكم يمكن لإنسانا أن يسعد لأجل أن يقحم إنسانا آخر بحياته،ومع أنه عاش هذه المشاعر مع حياة إلا أنه صار يرى أنها مجرد خدعة ، لكنه فرح لفرح صاحبه ، وأكملا أمسيتهما الجميلة بالكثير من المزاح والسخرية والذي صار جزء جديد آخر يظهر عند عبدالله .
تناولا العشاء وغادر زاهر البيت تاركا نرجس وعبدالله وحيدين ، بعد أن ودع زاهر صعد إلى غرفتهما ،وجدها جالسة على السرير تتابع شيئا ما عبر الهاتف ، والأسوا انها تأكل بذورا ، صحن به بذور وصحن لتضع به القشر ، مسح وجهه بملل وكأنه يقول " أينما ذهبت يتبعني الفصفص "
أما هي فإبتسمت له بود أغلق الباب وإقترب منها ،
:" وش قاعدة تسوين .....؟"
:" ولا شي ...أتفرج مسلسل أمريكي جننتني أختي عليه ...كل شوية تقول إتفرجيه.... إتفرجيه "
تصطح أمامها على جنبه وقال :" طيب عن وش تتكلم قصته " هزت كتفيها :" مدري يمكن حرب العصابات ...أوشي زي كذا "
:" طيب وأختك ليش تبيك تتفرجين على حرب العصابات ؟! "
أجابت بعفوية
:" ما أعتقد هي تتفرجه عشان القصة ...هي تتفرجه علشان البطل أشقر وعيونه زرق "
توقف عن الكلام والحركة وبقي يركز معها ، واضح أنها مجنونة ، عن ماذا تتحدث أشقر وعيونه زرقاء ؟!
وعلى حين غرة منها أخذ الهاتف وأوقف المسلسل
إستغربت من فعلته وقالت
:" وش فيك!!؟ ليش طفيته؟!! "
:" مايصير تتفرجين شغلات زي كذا "
نهضت إليه وهي تحاول أن تأخذ الهاتف منه ،
:" بس ليش؟ ....أبغى أفهم! ...رجعلي تليفوني "
:" لأ ماله داعي ....تفهمين ؟أنا قلت لأ! ماشي !؟"
كان يرفع الهاتف بطولي ذراعه بعيدا عنها ولطوله الفاره لم تستطع حتى أن تصل إلى نصف المسافة التي تصلها بالهاتف ، ضربت الأرض برجلها وهي
تثني يداها على صدرها ،
فهم أنها إستسلمت فأنزل ذراعيه وقال
:" لاعاد تتفرجين على كذا أشكال "
بقية صامتة ، رأى أنها غاضبة لما فعله فحاول أن يراضيها ،
:" طيب وش رايك نلعب بلايستيشن؟!"
ظلت واقفة تلوي فمها وهي تبدو غاضبة ثم قالت
:" أبغى أكمل المسلسل حق توماس شيلبي "
:" منو؟!!! " بصرخة
:" توماس شيلبي ...."
فقال وهو يحاول أن يكبح غضبه الذي كان بدون سبب واضح
:" لأ ....أنا قلت لا تتفرجين على أشكال زي كذا "
غضبت منه أكثر وقالت وهي تتجه للسرير
:" طيب ؟"
تصطحت وتغطت ، رأى تصاعد غضبها فقال
:" زين ليش ما نلعب بلايستيشن زي ما قلت؟ "
أجابته وهي تغطي رأسها بالبطانية
:" البلايستيشن صارت حقتي ومو مسموحلك تلعب بيها " تفاجأ وتوسعت عيناه
:" آفااا، ليه ؟!!"
رفعت الغطاء عن رأسها وهي تقول" كذا "
وصدمت وقد رأته صار بوجهها مباشرة يجلس القرفساء ليصل إلى مستواها وقال بصوت منخفظ جد خافت
:" أنا ما قلت لاتصيرين بخيلة ؟! "
إحمر وجهها إلى أن صارت تتوهج من الخجل ، لم يكن يتحدث عن اللعبة ،توترت وحاول أن يخفف توترها وأن يتقرب منها أكثر
أمسك يدها وقبلها ،إقترب من وجهها فصرخت صرخة صغيرة وهي تغطي وجهها
توقف وقال بملل
:" وش فيك ؟!! ......يابنت الحلال ترا الموضوع مررة تأخر مايصير !"
جلست وهي خجلة وتجمع رجليها معا وتضم ساقيها لصدرها ،
:" بس أنا ...... أنا بالد..ورة "
قال وهو شبه يصرخ
:" ثاني ؟!!......لأ مو معقولة ؟" للأسف هذه المرة كان الأمر صحيح ولم تكن تكذب هزت رأسها وهي تشعر بخجل شديد ، لاحظ توترها فلم يشأ أن يظغط عليها أكثر
تنهد ": طيب ماعليه ...نامي إنتي وأنا شوي وراجع "
تركها على السرير وذهب إلى الحمام ،أخذ حمام دافىء مع بعض البرودة لكي يهدأ ، ثم عاد إليها .
