العالم الخارجي
جهزت أومورود نفسها ، و ارتدت ملابس العامة التي جلبتها لها الخادمة ڤالي ، وجهزّت عربة القش ، و السائق يجلس في المقدمة ، يقود العربة جواد أصيل أبيض ، لكنه جرد من سراجه الذي يدل عن تباعيته للنبيل جاز .
جلست أومورود فوق كومة القش ، و بدأت تدندن بلحن شعبي بصوت غير مسموع .
و لأول مرة على الإطلاق فتحت بوابة القصر لأومورود لها للخروج ، فور خروج العربة من القصر ، تنفست أومورود عبق الحرية ، كانت تحس بأنها طائر سلبية جناحيه و الآن عادا له بعد طول انتظار ليحلق بهما في رحاب السماء.
وصلت عربة أومورود إلى السوق الكبير حيث أول شيء استقبلها مداعبة رائحة أكل الشوارع لأنفها الصغير ، ثم صيحات الباعة هنا و هناك ، تخفيضات و عروض و منتجات محدودة ، و الكثير ، ثم الناس جيئة و ذهابا غالبيتهم يتمتعون بعيون بنية و عسلية أما البندقية فهي شبه معدومة ، طلبت أومورود أن تشتري التفاح المعسل من السائق ليومئ لها فنزلت و حاولت الاقتراب منه لكن الزحام دفعها بعيدا ، و جعلها تضيع عن العربة .
لكن أومورود لم تحزن فهي لا تهتم على الإطلاق ، بل على العكس تماما أرادت أن تضيع لتكتشف البلدة عن كثب و بدون قيود ، لذا غاصت في أعماق السوق و الأزقة الضيقة و الشوارع و استمتعت بكلّ ركن .
فجأة اصطدمت أومو مع فتاة تبدو بنفس سنها ، ترتدي ثوبا أخضر طويلا شعرها بني و جميل إضافة إلى أنه يبدو طويلا و كثيفا ، أعينها بندقية و بها بعض الأخضر الباهت ، تشكيلة تشبه الغابات القوطية ، بشرتها لامعة و جميلة ، نهضت الفتاة بينما بقيت أومو على الأرض تتأملها ، و لكن الغطاء الذي تضع على رأسها لإخفاء عينيها سقط لتصدم الفتاة كليا و تنزع يدها الممدودة للمساعدة .
انحنت الفتاة بتهذيب ، لكن أومورود منعتها بوجه ظريف منزعج ، و قالت بابتسامة : - لماذا تنحنين يا فتاة ؟
- لأنك نبيلة و النبلاء يستحقون الاحترام والتقدير.
- احترميني بعدم القيام بقلة أدب في حضرتي فقط أما الرسميات فلا داعي لها ، بالمناسبة اسمي أومورود .
- أمورولد ؟؟
- لا لا أومورود من السلالة الدوقية لآل مورڤان .
- أهاا ، أومورود مورڤان .
- تماما.
- أنا هايزل أوريل .
- اسم جميل مثل صاحبته.
- شكرا ، معنى هايزل هو البندق تقريبا نسبة للون عيني .
- و أنا كذلك ، معنى أومورود هو الزمرد .
- متطابقتان .
- أنا حقا سعيدة جدا للتعرف عليك هايزل .
- لي الشرف في التعرف على أمثالك .
- هاااايزل أين أنت ، صوت شاب .
- أحدهم يناديك هايزل .
- إنه أخي ، آيزك .
- وقع اسمه جميل.
- ها قد وجدتك ، قال الفتى الذي يبدو في 13 تقريبا من العمر ثم أردف بدون النظر إلى أومورود : من صديقتك الجديدة ؟ و لكن أومورود ذابت في عينيه البنيتين ، و غرقت فيهما لدرجة أنها ظنت أنهما شوكولاتة حلوة بنية لذيذة.
- هذه أومورود .
- أومورولد ؟؟!!
- لا يا غبي ، أوموروود !
- حسنا ، أومورود إذا ، قال و هو يلتفت لأومورود التي احمّر وجهها من الإحراج، فرغم صغر سنّه إلا أن وسامته تفوق الكثيرين ، بعينيه البنيتين الداكنتين ، و انحناءة وجهه ، و بشرته الحنطية ، و شعره الذي رغم تبعثره إلا انه جميل ، بخصلاته البنية .
- (( يا إلهي كم هو وسيم ، لا ، لا ، جميل ، عيناه مثل كعكة الكاكاو )) .
- أو... ، نعم لقد لاحظ آيزك عينا أومورود ظهرت عليه الحيرة لم يصدق عينيه ، حتى أنه فركهما ، قبل أن يبتسم فقط لأومورود و يقول : أومورود عربتك هناك ، كان هناك رجل يسأل عنك .
- ششش...شكرا لك سيد آيزك .
فرت ضحكات حاول آيزك كتمها كثيرا لكنه لم يستطع ما أربك أومو أكثر لتقول : - المعذرة هل قلت شيئا خاطئا ؟
- على الإطلاق ، أنا آسف ، نادني آيزك فقط.
-(( آهٍ مني لما أتصرف هكذا ، لما أنا متوترة هكذا ، لم أتوتر حتى عندما قابلت الملك لكن هذا مختلف.))
مدت يدها للمصافحة و قالت : مم... مرحبا أنا ، أومورود.. أومورود من السلالة الدوقية لآل مورڤان .
- هل أنت بخير ؟
- أأأجل لما تسأل ؟
- تتعرقين و بشدة وجهك أحمر ، و يداك ...
اتضح أن يديها كانتا ترتجفان ، فقالت و صوتها يرتعش : آآسفة ، توتر أول لقاء.
