لغة الحب ليست كلمات 17
بعد تفكير وتحليل جاد مازال عبدالله لايفهم لما؟ لما كل هذه المقالب ؟ تبدو لطيفة ،خرقاء ، بريئة ، حتى أنه شعر ببعض الود إتجاهها ، ورغم أنه لايعتقد أنها شريرة إلا أنه يرى أنها تستحق الرد ، سيمارس عليها نفس طقوسها،ثم يعرف نواياها بالأخير .
أما هي فبقيت متمسكة بالدفتر وهي تضمه نائمة بهدوء ، إلى أن جاء العصر ، قامت من نومها توضأت وصلت ثم نزلت إلى المطبخ ، كانت تستعد لإعداد العشاء عندما دخل عليها مبتسما ، نظرت إليه وبادلته الإبتسامة فقال :يعطيكم العافية الغدا كان مرررة طيب " ردت بثقة :" ألف صحة وعافية على قلبك " " أبي أعزم خواتي المتزوجات بعد ....ها وكم واحد من خوياني " كانت تستمع وهي تحرك رأسها :" حاضر ...إللي تريده " :" بس يمكن .....ماتقدرين ....." توقفت عن العمل وأخذت تستمع بإنصات :" ما أقدر على وش " :" يعني يمكن ما تقدرين تلحقين على كل المعازيم ....يمديني أطلبلك أكل من المطعم إذا ما تلحقين " نظرت له بسخرية وهي ترفع حاجبا وتنزل الآخر وردت بدون نفس،:" لا إنت إرتاح ... ... بلحق لاتشيل هم ":" طيب ...بالأصل حياة بتساعدك ....طبخها مررة طيب " قالت ببعض الغضب :" حيااا...حياة ؟ إنت من وين تعرف إذا هي تعرف تطبخ ولا لأ ؟" فرد ببرود :" أجل منو اللي قاعد يطبخ لنا بهالفترة " فردت بغضب ومن بين أسنانها :" أنا " فتظاهر بأنه تفاجأ وحك رأسه وقال :" كيف أنت ؟! يعني ..." :" يعني ...؟! " :" يعني إذا كنت تعرفين تطبخين؟.. زين إيش كان عشانا هذاك اليوم ؟" :" أي يوم؟ .. ." وهاهي تتذكره ذلك اليوم الذي أطعمته أسوء وجبة أكلها قط ،تلبكت وتلعثمت وصارت تتجاهل عينيه ، وهو لاحظ توترها لمجرد أن رأى تصاعد الإحمرار على وجهها ، حاولت أن تجد حجة فصارت تتأتأ :" ه..ه..هذاك ...اليوم ...إيه .....مدري كيف أقول لك ...يعني ...هو.هو.هم يقولون ....يقولون إذا الزوجة خلت زوجها ياكل طبخ مررة يقرف وإستحمل وأكله ...يعني ولا عصب ولا ....خانق ...فهذا فال طيب ...معناه راح يحبون بعض طووووول العمر " كان يرسم إبتسامة عريضة على وجهه وهو يرى إجتهادها في إختراع هذه الحجة ، وإنفجر ضاحكا وحاول أن يتظاهر بأنه صدق :" يعني احنا راح نفضل نحب بعضنا طول العمر ؟! " إشتعل وجهها إحمرارا فضحك بصوت عال وأضاف:" هههههههه إنت وحدة مثقفة ...كيف تصدقين كلام زي كذا !؟" فقالت وهي تضحك معه وهي تعتقد أنه صدق :" لأ ...ههه... أنا ما أصدق بس كان عندي فضول بس ....ويعني تدري ....قلت وش نخسر ....نجرب " فقال بنبرة متهكمة" أدري إيه ...قلتي تقدرين تطبخين لهم كلهم!؟ " ردت بثقة :" إيه ..أقدر بعون الله " :" يابنت الحلال خلي حياة تساعدك ..." فقالت بنفي :" لأ مالو داعي ...