يوم تحت شجرة الزيتون 8
استيقظ أرفيوس مع أول خيط من ضوء الفجر.
كانت السماء لا تزال تميل إلى الزرقة الباهتة، بينما كانت القرية تستيقظ ببطء على أصوات الديكة وروائح الخبز الطازج المتصاعدة من المداخن الحجرية.
جلس فورًا فوق سريره.
أول ما فعله كان النظر أسفل السرير.
الليرة ما زالت هناك.
ابتسم.
ثم أخرجها بحذر شديد ومسح بأصابعه سطحها الذهبي اللامع.
في كل مرة كان يراها، يشعر بأنها أجمل من المرة السابقة.
كأنها لا تسمح لأحد أن يعتاد عليها.
---
عندما نزل إلى الطابق السفلي، كانت والدته إيلارا تضع أرغفة الخبز الساخنة فوق الطاولة.
أما ليون فكان يشرب قهوته بهدوء قرب النافذة.
— صباح الخير.
قال أرفيوس بحماس واضح.
ابتسم ليون فورًا.
— يبدو أن أحدهم لم ينم الليلة.
— نمت.
— ساعتين فقط على الأغلب.
احمر وجه أرفيوس.
فضحكت إيلارا.
— دعه يا ليون، كنت مثله عندما صنعت أول مقلاع في حياتك.
رفع ليون حاجبه.
— كان اختراعًا عظيمًا.
— حطمت به نافذة جارتنا.
— تفاصيل تافهة و غير مهمة دعنا منها
---
بعد الإفطار بقليل، خرجوا إلى المساحة الواسعة قرب المنزل.
كانت هناك شجرة زيتون ضخمة عمرها مئات السنين، اعتاد أطفال القرية الاجتماع تحتها.
وما إن جلس أرفيوس مع والده حتى ظهر أندرياس راكضًا من بعيد.
— أيها الموسيقي العظيم!
ثم توقف فجأة وهو يلهث.
— هل بدأت بدوني؟
— لم نبدأ بعد.
— ممتاز.
جلس فورًا فوق العشب.
— كنت أخشى أن أصبح متأخرًا.
— أنت متأخر أصلًا.
قال ليون.
— هذا تأخر فني.
---
لم تمضِ دقائق حتى ظهرت فتاة ترتدي فستانًا أزرق فاتحًا وتحمل سلة صغيرة.
كانت مريم.
شعرها الأسود الطويل يتمايل خلفها وهي تمشي بخطوات هادئة.
كانت لطيفة الملامح، ذات عينين واسعتين تلمعان دائمًا بالفضول.
لوحت بيدها.
— صباح الخير.
— صباح الخير.
أجاب الجميع.
جلست قرب أرفيوس مباشرة.
لاحظ أندرياس ذلك فورًا.
فهمس:
— كالعادة.
رمقته مريم بنظرة حادة.
— ماذا؟
— لا شيء.
— جيد.
---
بعدها بقليل ظهر إلياس.
كان يحمل كتابًا سميكًا تحت ذراعه.
كعادته.
دائمًا يحمل كتابًا.
حتى أن أندرياس كان يزعم أن إلياس ينام فوق الكتب بدل الوسائد.
جلس إلياس بهدوء.
ثم نظر إلى الليرة.
— هل يمكنني رؤيتها؟
ناولها له أرفيوس.
أخذها بحذر.
ثم قال بعد تأمل طويل:
— هذه الصناعة ليست عادية.
— الجميع يقول ذلك.
قال أرفيوس.
— لأن الجميع محق.
أجاب إلياس ببساطة.
---
وفجأة...
وصل صوت حوافر حصان.
فالتفت الجميع.
وكانوا يعرفون مسبقًا من تكون.
ظهرت أوريليا فوق فرسها الرمادي.
وكأنها خرجت من إحدى الحكايات القديمة.
قفزت من السرج بخفة.
هبطت على الأرض.
ثم نزعت قفازها الجلدي.
كانت جميلة بطريقة يصعب وصفها.
شعرها البني بلون الشوكولاتة الداكنة يلمع تحت الشمس.
وعيناها العسليتان تحملان ذلك البريق المليء بالحياة والتحدي.
لكن أكثر ما كان يميزها...
هو حضورها.
كانت تدخل أي مكان وكأنها تملكه.
ليس غرورًا.
