أجنحة فوق الممالك - 7- قدرةٌ لم تظهرْ منذُ مائةِ عامٍ - بقلم مرام | روايتك

اسم الرواية: أجنحة فوق الممالك
المؤلف / الكاتب: مرام
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: 7- قدرةٌ لم تظهرْ منذُ مائةِ عامٍ

7- قدرةٌ لم تظهرْ منذُ مائةِ عامٍ

عندما رأتِ العنقاءُ ذلكَ، وأنَّهُ لا مفرَّ منهم، وأنَّهم سيقتلونَهم لا محالةَ، وأنَّهُ لن يُفرِّطَ أحدٌ من التَّنانينِ بِمَن عليهم، وقفتْ. وخرجَ من عينيها لونٌ أصفرُ مُشِعٌّ، وتمزَّقتْ فتحتانِ من ملابسها من جهةِ ظهرها إثرَ خروجِ جناحينِ كبيرينِ. وكلُّ مَن حولَها ينظرُ لها مذهولًا ممَّا لم يتوقَّعوا أن يَرَوا أحدًا يفعلُ ذلكَ بعدَ ما حدثَ قبلَ خمسةَ عشرَ سنةً. طارتِ العنقاءُ إلى أعلى وعيناها تُشِعَّانِ باصفرارٍ لم يُرَ منذُ مائةِ سنةٍ. نظرتْ للتَّنانينِ بغضبٍ عارمٍ، وباعدتْ بينَ يديها، وتكوَّنَتْ في يدها اليُمنى طاقةٌ صفراءُ شفَّافةٌ طويلةٌ تبدو حادَّةً كالسَّكاكينِ، ثمَّ انطلقتْ بسرعةٍ ناحيةَ التَّنانينِ المذهولينَ من هولِ ما رأوهُ. ومرَّرتْ هذهِ الطَّاقةَ خلالَ جسمِ التَّنينِ الأوسطِ وهيَ تطيرُ فوقَهُ بعدما أطالتها أكثرَ، فسكنَ التَّنينُ قليلًا ثمَّ سقطَ ميِّتًا بالرَّغمِ أنَّهُ لم يبدُ عليهِ أيُّ أثرٍ لجُرحٍ، وكأنَّها لم تلمسهُ أبدًا. فلمَّا رأى التَّنينانِ الآخرانِ ما جرى لصاحبهما، نشطتْ عندَهما غريزةُ البقاءِ وهجما على العنقاءِ في وقتٍ واحدٍ، فطارتِ العنقاءُ إلى الأعلى فاصطدما ببعضهما. ثمَّ أطلقتِ العنقاءُ تلكَ الطَّاقةَ على عينِ التَّنينِ الذي على اليسارِ فصرخَ وفقدَ قدرةَ البصرِ بها دونَ أن يبدوَ عليها أيُّ جُرحٍ ظاهريٍّ. ثمَّ طارتْ بسرعةٍ ورشاقةٍ عاليةٍ إلى الذي على اليمينِ، وكونتِ الطَّاقةَ في يدها اليُمنى كسيفٍ كبيرٍ من غيرِ مقبضٍ ومرَّرتهُ على رقبتهِ، فلحقَ بصاحبهِ في الأسفلِ. وقبلَ أن تُدركَ العنقاءُ، وجَّهَ لها التَّنينُ الأخيرُ ضربةً بمخلبهِ كادتْ أن تفتكَ بها لولا أنَّها ابتعدتْ سريعًا، ولكنَّهُ استطاعَ أن يُحدثَ جُرحًا كبيرًا في فخذها الأيسرِ. فأطلقتْ صرخةً مُدوِّيَةً وطارتْ بعيدًا عنهُ. وفي هذهِ اللحظةِ، أطلقَ أشهبُ النارَ على التَّنينِ الأخيرِ، ثمَّ نظرَ بعينيهِ الحمرَاوينِ إلى عينيِ التَّنينِ فسلبَ منهُ إرادتهُ وجعلهُ يرتفعُ إلى الأعلى بقوَّةٍ ثمَّ يهوي إلى الأرضِ بسرعةٍ جعلتهُ يلتقي بالأرضِ ميِّتًا. ثمَّ رأى أشهبُ العنقاءَ تهوي إلى الأرضِ، فأسرعَ وطارَ من تحتها قبلَ أن تسقطَ وسقطتْ على ظهرهِ مغشيًّا عليها وفخذُها تنزفُ. طارَ التَّنانينُ مُسرعينَ مُتَّجهينَ إلى الجنوبِ، وعلى عكسِ المتوقَّعِ لم يلحقْ بهم أحدٌ. نزعتْ رغداءُ لثامها ولَفَّتْ بهِ فخذَ العنقاءِ ووضعتها في حِضنها. أمَّا أشهبُ فأسرعَ بقدرِ ما يستطيعُ بحيثُ يصلُ بسرعةٍ إلى مدينةِ الحيفاءِ، وفي نفسِ الوقتِ لا يُؤذي مَن عليهِ بسرعتهِ. وبالفعلِ وصلوا لها معَ شروقِ الشَّمسِ ووجدوها قد عاثوا فيها فسادًا. فنزلَ أشهبُ وبقيَ على حالهِ أنزلَ لهم جناحيهِ كي ينزلوا، وليسَ في قلبهِ ذرَّةُ صبرٍ، يريدُ أن يطمئنَّ على أهلهِ وعلى العنقاءِ. نزلوا جميعًا من عليهِ، وقد كانَ أمرَ بقيَّةَ التَّنانينِ أن يُكملوا سيرهم نحو الجبالِ. رجعَ أشهبُ لطبيعتهِ تُغطِّيهِ الحراشفُ، ثمَّ ركضَ مُسرعًا إلى بيتِ أهلهِ فوجدهُ قد انهارَ تمامًا، فركضَ كالمجنونِ يرفعُ الحطامَ يبحثُ عنهم، يرجو أن يجدَ أحدَهم حيًّا، ولكنَّهُ لم يجدْ أحدًا، لم يجدْ حتى الجُثثَ. فركضَ لبيتِ أشهلَ ووجدهُ كذلكَ. كانتْ رغداءُ تنظرُ لهُ ودموعها على وجهها، تُريدُ أن تذهبَ لهُ وتحتضنهُ ولكنْ لا تستطيعُ تركَ العنقاءِ. وأمَّا البقيَّةُ، وقد كانوا جميعُهم من النِّساءِ عدا همامَ، فلم يقدروا سوى أن يتأسَّفوا على حالهم. ووهجُ ليستْ أفضلَ حالًا من أشهبَ، فقد فقدتْ لِتوِّها آخرَ أهلها، فكانتْ تنظرُ للفراغِ ودموعها لا تكفُّ عن الانهيارِ. قرَّرَ همامُ أن يذهبَ لهُ فوجدهُ تركَ بيتَ أشهلَ واتَّجهَ إلى بيتِ أختهِ سرابَ وأعادَ ما فعلهُ من رفعِ الحطامِ، ولكنَّهُ سرعانَ ما ندمَ على فعلتهِ، فلم يكنْ يتوقَّعُ أنَّ ما سيراهُ سيجعلهُ يخرُّ على قدميهِ وتتساقطُ دموعهُ تتْرَى. رأى أختهُ سرابَ يحتضنها زوجها وقد غطَّتِ الدِّماءُ كلَّ ملامحهم، ولا تزالُ حاملًا في شهرها الأخيرِ، وزوجها يمسكُ بها بقوَّةٍ وكأنَّهُ كانَ يخشى أن يأخذوها منهُ. وقفَ أشهبُ على قدميهِ بصعوبةٍ وجلسَ أمامَ سرابَ وأخذها من بينِ أحضانِ زوجها ببطءٍ كأنَّهُ يخشى أن تتمزَّقَ بينَ يديهِ، واحتضنها برفقٍ وهو يبكي ويقولُ: أشهبُ: "سامحيني، سامحيني يا سرابُ، سامحيني، فلم أستطعْ أن أحميَكم. اعذريني يا أُخيَّةُ." ثمَّ أطلقَ صرخةَ قهرٍ، وأيُّ قهرٍ مثلُ قهرِ الرِّجالِ! أتى إليهِ همامُ يُريدُ أن يُخفِّفَ عليهِ رغمَ أنَّهُ يعلمُ أنَّ لا