المكان الذي لا يعود منه احد
انطفاء الأنوار ما كان مجرد لحظة عادية.
كان كأنه إعلان إن كل شيء دخل مرحلة أخطر.
سكون ثقيل… وصوت أجهزة المستشفى صار أعلى من أي وقت.
وقفت مكاني وأنا أحاول أميّز أي شي حولي.
محمد كان قريب مني، وصوته طلع هادي لكنه مشدود:
"لا تتحركين."
رجعت الإضاءة تدريجيًا.
بس لما فتحت عيوني، الرجل اللي كان معنا… اختفى.
الكرسي فاضي.
كأنه ما كان موجود من الأساس.
همست:
"وين راح؟"
محمد ما جاوب مباشرة.
كان يناظر الممر، وجهه متغير تمامًا.
قال بصوت منخفض:
"ما اختفى… هو يعرف يختفي."
هنا حسّيت إن الموضوع أكبر من مجرد تهديد أو رسائل.
فيه شخص يتحكم بكل شيء بدون ما يبان.
وصلني إشعار جديد.
نفس الرقم.
بس هالمرة بدون عنوان.
فقط:
"القرار عندك الآن."
رفعت عيوني لمحمد.
كان واضح إنه يحاول يمنع نفسه إنه يقول شي.
بس في النهاية قال:
"إذا رحتِ هناك… ممكن ما تقدرين ترجعين مثل ما كنتِ."
سكت.
وبعدين كمل:
"بس إذا ما رحنا… بنظل نعيش نص الحقيقة للأبد."
قلبي كان بين شيين.
الخوف منه.
والفضول اللي يكسر الخوف.
قلت بصوت ثابت أكثر من نفسي:
"أنا رايحة."
محمد قال بسرعة:
"لحالك؟ مستحيل."
نظرت له.
وقلت:
"إذا هذا المكان فيه كل الإجابات… لازم أفهمها بنفسي أول."
سكت.
طول النظر بيننا كان ثقيل.
ثم قال:
"أنا جاي معك… سواء تبين أو لا."
بعد ساعة
كنا في الطريق للمكان اللي في الرسالة.
المكان كان على أطراف المدينة… طريق طويل، إضاءة قليلة، وصمت مو طبيعي.
كل دقيقة تمر كنت أحس إني أقترب من شيء أكبر من قدرتي.
محمد كان ساكت أغلب الطريق.
لين فجأة قال:
"غلا… إذا شفتِ هناك شيء يربكك، لا تتسرعين بالحكم."
نظرت له:
"أكثر من اللي شفته؟"
سكت.
وهذا السكوت كان الجواب نفسه.
وصلنا.
المكان كان مبنى قديم مهجور.
باب حديد مفتوح شوي كأنه ينتظرنا.
وقفت.
وكل إحساس داخلي قال لي:
"ارجعي."
بس ما رجعت.
دخلنا.
وكان أول شي شفناه…
صورة كبيرة على الجدار.
صورة سالم.
لكن هذه المرة… مو لحاله.
كان معه شخص صغير.
طفلة.
نفس الطفلة اللي شفتها في الصورة القديمة.
محمد وقف فجأة.
وقال بصوت منخفض جدًا:
"هذا المكان ما هو مجرد اختفاء… هذا بداية الحقيقة اللي ما انقالت كاملة."
وفجأة…
سمعنا صوت خطوات من داخل المبنى.
قريبة.
تقترب.
ونفس الصوت المألوف قال من الظلام:
"أخيرًا وصلتي يا غلا."