بل ثقة.
---
— تأخرتِ.
قال إلياس.
— لا.
قالت أوريليا.
— الشمس هي التي أشرقت مبكرًا.
ضحك إلياس.
بينما هز أندرياس رأسه بإعجاب.
— حتى أعذارها جميلة.
---
جلست أوريليا قرب إلياس.
وبدأ الاثنان يتحدثان فورًا عن كتاب كانا قد قرآه.
راقبهما أندرياس بحزن مصطنع.
— انظروا إليهما.
يتحدثان عن الفلسفة.
وأنا لا أجد حتى فلسفة تشرح لماذا ترفضني الحياة.
— الحياة لم ترفضك.
قالت أوريليا.
— بل تحاول إصلاحك.
فضحك الجميع.
---
كان واضحًا أن أوريليا وإلياس صديقان مقربان جدًا.
يتناقشان في كل شيء.
في الأساطير.
وفي النجوم.
وفي الكتب.
وفي أفكار غريبة لا يفهمها أحد سواهما أحيانًا.
---
أما مريم...
فكانت تراقب الأمر كله.
وعندما انتقلت أوريليا للجلوس قرب أرفيوس لتشاهد الليرة عن قرب...
تغيرت ملامحها قليلًا.
ليس غضبًا.
ولا حقدًا.
مجرد غيرة صغيرة تحاول إخفاءها.
فسألت فجأة:
— أرفيوس، هل ستعزف اليوم أم ستقضي اليوم كله تنظر إلى الليرة؟
التفت الجميع إليها.
واحمر وجه أرفيوس.
أما أوريليا فابتسمت بخبث واضح.
كانت قد فهمت كل شيء.
لكنها لم تقل شيئًا.
---
بدأ التدريب أخيرًا.
صحح ليون جلوس أرفيوس.
ثم وضع يديه بالشكل الصحيح.
ثم علمه كيف يخرج النغمة الأولى.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وكان الأصدقاء يتابعون باهتمام.
رفع أرفيوس الليرة مجددًا.
أخذ نفسًا عميقًا.
ثم مرر أصابعه فوق الأوتار.
خرجت النغمة الأولى جميلة.
أما الثانية...
فخرجت حادة ومزعجة لدرجة جعلت عصفورًا يطير من الشجرة المجاورة.
وضع أندرياس يده فوق قلبه فورًا.
— أوه.
رفع أرفيوس حاجبه.
— ماذا؟
— أعتقد أن تلك النغمة قتلت شيئًا في داخلي.
انفجرت أوريليا ضاحكة.
بينما قال إلياس:
— لا تبالغ.
ثم فكر لحظة.
— رغم أنها كانت مؤلمة فعلًا.
— خونة.
تمتم أرفيوس.
ضحكت مريم.
— كانت أفضل من المحاولة السابقة على الأقل.
— المحاولة السابقة كانت جيدة!
احتج أرفيوس.
هز أندرياس رأسه.
— لا يا صديقي.
المحاولة السابقة جعلتني أتذكر كل أخطائي منذ ولادتي.
— لم أكن أعلم أن الموسيقى تستطيع فعل ذلك.
قالت أوريليا.
— هذه موهبة نادرة.
رمقهم أرفيوس بنظرة يائسة.
أما ليون فابتسم بهدوء.
— تجاهلهم.
كل عازف عظيم مر بهذه المرحلة.
— هل مررت بها أنت أيضًا؟
سأل أرفيوس.
— بالطبع.
— وهل كنت سيئًا؟
— أسوأ منك.
اتسعت عينا الجميع.
— مستحيل!
قالها أندرياس فورًا.
ضحك ليون.
— كنت أعزف لدرجة أن جدتك منعتني من لمس الآلة أسبوعين كاملين.
ضحك الجميع.
حتى أرفيوس نفسه.
ثم عاد إلى الليرة.
حاول مرة أخرى.
هذه المرة خرج اللحن أكثر نعومة.
وأكثر توازنًا.
ساد الصمت للحظة.
ثم أومأت مريم بإعجاب.
— هذه كانت جميلة فعلًا.
وأضاف إلياس:
— سمعت الفرق.
واضح أنك تتعلم بسرعة.
أما أوريليا فابتسمت وهي تعقد ذراعيها.
— أخبرتك.
هناك أشخاص يتعلمون بالساعات.
