الفصل الثالث: القبور والسر القديم
استيقظت سارة مع خيوط الشمس الأولى التي تسللت عبر ستائر غرفتها. كان رأسها مثقلاً، وجسدها يرتجف من شدة الإنهاك النفسي. للوهلة الأولى، ظنت أن ليلتها المرعبة وما رأته في الممر كان مجرد كابوس ثقيل نتج عن حزنها وعزلتها، لكنها ما إن التفتت نحو الباب حتى وجدته مفتوحاً على مصراعيه، وآثار الصقيع لا تزال واضحة على المقبض الحديدي. الرعب كان حقيقياً، ولم يكن مجرد خيال.
لم تكن سارة تملك مكاناً آخر تلجأ إليه في هذه الدنيا؛ فخسارتها المفجعة لعائلتها جعلتها بلا مأوى سوى هذا القصر الكبير المعزول. وتدريجياً، تملّكها مزيج غريب من الخوف والفضول، وقررت ألا تستسلم أو تهرب كالمذعورة. إذا كان هذا البيت يحمل سراً يريد طردها، فعليها أن تكتشفه بنفسها وتحت ضوء النهار.
نزلت سارة إلى الطابق الأرضي، وتوجهت نحو المكتبة العائلية القديمة. كانت غرفة واسعة غارقة في الغبار ورائحة الورق العتيق، لم تطأها قدم منذ عقود طويلة. بدأت تفتش في الأدراج المغلقة، وتقلب الصناديق الخشبية المتروكة في الزوايا، باحثة عن أي دليل أو قصاصة ورق تشرح تاريخ هذا المكان ومن سكنه من أجدادها.
وبينما كانت تسحب كتاباً ضخماً مجلداً بالجلد من أعلى رف، سقط من خلفه ألبوم صور عائلي قديم، مغطى بخيوط العنكبوت. التقطته سارة ونفضت عنه الغبار، ثم بدأت تصفحه ببطء. كانت الصور تعود لأزمنة قديمة؛ وجوه صارمة وأزياء منسية. لكن عند الصفحة الأخيرة، لاحظت وجود جيب سري مخفي خلف التجليد الكرتوني.
أدخلت أصابعها المرتجفة وسحبت ورقة مطوية بعناية، وقد تحول لونها إلى الأصفر الداكن بفعل الزمن. فتحت الورقة، لتجد أنها مذكرات شخصية كُتبت بخط يد متوتر، حبره باهت ومكتوب برعب واضح. بدأت تقرأ الكلمات المكتوبة بصعوبة:
"لقد حبسوها بالأسفل.. أسمع بكاءها كل ليلة خلف جدران القبو. يتظاهر الجميع بأنها لم تكن موجودة أبداً، مسحوا اسمها من السجلات ومن ذاكرة العائلة، لكن روحها لن ترحل قبل أن تنتقم. إنها تطالب بحقها، ولن تترك هذا البيت يهنأ بالسلام..."
اتسعت عينا سارة من الصدمة، وهبطت نظراتها المذعورة إلى أسفل الصفحة حيث وُقّع النص برعب واضح، وبجانبه كُتب الاسم بلغة إنجليزية واضحة وبخط عريض ومحفور في الورق: "Michael" (مايكل)
تراجعت سارة خطوة إلى الوراء، والورقة ترتجف بين أصابعها. مايكل؟ الاسم مكتوب لرجل أو فتى، بينما الطيف الذي رأته في عتمة الليل كان يشبه امرأة بشعر طويل! هل أخطأت في تقدير ما رأته؟ أم أن هذا المنزل يخفي أسراراً وضحايا آخرين لا تعلم عنهم شيئاً