أقدر أطبخ وحدي " :" طيب خلي عنك أجيب من مطعم أحسن ، خايف أتفشل قدام خوياني " هنا صدمت وشعرت بإهانة وفهمت الأمر أنه إستفزاز مباشر فردت بأعلى صوت :" خايف تتفشل قدام خويانك ؟! ...قصدك أنا أفشلك ....للاا حبيبي روح نام وانت مرتاح ،ترا أنا أقدر أطبخ أكل عرس ..مش بس عزومة ....لأ وراح يكون أطيب أكلوه بحياتهم بعد" كانت عيناها تقدح شررا ، وهذا جعل قلبه يرقص وراحت تزداد وتيرة دقات قلبه ، تبا إكتشف للتو أن رؤيتها غاضبة أفضل بكثير من ما رأه منها حتى الآن ، إبتسم وبشغف يصحبه تحدي وقال :"بنشوف " فردت بغضب :" بتشوف " زادت إبتسامته إتساعا وهو يهم بالمغادرة ولكنه سمعها تقول :" وإذا طلعت غلطان ؟! " حرك رأسه بعدم فهم :" يعني إذا طلعت غلطان (لوت فمها تهكما )وأنا ما فشلتك قدام خويانك ....وش يجيني ؟!" فرد متعجبا :" وإنت وش تبي ؟" كانت متوترة لدرجة أن أنفاسها صارت مسموعة :" البلايستيشن حقتك " لم يستطع منع ضحكته :" إيش ؟!! ....هههههه ماهي قدامك مين ماسكك؟ يمديك تلعبي فيها متى ما بغيتي " تبسمت نصف إبتسامة :" لأ.... إذا أنا ربحت باخذها على طول " :" كيف يعني ؟! " :" يعني بتصير حقي ":" ليش؟! ...إلعبي عليها وخليها مكانها ليش تاخذينها ؟!" :" أنا قلت اللي عندي ...أبيها ...أبيها لي وحدي ...باخذها " نظر لها بتمعن وهو يرى نرجس الصغيرة البريئة تظهر مجددا ، بدت كقطة تحاول التمسك بقطعة لحم بين أنيابها ومخالبها ، هز رأسه موافقا :" طيب ، وإذا صار العكس؟ " إحمر وجهها مجددا :" لا تقلق ما حيصير أبد... لو أموت " وإنطلقت للمطبخ ووقع أقدامها يحكي قصة غضبها العارم،أما هو فإكتفى بالوقوف متفرجا ، كيف جعلت من وجبة عشاء لبعض الضيوف تحديا ،رهانا بين ربح وخسارة، كيف جعلته يضحك وقبل دقائق فقط من رؤيته لها كان غاضبا منها بشدة ، كيف أقحمت نفسها برأسه الذي كان مليئا بقصص حياة ،لايعلم لِمَ كل تصرفٍ منها يجعله يتمسك بها أكثر، ويدفعها أعمق إلى قلبه. لا يعلم إن كان ذلك في صالحه أم لا، لكنه لم يكن مرتاحًا. ليس بعد ما عرفه قبل قليل. فهز رأسه وكأنه يوبخ نفسه: إياك أن تقلل حذرك، عليك أن تبقى متيقظًا حتى تعرف الحقيقة كاملة."
جهزت نرجس العشاء وكانت غاضبة جدا ، حتى أنها كانت ستضيف فلفلا حارا وملحا بطبقه ،لكنها تراجعت بآخر لحظة ، جلسا إلى المائدة وكان يرى مدى غضبها منه من طريقة أكلها وعدم نظرها إليه طوال الوقت ، حاول أن يفتح معها حديثا :" هاه ...إذا تبين شي او ناقصك شي قولي لي دحين علشان الصبح آخذك ونشتري " فردت بتشتت :" لأ مالو داعي إذا أبي شي راح أخلي زلفى تروح تجيبه....." رفعت عيناها له وهي مصدومةلقد سمعها ، فقد كان ينظر في عينيها مباشرة ، كشفت ....لقد كشفت.......
