البيت المظلم - الفصل الأول - بقلم هيفا | روايتك

اسم الرواية: البيت المظلم
المؤلف / الكاتب: هيفا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الأول

الفصل الأول

كل شيء حدث في ثانية واحدة. ثانية واحدة كانت كافية لتهديم حياة سارة بالكامل. كانت الأمطار تهطل بغزارة على الطريق السريع المؤدي إلى المدينة، وصوت مساحات الزجاج يرتفع بإيقاع رتيب. في المقعد الخلفي، كانت سارة ذات السبعة عشر عاماً تضع سماعاتها وتنظر إلى أضواء الشوارع المنعكسة على النافذة، بينما كان والدها يمازح والدتها في المقعد الأمامي. وفجأة، انحرفت شاحنة ضخمة عن مسارها، واختلت عجلة القيادة في يد والدها. صرخة مكتومة من والدتها، صوت مكابح يمزق هدوء الليل، ثم ارتطام مرعب قلب السيارة رأساً على عقب. تتذكر سارة شظايا الزجاج المتطاير التي جرحت وجهها، وصوت تكسر الحديد، قبل أن يغرق كل شيء في ظلام دامس. عندما استيقظت في المستشفى بعد أيام، عرفت الحقيقة القاسية: لقد نجت هي بمفردها، ورحلت عائلتها إلى الأبد. بعد ثلاثة أشهر من الفاجعة، لم تعد سارة تحتمل البقاء في المدينة؛ فكل ركن فيها يذكرها بضحكاتهم التي انطفأت. هرباً من نظرات الشفقة في عيون الأقارب والأصدقاء، حزمت حقيبتها الصغيرة وقررت الانتقال إلى قصر عائلتها القديم والمعزول في أطراف البلدة الريفية، ظناً منها أن الوحدة هناك ستكون أرحم من وجع الذكريات. وقفت سارة أمام البوابة الحديدية الضخمة للقصر. كان المنزل كبيراً جداً، مبنياً من الحجارة الرمادية القديمة، وتحيط به حديقة مهملة أشجارها متشابكة كأصابع عجوز غاضب. تنهدت بعمق، وضغطت على مقبض الباب الخشبي الثقيل ليفتح بصرير حاد تردد صداه في الأنحاء. عندما خطت خطوتها الأولى في الداخل، استقبلتها رائحة الغبار والزمن. الصالة الواسعة كانت غارقة في الظلام، والأثاث الضخم مغطى بأقمشة بيضاء طويلة، بدت في عتمة المساء كأنها أشباح ساكنة تراقب وصولها. صعدت السلم الخشبي إلى الطابق الثاني، واختارت أصغر غرفة لتنام فيها، رغبةً منها في الشعور ببعض الأمان. استلقت على سريرها محاولةً النوم، لكن الصمت في هذا المنزل الكبير كان ثقيلاً ومريباً، لا يكسره سوى صوت دقات قلبها المتسارعة. وفجأة، ومع حلول منتصف الليل، تناهى إلى مسامعها صوت غريب من الممر الطويل خارج غرفتها. لم يكن صوت الرياح، بل كان أشبه بخطوات متباطئة وخفيفة، تسير ببطء شديد وتقترب من بابها المغلق...