وهناك أشخاص يولدون وبين أصابعهم موسيقى.
احمر وجه أرفيوس قليلًا.
لكن أندرياس قفز فورًا.
— لحظة! إذا أصبح أرفيوس موسيقيًا مشهورًا، وأنا صديقه المفضل، فهذا يعني أنني سأصبح مشهورًا أيضًا.
— لا.
قال الجميع في الوقت نفسه.
— هذه مؤامرة.
أعلن أندرياس بحزن.
فضحكوا جميعًا، حتى ليون الذي نادرًا ما كان يضحك بهذه القوة.
---
وبعد ساعة كاملة...
خرجت إيلارا من المنزل.
تحمل صينية كبيرة.
فور رؤيتها صاح أندرياس:
— الحلوى!
— بالطبع أنت أول من يلاحظ.
قالت إيلارا.
وضعت الصينية أمامهم.
كانت مليئة بقطع الكعك بالعسل واللوز.
وكؤوس عصير بارد.
اختفى الوقار تمامًا.
وأصبح الجميع يتنافس على أكبر قطعة.
---
حتى أوريليا.
التي كانت تتحدث قبل دقائق عن معنى الشجاعة في الأساطير.
اختطفت آخر قطعة حلوى أمام أعينهم.
— أوريليا!
احتج أندرياس.
— الحرب حرب.
أجابته.
---
وبعد الطعام...
استلقوا جميعًا تحت ظل الشجرة.
يتحدثون عن أحلامهم.
قال إلياس إنه يريد السفر يومًا لرؤية المدن الكبرى.
وقالت مريم إنها تريد أن تصبح رسامة.
أما أوريليا فقالت:
— أريد أن أعرف كل شيء.
ضحكوا.
لكنها أكملت بجدية.
— حقًا.
العالم كبير جدًا.
وفكرة أن أموت قبل أن أفهمه تزعجني.
ساد الصمت للحظة.
ثم قال أرفيوس:
— أظن أن هذا مستحيل.
ابتسمت.
— أعرف.
لكن المحاولة ممتعة.
---
اقتربت القطة السوداء فجأة.
ظهرت من بين الأعشاب.
وجاءت مباشرة نحو أرفيوس.
كأنها تعرفه.
جلست بجواره.
ثم استقرت قرب الليرة.
راقبتها أوريليا باهتمام.
— هذه القطة غريبة.
— رأيتها من قبل.
قال أرفيوس.
— وأنا أيضًا.
قال إلياس.
— تظهر دائمًا في أماكن غير متوقعة.
---
ومع اقتراب المساء...
اضطر الجميع للعودة.
إلا أن أندرياس اختفى فجأة.
ثم سُمع صوت والدته من بعيد.
— أندريااااس!
تجمد.
ثم بدأ يركض.
وهي تركض خلفه وهي تلوح بخفها.
بينما انفجر الجميع ضاحكين.
واختفى الاثنان خلف التلال.
---
رحلت مريم.
ورحل إلياس.
ورحلت أوريليا فوق فرسها.
وبقي أرفيوس وحده.
يحمل ليرته.
وينظر نحو الغابة.
شعر بشيء يجذبه إليها مرة أخرى.
ذلك النداء القديم.
الهادئ.
الغامض.
فنهض.
ومشى بين الأشجار.
حتى وصل إلى الشجرة العتيقة.
جلس عند جذورها.
ثم وضع الليرة فوق ركبتيه.
أغمض عينيه.
وبدأ يعزف.
هذه المرة...
لم يكن يتدرب.
كان يحكي.
يحكي شيئًا لا يعرفه حتى هو.
انطلقت النغمات بين الأشجار.
رقيقة أولًا.
ثم قوية.
ثم ساحرة.
وتدريجيًا...
خرجت الحيوانات من مخابئها.
الأرانب.
الغزلان.
الثعالب.
الطيور.
حتى الفراشات التي كان يفترض أن تكون نائمة.
اجتمعت كلها حوله.
أما الأشجار...
فبدت وكأن أغصانها تميل نحوه.
تنصت.
وفي مكان بعيد داخل ظلال الغابة...
كانت عينان تراقبان.
عينان تعرفان الليرة.
وتعرفان صاحبها الجديد.
لكن أرفيوس...
لم يكن يرى سوى الموسيقى.