وجه الحقيقة
الصوت جاء من الظلام… هادي، ثابت، وكأنه يعرف إننا ما بنهرب.
"أخيرًا وصلتي يا غلا."
تجمدت مكاني.
محمد تحرّك خطوة قدامي بسرعة، كأنه يحاول يحط نفسه بيني وبين الصوت.
قلت بصوت منخفض:
"أنت مين؟"
ومن داخل العتمة… بدأ شخص يطلع ببطء.
خطواته كانت ثقيلة، مو مستعجلة.
ولما وصل الضوء الخفيف عند الباب…
شفت وجهه.
رجل أكبر من محمد وأبوي في العمر تقريبًا.
ملامحه هادية بشكل غريب… مو ملامح عدو، لكن ملامح شخص شايل شي ثقيل من سنين.
قال:
"أنا الشخص اللي كلهم حاولوا يخفونه عنك."
محمد قال بسرعة:
"سالم…"
تجمدت.
يعني هذا هو؟
الشخص اللي اسمه كان يلاحقنا طول القصة؟
سالم ناظر محمد ثم ناظرني.
وقال بهدوء:
"أنا ما اختفيت… أنا اندفنت."
سكت لحظة.
ثم أكمل:
"اندفنت مع سر أكبر منكم كلّكم."
خطوة للأمام.
وقال:
"غلا… أنتِ مو مجرد شاهدة على الماضي."
حسّيت قلبي ينقبض.
"أنتِ جزء منه."
نظرت لمحمد بسرعة.
كان وجهه مشدود… كأنه يعرف الجملة مسبقًا.
قلت:
"وش تقصد؟"
سالم رفع يده وأشار للصورة اللي على الجدار.
صورة الطفلة… أنا.
وقال:
"أنتِ مو مجرد بنت من العائلة."
سكت.
ثم قال الجملة اللي كسرت كل التوقعات:
"أنتِ الأمانة اللي كانوا يتكلمون عنها."
تراجعت خطوة.
"وش؟"
محمد قال بصوت منخفض:
"غلا… لا تسمعينه بدون دليل."
لكن سالم رفع ملف قديم كان بيده.
ورماه على الأرض قدامي.
"هذا كل شيء… الحقيقة كاملة."
ركعت وأنا أفتح الملف.
صفحات… توقيعات… صور قديمة…
وأسماء.
اسم أبوي.
واسم محمد.
واسم سالم.
لكن الصفحة الأخيرة…
كانت الأسوأ.
وثيقة مكتوب فيها:
"تسليم وصاية الطفلة غلا بعد حادثة التهديد."
رفعت عيوني ببطء.
وقلت بصوت مكسور:
"وصاية؟"
سالم قال بهدوء:
"اللي صار زمان… مو مجرد خلاف."
اقترب أكثر.
وقال:
"كان محاولة اختطاف… وانتِ كنتِ الهدف."
في نفس اللحظة…
محمد قال بصوت غاضب:
"كفاية!"
لكن سالم كمل:
"وأبوك… خفاك عن كل العالم عشان يحميك."
الصمت ضرب المكان بقوة.
نظرت لمحمد.
كان يناظر الأرض.
مو قادر يرد.
وقتها فهمت…
إن حياتي اللي عشتها… كانت مبنية على سر كامل.
وفجأة…
سالم قال:
"والآن… في أحد رجع يكمل اللي بدأه زمان."
نظرت له بسرعة.
"مين؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال:
"الشخص اللي أرسل لك الرسائل من البداية…"
ثم أضاف:
"مو أنا."
وفجأة…
سمعنا صوت باب ينسكر خلفنا بقوة.