ابتسم لها ثم قال : أستمحكما عذرا ، ثم غادر.
- أعلم أننا صديقات جديدات و لكن هل أعجبت بأخي ؟
- ممممذاااا ؟ ؟؟!!
- أجل واضح جدا يا عزيزتي.
- أشعر أني خرقاء فعلا، قالت و هي تدفن وجهها بين كفّيها .
حاولت هايزل مواساتها بقول : هيا يا أومورود ، الأمر طبيعي ، لست الأولى فنصف بنات حيّنا يصرن مثل الطماطم لرؤيته فقط.
- كل ما في الأمر أني و لأول مرة وجدت شخصًا لا يرى "زمردة القصر" أمامه، بل يرى فتاة ضائعة في السوق.
- أووووه ، كم هذا لطيف .
- أخوك رائع سأعتبره أخي أيضا .
- جميل ، لكنه أحمق .
- هه ، لم أشتم أخي أبدا .
- أووه كم أود مقابلته يبدو ... جذابا .
التفتت كلاهما لرؤية رجل ضخم البنية آتيا مع آيزك ، تقدّم قليلا ثم زمجر في وجه هايزل و أمسكها من ياقتها ، لكن بحركة قوية من أومورود في مفصل اليد جعلته يفلتها ، لتجثو هايزل و هي تبتلع غصّتها ، تقدم آيزك و نظر بحنق للرجل الذي بدأت تعاتبه أومو : - هيا اعتذر !!!
- آسف يا صغيرة ، قلّب ناظريه .
- لا بأس ، قالت هايزل بابتسامة متكلفة .
- آسفة نيابة عنه يا عزيزيّ هايزل و آيزك ، انتفض جسدها فور ما رأت ابتسامة آيزك المطمئنة.
- لا داعي للاسف ، قال كلاهما في الوقت ذاته.
لاحقا ، ودّعت أومورود صديقيها الجديدين ، و طول الطريق ظلت تلوم حارسها على هذا الإحراج ، و هو يتأسف كونه لم يعرف حقيقة الموقف.
و فور وصولهما للقصر احتضنت أومورود أباها و أمها و قالت في حضرة الحارس : أتعرف يا أبي ، هذا الحارس فعل شيئا ... شيئا... لطيفا بتحمّل أحاديثي طوال الطريق، كما و تعرفت على صديقين .
- هل أزعجاك ؟؟ نورا.
- لا بل عاملاني بشكل حسن ، أومورود .
- جيد ، أحسنت صنعا يا حارس ، ما اسمك ؟ جاز
- رررروكي ، سيدي ، الحارس .
- تم ترقيتك لحارس شخصي ، مبارك ، جاز .
- شكرا جزيلا سيدي ، شكرا آنستي يشرفني خدمتك ، روكي
- و أنا يسعدني أن تعمل معي ، قالت أومورود بابتسامة خبيثة و هي تحدّق بروكي .
رافق روكي أومورود لغرفتها ثم سألها : - آنستي الصغيرة ...
- نعم ؟
- ما كان ذلك ؟
- ماذا ؟
- هل كوفئت أم تم وضعي تحت المراقبة؟، قال بسخرية.
- الخيار الثاني.
- أ...نا ، حقا آسف .
- على ما ؟
- لم أفهم الموقف ، و لم أعتذر لصديقتك ، بل و أهنتها و هاجمتها ، أنا آسف حقا ، سأعتذر لها لاحقا.
ابتسمت أومورود برقتها المعتادة و قالت و هي نستدير لتقابل وجه روكي : روكي، هذا تماما ما أردت سماعه ، لم أهددك صحيح ؟
- أجل.
- لم أرعبك ؟
- أجل .
- لم أنذرك ؟
- أجل .
- ببساطة لعبت بك هذا قانون الحياة لا تظهر صلب معدنك، و إياك أن تكلم أحدا عن هذا الوجه مني ، صدق أو لا ، صدقني يا روكي، خسارة منصبك ستكون أخف ما قد يحدث ، مفهوم ؟
ابتلع ريقه بصعوبة فوجهها الداكن هذا لم يعهده أحد ، او بالاحرى لم يره أحد من قبل ما عدى روكي شعر بقوة تهديدها نظراتها التي تخترقه كالسهام المشتعلة و تمزقه ، أجل يا سادة إنه الجانب القوي من زمردة القصر ، أومأ روكي فقط ، فالكلمات علقت في حنجرته و في طرفة عين عاد وجهها لإشراقه المعتاد ، ما جعل قلب روكي يرتعش في قفصه الصدري .
دخلت أومورود غرفتها و أغلقت الباب في وجه روكي الذي صار يرتعد من أقل حركاتها .
كانت أومورود قد بدلت ثيابها و بدل أن تقرأ من روايتها كعادتها المسائية ، بل احتضنت وسادتها و عادت الحرارة تغزو وجنتيها فور تذكرها لآيزك نظرات عينيه ، ابتسامته ، ذقنه المرسوم ، بشرته النظرة و أخيرا ... صدت أفكارها و هزت رأسها كعلامة لرفض الإعجاب و الوقوع في الحب .
حاولت أن تفتح روايتها المفضلة، لكنها لم تستطع قراءة سطر واحد دون أن يتسلل وجه آيزك إلى أفكارها من جديد.
كانت كلما نجحت في طرد صورته من رأسها، عادت إليها ابتسامته وكأنها تسخر من محاولاتها.
و أخيرا بعدما أرهقت عقلها بالتفكير في كل خلية من جسم غريمها استسلمت للنوم فهو أهون عليها من هذه الحياة التي لا ترى فيها سوى آيزيك