أجنحة فوق الممالك - 8-لا تتركيني - بقلم مرام | روايتك

اسم الرواية: أجنحة فوق الممالك
المؤلف / الكاتب: مرام
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: 8-لا تتركيني

8-لا تتركيني

وصلَ أشهبُ إلى الجبالِ، وكانَ الكثيرُ من المسلمينَ قد وصلوا قبلهم. وقد كانتِ الجبالُ سلسلةً جبليَّةً خضراءَ كثيفةَ الأشجارِ والكهوفِ والشَّلَّالاتِ، فقد كانتِ الغاباتُ التي عليها كأنَّها رداءٌ أخضرُ ارتدتهُ الجبالُ في حُسنٍ وبهاءٍ. وكانَ يكثرُ فيها الأعشابُ النَّادرةُ الطِّبِّيةُ، ولكنَّها على جمالها الآخذِ، فقد كانَ بها مَن لو رأوكَ لأصبحتَ وجبةً شهيَّةً لهم. أسرعَ أشهبُ في النُّزولِ، ثمَّ بعدَ أن نزلَ ونزلَ مَن كانوا عليهِ، أسرعَ وحملَ العنقاءَ وسارَ بها مسرعًا إلى حيثُ تجمَّعتِ النِّساءُ وقالَ: أشهبُ: "هل منكنَّ طبيبةٌ هنا؟" نظرنَ لهُ ولم تتحرَّكْ إحداهنَّ، فقد شاعَ بينهنَّ ما فعلتهُ العنقاءُ، وتكلَّمَ مُتكلِّمٌ بسوءٍ أنَّ ما حدثَ لهم كانَ لأنَّهم أرادوا أن يقتلوها لمَّا علموا بأمرها. فصاحَ بهم أشهبُ قائلًا: أشهبُ: "إنِّي أُكلمكنَّ! أليسَ فيكنَّ طبيبةٌ؟ ألا تسمعنَ أنَّها تموتُ؟" خرجتْ إحدى النِّساءِ تُدافعهنَّ، ثمَّ وقفتْ أمامَ أشهبَ وقالتْ: الطَّبيبةُ: "أنزلها أمامَ تلكَ الشَّجرةِ." أشارتْ إلى شجرةٍ على يمينها ففعلَ أشهبُ ما قالتْ، ثمَّ جثتْ على رُكبتيها ونزعتْ لثامَها ووضعتْ يدها على وجهها فوجدتها محمومةً جدًّا. الطَّبيبةُ: "إنَّها محمومةٌ لدرجةٍ خطيرةٍ جدًّا." نظرتِ الطَّبيبةُ إلى مكانِ نزيفِ الدَّمِ فنزعتْ لثامَ رغداءَ الغارقَ في الدِّماءِ ومزَّقتْ ملابسها من جهةِ الجُرحِ ثمَّ قالتْ مُتفاجئةً: الطَّبيبةُ: "للهِ العجبُ! للهِ العجبُ!" أشهبُ: "ماذا هناكَ؟" الطَّبيبةُ: "الجُرحُ يلتئمُ بسرعةٍ كبيرةٍ، ولكنَّها نزفتْ كثيرًا. أحتاجُ بعضَ الأعشابِ الطِّبِّيةِ لِتُحمِّيها، وأن أكويَها بالزَّيتِ حتى يتوقَّفَ النَّزيفُ." أشهبُ: "ما هي تلكَ الأعشابُ؟ سأُحضرها." الطَّبيبةُ: "أولًا، أحضرْ لي ماءً باردًا من النَّهرِ وبعضَ قطعِ الملابسِ حتى أُحاولَ أن أُخفِّفَ الحرارةَ عنها قليلًا." هنا اقتربَ همامُ ويمانُ الذي أتى هو الآخرُ وقالَ يمانُ: يمانُ: "سنُحضرُ نحنُ الماءَ." ثمَّ نزعَ القميصَ الذي عليهِ وألقاهُ إلى أشهبَ دونَ أن ينظرَ إلى العنقاءِ. ذهبَ يمانُ وهمامُ إلى النَّهرِ لإحضارِ الماءِ ولكنْ توقَّفا عندما أدركا أنَّهم لا يملكونَ ما يحضرونِ فيهِ الماءَ. ثمَّ نظرَ همامُ إلى حذائهما وقالَ: همامُ: "لا نملكُ سوى أحذيتنا الجلديَّةِ." هزَّ يمانُ رأسهُ ثمَّ ركضَ وهمامُ خلفهُ. أمَّا أشهبُ فبقيَ بجانبِ الطَّبيبةِ التي قالتْ: الطَّبيبةُ: "اذهبْ إلى الرِّجالِ ونادِ على قيسِ بنِ فُهيرٍ وقُلْ لهُ عن حالةِ زوجتكَ وهو سوفَ يُساعدُكَ في البحثِ عن الأعشابِ. هو يعلمُ ما الأعشابُ التي ستحتاجها إذا ما قلتَ لهُ أنَّها محمومةٌ جدًّا إثرَ جُرحٍ غائرٍ في الفخذِ والجُرحِ ملتهبٌ رغمَ سرعةِ التئامِهِ." فأسرعَ أشهبُ وفعلَ كما قالتْ، وبالفعلِ خرجَ لهُ الرَّجلُ وذهبَ معهُ مُتجاهلينَ نظراتِ الرِّجالِ الحانقةَ لهما. في القصرِ في باحتهِ الكبيرةِ المُدمَّرةِ، كانَ هناكَ أربعةُ رجالٍ يبدو عليهم القوَّةُ ورِفعةُ المقامِ يتحدَّثونَ إذ جاءهم رجلٌ مُسرعٌ بغضبٍ وقالَ: الرَّجلُ: "كيفَ تدعونَهم يذهبونَ دونَ أن تقتلوهم؟" ثمَّ علا صوتُهُ وقالَ: الرَّجلُ: "كيفَ تدعونَ أشهبَ يخرجُ منها حيًّا؟ كيفَ؟ وتلكَ الفتاةُ حقًّا ما سمعتُهُ عنها؟" الرَّجلُ الثَّاني: "اهدأْ يا حجَّاجُ. لم نتوقَّعِ المقاومةَ التي حدثتْ، والكثيرُ من رجالنا تأذَّوا، ومنهم مَن ماتَ." حجَّاجُ: "فليذهبوا إلى الجحيمِ! أنتَ لا تعلمُ مَن هو أشهبُ التِّنِّينُ الأبيضُ! لو بقيَ لن يهدأَ حتى يُهلكنا جميعًا، والأدهى أنَّ معهُ فارسةَ العقبانِ. أتعلَمُ ما فارسةُ مملكةِ العقبانِ يا صُهيبُ؟ إنَّ قواها لا تظهرُ إلا كلَّ مائةِ سنةٍ فيهم." ثمَّ دارَ على نفسه وأمسكَ رأسهُ بيدهِ وقالَ: حجَّاجُ: "يجبُ أن يموتا قبلَ أن نموتَ نحنُ." الرَّجلُ الثَّالثُ: "هل نُرسلُ بعضَ الجنودِ لهم، خاصةً إنِّي سمعتُ أنَّ الفتاةَ مُصابةٌ؟" حجَّاجُ: "أجلْ، فلتفعلوا! يجبُ أن يموتا ولو تطلَّبَ ذلكَ موتَ كلِّ جنودنا والمُساعدينَ، لا أُريدُ أن أراهما على وجهِ الأرضِ." صُهيبُ: "أمرُكَ." عندَ أشهبَ كانَ يسيرُ هو وقيسٌ، وقد كانَ شرحَ لهُ حالةَ العنقاءِ، فعلمَ ما تحتاجهُ من الأعشابِ. فبدأَ في البحثِ عنها، وقلبُ أشهبَ يكادُ يخرجُ من مكانهِ خوفًا من أن يفقدَ العنقاءَ. وهما يسيرانِ، أحسَّ أشهبُ بحركةٍ بينَ الأشجارِ، ولكنَّهُ لم يعد بل أكملَ المسيرَ معَ قيسٍ. وبعدَ مدَّةٍ، وقد جمعا كلَّ الأعشابِ وكانا في طريقِ العودةِ، أحسَّ أشهبُ بالحركةِ مرَّةً أخرى، فظلَّ يجولُ بعينيهِ في المكانِ حولَهما دونَ أن يُحرِّكَ رأسهُ حتى لا يشعرَ مَن يُراقبهما أنَّهُ قد أحسَّ بهِ. وفجأةً، انقضَّ رجلٌ ذو عينينِ كعينيِ الأفعى وأنيابٍ كأنيابها، يخرجُ لسانًا مثلَ لسانِ الأفعى تمامًا بسرعةٍ أفزعتْ قيسًا وجعلتهُ يسقطُ وتسقطُ الأعشابُ من يدهِ. ولكنَّ أشهبَ ركلَ الرَّجلَ بقدمهِ قبلَ أن ينقضَّ عليهما، ركلةً جعلتهُ يرتطمُ بالشَّجرةِ خلفَهُ وفقدَ وعيهُ. قالَ بعدها