متاهة الضمير - البياض - بقلم Nouhaila - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: متاهة الضمير
المؤلف / الكاتب: Nouhaila
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: البياض

البياض

البياض هو أول ما رأته. ليس بياض الثلج النقي، ولا بياض القطن الناعم. كان بياضاً قاسياً، بارداً، مثل ضوء مصباح الفلورسنت في غرفة التحقيق. بياض السقف، بياض الملاءات، بياض الضوء الأبيض الذي يصطدم بعينيها فتضطر إلى إغلاقهما مرة أخرى. حاولت أن تفتحهما ببطء. البياض ما زال هناك. لكن شيئاً آخر ظهر: رنة متصلة، رتيبة، قادمة من جهة يسارها. صوتها يخترق رأسها كإبرة. حاولت أن تتحرك. لم تستطع. جسدها ثقيل كأنه محشو بالرصاص. نظرت إلى يدها اليسرى: إبرة شفافة تخترق وريداً أزرق رفيعاً. التفتت إلى اليمين: سوار بلاستيكي أبيض يحيط بمعصمها، مكتوب عليه بخط صغير: "المريضة رقم 7 – مجهولة الهوية" مجهولة الهوية. حاولت أن تتذكر اسمها. ضغطت على جفنيها كأنها تحاول استدعاء صورة. لا شيء. فقط الظلام. فقط ذلك الفراغ المخيف حيث يفترض أن تكون الذاكرة. أغمضت عينيها مجدداً. حين تعيد فتحهما، كان هناك وجه أمامها. امرأة في الأربعين، ترتدي معطفاً أبيض، تحمل لوحاً كتابياً بيدها وسماعة طبية تتدلى من عنقها. – استيقظتِ أخيراً. صوتها مهني، جاف، كأنها تعلن نتيجة فحص مخبري. حاولت أن تنطق. لم يخرج من حنجرتها إلا همسة خائفة: – أين... أنا؟ – في مستشفى السلام. تعرضتِ لحادث سير قبل عشرة أيام. كنتِ في غيبوبة. عشرة أيام. كأنها سقطت من العالم عشرة أيام كاملة. هل افتقدها أحد؟ هل بحث عنها أحد؟ – ما اسمي؟ الطبيبة نظرت إليها بدهشة خفيفة. ربما تساءلت: هل هذه لعبة؟ هل هي ممثلة؟ ثم قالت بصوت أكثر نعومة قليلاً: – هذا ما نحاول معرفته أيضاً. لم نعثر على هويتكِ. لا محفظة، لا هاتف، لا وثائق. السيارة التي كنتِ تقودينها مستأجرة باسم وهمي. أغمضت عينيها مجدداً. شعرت بشيء غريب. ليس ألماً. بل... خوفاً. لكنه خوف مختلف. خوف يأتي من الداخل، من مكان لا تستطيع تحديده. كأن قلبها يعرف شيئاً لا تخبره به. همست دون أن تشعر: – وماذا عن... ذاكرتي؟ الطبيبة تنهدت بخفة. كتبت شيئاً على لوحها ثم قالت: – سنعمل مع أخصائية نفسية. لكن عليكِ أن تعرفي شيئاً. هذا النوع من الفقدان الانتقائي للذاكرة... أسبابه غالباً ليست جسدية بالكامل. – إذاً... ما هي؟ الطبيبة نظرت إليها بعيون غامضة، ثم قالت: – أحياناً... يمحو العقل نفسه لحماية صاحبه من شيء لا يطاق. تركت الطبيبة العبارة تعلق في الهواء، ثم خرجت. بقيت وحدها. البياض ما زال هناك. البياض القاسي، البارد. رنة الجهاز ما زالت تخترق صدرها. والشعور الغريب ما زال يتمدد داخلها كحبر أسود ينتشر في كأس ماء. نظرت إلى معصمها الأيمن مجدداً: "مجهولة الهوية". – من أنا؟ همست. لكن الغرفة لم تجب. فقط ذلك الصوت البعيد، الخافت، الذي لا تسمعه إلا هي. كأن أحداً يهمس في أعماقها: "لا تسألي... فالإجابة قد تقتلكِ."