الفصل 1
في مملكة درينلاند، حيث كانت الأنهار تتلألأ تحت أشعة الشمس والناس يعيشون في سلامٍ طال أمده، كان قصر آل فانيتاس غارقًا في سعادة من نوعٍ خاص.
جلس الدوق فانيتاس إلى جانب سرير زوجته أثناسيا، يراقبها وهي تضع يدها فوق بطنها المنتفخ في شهرها الثامن.
كانت ابتسامتها هادئة، لكن عينيها كانتا تلمعان بشوقٍ لا يوصف.
قالت وهي تمرر يدها على بطنها:
— أتعلم يا فانيتاس؟ أريد لابنتنا أن تشبهك.
رفع حاجبه مبتسمًا.
— وأنا أريدها أن تشبهك أنتِ.
ضحكت بخفة.
— حقًا؟
— بالطبع. أريدها أن ترث قلبك النقي، وطيبتك التي تجعل الجميع يحبونك دون أن يشعروا.
احمرّ وجه أثناسيا قليلًا.
— أما أنا فأريدها أن تكون قوية وشجاعة مثلك. فتاة لا تخاف من شيء.
اقترب فانيتاس ووضع يده فوق يدها.
— لا يهم من ستشبه في النهاية... ستكون أعظم هدية حصلنا عليها.
أشرقت عيناها بالسعادة.
— لقد اخترت اسمًا لها.
— حقًا؟ ما هو؟
— بيول.
كرر الاسم بهدوء.
— بيول...
— معناه "النجمة الساطعة". لأنها ستكون نجمة هذا القصر.
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم ابتسم.
— اسم جميل.
انحنى نحو بطنها وهمس:
— هل تسمعيننا يا صغيرتي؟ أنا وأمك ننتظرك بفارغ الصبر.
ارتسمت على وجه أثناسيا ابتسامة دافئة وهي تراقبه.
في تلك اللحظة، بدا المستقبل مشرقًا إلى حدٍ يجعل استحالة فقدانه أمرًا لا يمكن تخيله.
---
لكن القدر لا يهتم بأحلام البشر.
وفي يوم الولادة، غرق القصر بأكمله في توتر خانق.
كان الخدم يركضون في الممرات، والأطباء يدخلون ويخرجون من غرفة الدوقة.
أما فانيتاس فكان يقف أمام الباب المغلق، عاجزًا عن فعل شيء سوى الانتظار.
مرت الساعات ببطء مؤلم.
ثم...
اخترق صمت القصر صوت بكاء طفلة حديثة الولادة.
اتسعت عينا الدوق.
ابنته.
لقد وُلدت.
لكن بدل أن تُفتح الأبواب مباشرة، خرجت الطبيبة أولًا.
كان وجهها شاحبًا.
وحين رأت الدوق، ارتجفت شفتاها.
— كيف هما؟!
تلعثمت قبل أن تجيب:
— الأميرة بصحة ممتازة... والدوقة ترغب برؤيتك.
شيء ما في صوتها جعل قلبه ينقبض.
دخل الغرفة مسرعًا.
كانت أثناسيا مستلقية على السرير، شاحبة أكثر مما ينبغي.
بين ذراعيها كانت طفلة صغيرة ذات شعر وردي ناعم وعينين ذهبيتين تشعان بالحياة.
ابتسمت له فور رؤيته.
— انظر... أليست جميلة؟
اقترب منها ببطء.
كانت جميلة حقًا.
صغيرة للغاية.
هشة للغاية.
ومع ذلك بدت كأنها تحمل العالم كله بين جفنيها الصغيرين.
جلس قرب زوجته وأمسك يدها.
فتفاجأ ببرودتها.
— أثناسيا... هل أنتِ بخير؟
ساد الصمت.
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.
— فانيتاس... هناك شيء يجب أن أخبرك به.
شعر بالخوف قبل أن تنطق بالكلمات.
— لن أعيش طويلًا.
تجمد العالم.
توقف الزمن.
حتى أنفاسه اختفت للحظة.
— ماذا...؟
— جسدي لم يعد قادرًا على الاحتمال.
— لا...
— فانيتاس...
— لا!
نهض من مكانه فجأة.
— لا تقولي هذا!
بدأت الدموع تتجمع في عينيه.
— ماذا عني؟ ماذا عن بيول؟ ماذا عن حياتنا التي وعدتِني بها؟
ابتسمت رغم الألم.
— ستعيشونها... حتى إن لم أكن معكم.
انهارت مقاومته.
أمسك يدها بقوة وكأنه يحاول منع الموت من أخذها.
— لا أريد حياة لا تكونين فيها...
اختنق صوته.
نظر إلى الطفلة الصغيرة الراقدة قربها.
وفي لحظة ضعفٍ ويأس، خرجت الكلمات التي لم يقصدها:
— ليت هذه الولادة لم تحدث...
ساد الصمت.
ثم هزت أثناسيا رأسها برفق.
— لا تقل ذلك.
نظرت إلى ابنتها بحنانٍ لا يوصف.
— بيول هي أجمل شيء حدث لي.
ثم أمسكت يد زوجها بيد، ويد طفلتها بالأخرى.
وقالت بصوت بدأ يضعف:
— عدني...
انحدرت دموعه بلا توقف.
— أعدك بأي شيء.
— اعتنِ بها...
توقف نفسها للحظة.
— أحبها من أجلي أيضًا...
أومأ باختناق.
— أعدك.
ارتسمت ابتسامة أخيرة على شفتيها.
ابتسامة أمٍ مطمئنة على ابنتها.
ثم...
سقطت يدها.
وخمد الضوء في عينيها إلى الأبد.
بقي فانيتاس يحدق بها.
غير قادر على استيعاب ما حدث.
كانت هناك قبل لحظة.
تبتسم.
تتحدث.
تحلم.
والآن...
لم يبقَ سوى الصمت.
---
مرّت أسابيع قليلة.
وأُعلنت حالة الحداد في جميع أنحاء المملكة.
لكن الحزن الذي سكن قلب فانيتاس لم يكن طبيعيًا.
لقد تحول إلى شيءٍ أشد ظلمة.
شيء يشبه الكراهية.
وفي صباحٍ بارد، صدر أمرٌ صدم المملكة بأكملها.
أُرسلت الأميرة بيول، الوريثة الوحيدة لعائلة فانيتاس، إلى قصرٍ معزول في أعماق الغابة.
قصر بعيد عن البشر.
بعيد عن الدفء.
بعيد عن الحب.
كانت لا تزال رضيعة لم تكمل شهرها الثاني.
ورغم ذلك لم يتراجع الدوق عن قراره.
كلما نظر إلى عينيها الذهبيتين...
تذكر اللحظة التي فقد فيها أثناسيا.
وكلما سمع بكاءها...
سمع صدى صرخاته يوم رحيل زوجته.
وهكذا، نسي الوعد الذي أقسم عليه أمام المرأة التي أحبها أكثر من حياته.
وترك ابنته وحيدة.
طفلة حُرمت من حنان أمها قبل أن تعرف معنى كلمة "أم".
وحُرمت من حب والدها قبل أن تنطق بكلمة "أبي".
أما بيول...
فلم تكن تعلم أن حياتها المليئة بالوحدة قد بدأت للتو.