قيسٌ وهو مرعوبٌ يجمعُ الأعشابَ: قيسٌ: "هؤلاءِ سُكَّانُ الجبالِ، والمُرعبُ فيهم أنَّهم يأكلونَ لُحومَ..." لم يُجبهُ أشهبُ وظلَّ يمسحُ المكانَ بعينيهِ ثمَّ قالَ لقيسٍ الذي نهضَ وألصقَ نفسهُ بأشهبَ: أشهبُ: "يوجدُ المزيدُ. علينا العودةُ سريعًا قبلَ أن يصلوا إلى البقيَّةِ." عندَ العنقاءِ كانتِ العنقاءُ على حالها، تُفيقُ قليلًا وتئنُّ ثمَّ ترجعُ ويُغمى عليها. وقد جلستْ نادرةُ تبكي بجانبها، والطَّبيبةُ تُغيِّرُ لها الكَمَّاداتِ بعدَ أن أحضرَ لها يمانُ وهمامُ الماءَ. وكلَّما نفدَ أو ارتفعتْ حرارتها، أحضرا غيرها. أمَّا زُبيدةُ وزوجها فقد بقيا يبكيانِ على مَن ماتَ منهم. أمَّا أصهبُ وأشهلُ وماهرُ فقد دفنوا سرابَ وزوجها وصلَّوا عليهما معَ بعضِ الرِّجالِ وبينما العنقاءُ على حالها، إذ تقدَّمَ بعضُ الرِّجالِ وفي يدِ أحدهم سيفٌ وقالَ للطَّبيبةِ: الرَّجلُ: "اتركيها، يجبُ أن تموتَ، وإلَّا لحقونا إلى هنا، فهيَ السَّببُ فيما نحنُ فيهِ ويجبُ أن تموتَ أو تُقتَلَ." شهقتْ نادرةُ رُعبًا ووضعتْ يدها على صدرها ثمَّ رمتْ نفسها على العنقاءِ وقالتْ: نادرةُ: "لن تقربوها، فلم يكنْ أحدٌ يعلمُ أنَّها ابنةُ مملكةِ العقبانِ حتى أنا لم أكنْ أعلمُ. دعوها أرجوكم." الرَّجلُ: "وكأنَّني سأُصدِّقُ! هي ميتةٌ ميتةٌ برضاكم أو دونه!" حينها، وقفتْ رغداءُ أمامهُ وأشهرتْ سيفها في وجهه وتبعتهَا رسيلُ وقالتْ رغداءُ: رغداءُ: "لو فيكم رجلٌ فليتقدَّمْ! تحتمون بها ثمَّ تُريدونَ قتلها؟ قاتلكم اللهُ! حتى أنا لم أكنْ أعلمُ بأمرها." رسيلُ: "بل لم يكنْ يعلمُ أحدٌ بذلكَ. جَبُنتم عن قتالهم ثمَّ تأتونَ لهذهِ الضَّعيفةِ، وإنِّي لأظنُّكم لا تجرؤونَ على ذلكَ لو كانتْ صحيحةَ الجسمِ." وهم كذلكَ، إذ تنطقُ وهجُ بسرعةٍ وبيدها سكينٌ كانتْ قد وجدتها مُثبَّتةً على إحدى الأشجارِ وضعها فيها أحدُ الرِّجالِ وتغرسها في فخذِ العنقاءِ في نفسِ مكانِ الإصابةِ. فصرختِ الطَّبيبةُ وأُغميَ على نادرةَ، وانتفضَ جسمُ العنقاءِ وتستيقظُ جالسةً في مكانها ثمَّ تنقلبُ عيناها ويُغمى عليها مرَّةً أخرى. فاندفعتْ رسيلُ وأمسكتْ بشعرِ وهجَ وألقتها بعيدًا فتأوَّهتْ وهجُ مُتألِّمةً، ثمَّ قالتْ رسيلُ ورغداءُ لا تزالُ تُشهرُ سيفها في وجوهِ الرِّجالِ: رسيلُ: "لماذا فعلتِ هذا أيتها الحمقاءُ؟" فجلستْ وهجُ وهيَ تبكي وشعرُها مملوءٌ بالتُّرابِ وقالتْ: وهجُ: "هي السَّببُ في قتلِ أبي! قتلوهُ بسببها." في هذهِ اللحظةِ، أتى أصهبُ وماهرُ ومَن معهم ووقفوا مُستغربينَ ممَّا يحدثُ. وهم كذلكَ، إذ طارَ فوقهم عشرةُ تنانينَ رماديَّةٍ من أشدِّ ما يكونونَ قُبحًا ورُعبًا.