توترت وبدأت تسمع موسيقى الطبول الأفريقية من تعزف من قلبها ،والمفاجأة أنه ضحك وقال بسخرية :" منو هاي زلفى " حاولت تصحيح الخطأ الغبي الذي إرتكبته فقالت :" هههه....ها...ه....هذي شغالة أمي الثانية ....لخبطت ....جيت أقول حياة قلت زلفى " هنا تغير وجهه ومزاجه الذي كان مرحا تحول إلى عكر في لمح البصر ، وليس بسبب الإسم بل بسبب أنها تصر على الكذب ،لما ؟ لما تفعل ذلك ؟ لما تلعب بالطين وهي تعلم أنها ستلطخها ؟
كل الخوف والإضطراب بعينيها والسرعة التي أجابته بها يجعلته يعتقد أنها ماهي إلا مخادعة بارعة ،وهذا جعله أشبه ببوصلة محطمة لاتعرف لأي إتجاه تشير
وقف من على المائدة وهو منفعل وقال :" الحمدالله والشكر أنا شبعت " تركها مندهشة وغادر ببساطة ، أما الغبية فكانت تعتقد أنه غاضب بسبب الإسم وأنه تذكر زوجته السابقة ،وهي بدورها نالها شيئ من الغضب ،لما لم ينهي إرتباطه بها إن كان لهذه الدرجة يحب زوجته الأولى ، لما يكلمها إن
كان لم يعد يرغب بها وقد طلقها ......
الإثنان يتألمان، وكل واحد منهما يعتقد أن الآخر هو المجرم بينما هو ضحية .
إستيقضت مبكرا ربما الساعة السادسة ،توضأة وصلت وذهبت لإعداد الفطور ، بحثت عن الخادمة فلم تجدها ، ظنت أنها نائمة ذهبت لإيقاضها ، لا ليست بغرفتها أيضا ، وهي تبحث مستغربة رأته كان يجلس على كرسي على حافة المسبح مسترخ ويبدو مستمتعا ، ذهبت إليه :" صباح الخير " :" صباح النور"
:" ماشفت الشغالة ؟....أدورها مالها حس " :" طلبت إجازة ...وأنا وافقت " إرتفع صوتها قليلا نتيجة الصدمة :" كيف ؟! ......كيف تمشيها ؟! إنتى ناسي الغدا والعزومة ولا إيش ؟!! " :" لأ مانسيت ....بس إنت قلتي أنا ما أحب أي حد يساعدني، فقلت مالو داعي تفضل هنا اليوم " ضحكت بالرغم من صدمتها :" إنت تطقطق صح ....قول إنك قاعد تمزح"
هز رأسه نافيا وهو مبتسم و أسنانه بارزة كلها بوجهها
:" لأ ...أتكلم جد ترا أنا فكرت إنك كفو مثل ما قلتي"
قالت بصوت منخفظ ولكن واضح به العصبية :" أنا كفو ....بس أحتاجها بشغلات ثانية .... ما ...ما ينفع أسوي شغلتين ثلاثة بنفس الوقت " :" طيب ...إيش هي هاذي الشغلات وأنا أساعدك؟" وقفت مذهولة تماما هذا الشخص يسحبها ببطئ إلى مستشفى المجانين ، إكتفت بالصمت ولكنها تنهدت طويلا ،:" لأ ماله داعي ..... أنا أتصرف " ومشت وتركته يرمقها بنظرات تتفحصها وتقيس نبضها ، هو تعاطف معها ولهذا إقترح مساعدتها ، لم يفهم هو الآخر لما هذه الفتاة تخرج أسوأ ما فيه حتى حياة التي حاولت قتله لم يفعل شيئا للإنتقام منها ، ربما لأنه مجروح من الأخرى يصب جام غضبه على هذه , ربما .