وجدها نائمة بهدوء ، نظر إليها وهو يدخل السرير
ما الذي تخفيه هذه الفتاة عنه ، مع أنها واضح أنها
تحبه لكن تصرفاتها كلها غريبة .
بقي يحدق فيها لفترة ثم نام هو الآخر
في الصباح
جلسا معا على طاولة الفطور وهاهي زلفى تعود بعد أجازتها التي أخذتها بالأمس ،
كانت نرجس هادئة جدا هذا الصباح وهذا لأنها تشتاق إلى أبويها وأخوتها ، كانت شاردة تكاد تلعب بطعامها بدل الأكل ،
طبعا هذا لم يخفى على عبدالله لكنه فضل السكوت ،
خرج إلى عمله وترك زلفى ونرجس بالبيت ،
صعدت نرجس إلى غرفتها وهي تحبس دموعها بصعوبة ،
أخذت هاتفها وإتصلت على أهلها ، حدثت أمها وكلا أختاها وهي بالكاد تقوى على الكلام ،
غيرت ملابسها وإرتدت البجامة التي أهدتها لها أختها بمناسبة زواجها ، على البيجامة التي تحمل صورة
توماس شيلبي ، نزلت لتجهز الغداء وهي تشعر ببعض التحسن .
أما هو فذهب لزيارة بيت أخته ليتحدث إلى زوجها بشأن خطبة زاهر لوتين ،
إتصل عليه أولا ،ثم ذهب إليه ، عندما وصل وجد أبو رائد بالمجلس وهو يستقبله بحرارة ، دخل عبدالله وبدأ يقبل بنات أخته ، وهم يبادلونه الأحضان والقبل
:" هلا هلا ومرحب بأبو عبيد ....عساك بخير "
:" ياهلا فيك.... أخبارك يابو رائد"
:" بخير وسلامة الحمدالله ...بشوفتكم أحسن"
لاحظ عبدالله أن كل أطفال هبة يجلسون مع ابوهم بالمجلس
:" هبة وين ؟!"
فهم الآخر سبب السؤال فأجابه بطمأنة :"بالبيت ... بالبيت بس شوي تعبانة ...يمكن آخذت برد يوم زرناكم "
": طيب وبشرى ومرام ؟"
:" بشرى وراها إمتحنات قاعدة تذاكر ليل نهار ، ومرام تهتم بأمها يعني ...تقرب لها موي... شاي دواء ...زي كذا ...."
هز رأسه عبدالله متفهما ، وهو يقول
:" زين ...أنا أبي أكلمك بموضوع مهم إذا عندك وقت"
:"عندي تفضل قول وش السالفه"
:" هذا زاهر .... يبي يخطب، يعني عارف زاهر رجال ما يعيبه شي ، وهو يريد يخطب أختكم الله يستر عليها ويبقيها على سنة الله ورسوله ، فوش رايك أنت يا أبو رايد ؟!" إبتسم الآخر وقال بحبور
:" أنا زاهر ما يخفى علي ، أعرفه مثلكم ومثل أخواني والله إنه رجال ينشد فيه الظهر ، مافي منه "
سكت قليلا ثم أضاف
:" لزوم نشاور البنت وإن الله رادها له بياخذها ، وإن ماراد .....نقول نصيب ، ولا وش رايك يا أبو عبيد "
:" كلامك مافيه غلط يابو رايد ،الله يقدم اللي فيه الخير للإثنين ، إذا ما في مانع ممكن أشق على هبة قبل ما أمشي ؟"
:" لا أبد ما في مانع ، تفضل ..."
دخل إلى البيت وكان يحمل سجدة بيديه ، إستقبلته مرام وأخذته إلى غرفة أمها ،كانت هبة تنام على سريرها إستدارت فور سماعها للباب يفتح ، وضعت منديلا على فمها وأنفها عندما رأت أخوها
:" عبدالله .....هلا بأخوي الغالي ..ليش جاي على هنا
أخاف أعديك "
نظر إلى مرام وقال ممازحا
:" أمك بتطردني ....هذا مو بيتها هذا بيت أبو رائد "
ضحكت وكحت وهي بالكاد تستطيع الجلوس
:" والله ما أقصد .....بس خايفة عليك تنعدى "
عندما أراد أن يقترب أكثر أعطى سجدة لمرام وطلب منها المغادرة ،إقترب من أخته وهو يقول
:"وش تقولين ياهبة ....هذا الكلام ما يصير قومي آخذك على دكتور "
:" لا والله ماله داعي ...أبو رائد أخذني ...وأنا أخذت الدوا يمكن إذا نمت شوي أرتاح ..بس إذا تعبتك ودي البنات ورائد بطريقك عند أمي ، مرام وبشرى مايقدرون عليهم ترا حتى هما بعدهم صغار "
هز رأسه وقال
:" زين ....نامي دحين ....ولاتشيلين هم البنات "
قبل رأسها وودعها ثم خرج ، أمر مرام وبشرى بتجهيز وسن وسجدة وإصطحبهن و رائد معه .