جهزت له طاولة الفطور سريعا جدا ، وتركته يتناول فطوره بمفرده بينما ذهبت إلى المجلس وبدأت ترتبه وتجهزه ، عادت إلى المطبخ وبدأت تضع المكونات أمامها ، وهو يراقب بصمت ، بعد فترة إقترب منها وقال:" تحتاجين مساعدة ؟ " نظرت له بسرعة ثم قالت :" لأ ...مشكور...إنت ارتاح "
هز كتفيه وغادر إتصل على أختاه سارة وهبة وأيضا زاهر وإثنان آخرين من أصدقائه ، تعبت بشكل رهيب وهي تحضر الطعام وتجهز المجالس وتبخرهم، ولكنها إستطاعت أن تكمل كل شيئ بالوقت المناسب .تجهزت سريعا لإستقبال الضيوف لدرجة أنهما لم يلتقيا مع أنهما وحيدين بالبيت ، وصلت سارة وطفلها ، ثم زوجة أحد أصدقائه ومن ثم بدأت هبة والضيفة الأخرى التي كانت أيضا زوجة أحد الأصدقاء ، بدت جميلة رغم بساطة ما ترتديه كان فستانا من خامة الساتان الرمادي ، وذراعيه من الدنتيل الرمادي أيضا ، كعب عال ، وتسريحة مموجة جعلتها تبدو كأنها زارت أحد الصالونات الإحترافية ،رغم أنها تجهزت بالبيت وبسرعة أيضا ، أعجبت بها الحاضرات جدا ، وأما أخوات زوجها فتعاطفن معها ووعدنها أنهن سيأخذن بحقها من أخوهن الذي جعلها تقوم بكل هذا العمل بمفردها . ساعدنها بتجهيز الطاولات ، كانت سارة تجهز طاولة الرجال ونرجس تجهز طاولة النساء ، وهبة بقية مع الضيفتين ، وأثناء تجهيز سارة للطاولة رأت أخوها سلمت عليه بحرارة :" ياهلا والله بالشيخة سارة " :" هلا بأخوي الغالي ...شلونك يا أبو عبيد عساك طيب"
:" طيب الحمد الله ، أخبارك.. وينه ولدك المزيون مشاءالله عليه طالع على خاله " إبتسمت لإبتسامته وقالت :" نايم جوا ...." :" أجل متى ما قام دقيلي أجيه أنا مشتاق له مررة " ولم تستطع أن تخفي دهشتها من أخوها الذي تغيرت نفسيته وصار يمزح ، وفي هذه اللحظة وقعت عينا عبدالله على قطعة جميلة تفنن الخالق في خلقها ، بفستانها وكعبها الذي رغم طوله لايصدر صوتا ، شعرها وغمازتها اليتيمة التي تصرخ " هل من منافس " لم يراها بهذا الجمال
من قبل ...صفن بها وهي تحمل طبق من المطبخ إلى مجلس النساء ولم يشعر بنفسه وهو يتكأ على درابزين الدرج
ويبقى ينظر إلى المدخل الذي أخذها من أمام
ناظريه وكأنه يتمنى خروجها من جديد
وكل هذا على مرآ ومسمع من سارة ، التي لم تمنع ضحكتها وهي تهز رأسها رثاءا لحالة أخوها ، ثم فاجأته قائلة :" دامك سرحان بالمدام وولهان عليها ليش تمشي الخدامة وتخليها تتعب بالغدا بروحها المسكينة ؟" تلفت عدة مرات مرة على سارة ومرة على مدخل النساء :" هه .....هي اللي طلبت ...أنا إيش دراني .. قالت أنا قدها وما أحتاج مساعدة ، فكك منها (كمحاولة لتغيير الموضوع ) وش مسوية ببيتك مع زوجك أنتي " فقالت بحزن :" والله يا خوي تعبانة مررة خالد ما يبي ياخذلنا بيت مصر يظل ببيت العايلة وأنا تعبت ، مررة مشاكل مع مرت عمي ومررة مشاكل مع سلفاتي على العيال ...وحتى حفصة اللي كانت تصف معاي صارت ما تصف مع أمها وخواتها ضدي ......." وهاهي تعود للظهورمن جديد ، ومجددا يترك سارة تتحدث وحيدة ويركز عليها ، هل كانت دائما جميلة كاليوم ؟ لما اليوم بها شيئ مختلف ....ماهو ؟
طقطقت سارة أصابعها وهي تصرخ بوجهه
:" إييييه ..... أكلمك ...عبدالله ؟! "
:" نعم ....إيش تبي ؟! "
:" وش اللي إيش تبي ...قاعدة أكلمك ساعة ..وين إنت ؟"
:" سامعك ومعاك ...تبيني أكلم خالد بالموضوع ؟!"
:" إيه والله وتسوي معاي معروف ياخوي الله يخليك"
ضمها وقبل رأسها وهو يتطلع إلى مدخل المطبخ بشوق .