شيءَ يُخفِّفُ ما بهِ الآنَ، ولكنَّ أشهبَ دفعهُ وقالَ: أشهبُ: "ابتعدْ، فهيَ لن تسترَ نفسها طيلةَ حياتها كي تُكشَفَ يومَ تموتُ!" فابتعدَ همامُ وأدارَ وجههُ ولم يستطعْ منعَ دموعهِ وهو يرى مَن كانَ يراهُ دائمًا قويًّا مُهابًا في هذهِ الحالةِ، وبقيَ أشهبُ على حالهِ يبكي أختهُ. أمَّا لدى العنقاءِ، فقد ارتفعتْ حرارتها وبدأتْ تهذي باسمي ماهرَ ونادرةَ وتُناديهما، وما هي إلا ثوانٍ حتى فتحتْ عينيها ببطءٍ ثمَّ تُرجعُ وتُغلقهما وهكذا حتى استطاعتْ أن تفتحهما، وقالتْ بوَهَنٍ شديدٍ: العنقاءُ: "أسمعُ أصواتًا في الغابةِ، أسمعُ صوتَ عمِّي." لمَّا سمعتْ رغداءُ ما قالتهُ العنقاءُ، صرختْ قائلةً لأشهبَ: رغداءُ: "إنَّهم في الغابةِ يا أشهبُ، أهلكَ في الغابةِ!" نظرَ لها أشهبُ وكأنَّهُ لم يستوعبْ ما قالتْ، ثمَّ تنبَّهَ ووضعَ أختهُ برفقٍ وذهبَ يركضُ نحو الغابةِ وهمامُ خلفهُ. ظلَّ أشهبُ يركضُ بأقصى ما لديهِ يجولُ بعينيهِ في كلِّ مكانٍ يُريدُ أن يلمحَهم وهو ينادي عليهم، حتى وجدهم قد خرجوا من خندقٍ قديمٍ كانَ قد حُفِرَ في إحدى المعاركِ القديمةِ ولم يُردَمْ، بل تركهُ النَّاسُ ولعبَ بهِ الوِلدانُ وجعلوا لهُ طريقةً للنُّزولِ والصُّعودِ. وأوَّلَ ما رآهم، ركضَ نحوهم واحتضنَ أمَّهُ التي كانتْ تبكي حالَها وحالَ أولادها. أمَّا همامُ فقد وقفَ من بعيدٍ. وبعدَ مدَّةٍ قصيرةٍ، وقفَ أشهبُ مُحمرَّ العينينِ يحتضنُ أباهُ وأخاهُ وماهرَ، الذي قالَ بخوفٍ واضحٍ، ومِن خلفهِ نادرةُ في حِضنِ زوجةِ أشهلَ تبكي، ولم يكنْ حالُ زوجةِ أشهلَ بأفضلَ منها. ماهرُ: "أينَ العنقاءُ يا أشهبُ؟" أشهبُ: "إنَّها معنا، ولكنَّها مُصابةٌ." كادَ أن يقفزَ قلبُ ماهرَ لمَّا سمعَ، أمَّا نادرةُ فقد غُشيَ عليها مُتخيِّلةً العنقاءَ في أسوأِ حالةٍ ممكنةٍ. قالَ ماهرُ والخوفُ بادٍ على مُحيَّاهُ: ماهرُ: "خُذنا إليها يا أشهبُ." ذهبَ الجميعُ إلى مكانِ العنقاءِ والآخرينَ بصمتٍ تامٍّ بعدَ أن أفاقتْ نادرةُ، وقد لاحظَ أشهبُ أنَّ طفلَ أشهلَ ليسَ معهم، فعلمَ أنَّهُ ماتَ معَ مَن ماتَ، فمشى بجانبِ أخيهِ وربَّتَ على كتفهِ بهدوءٍ فسقطتْ دمعةٌ فَرَّتْ من عينهِ. وصلوا إلى مكانهم المنشودِ، وقد كانَ مرورهم بجانبِ بيتِ سرابَ ويا لَفظاعةِ المنظرِ! وأوَّلَ ما رأتها أمُّها، غُشيَ عليها ولم تحتملْ، وأمَّا أصهبُ فقد أسرعَ ناحيةَ ابنتهِ هو وأشهلُ واحتضناها، والدُّموعُ تترقرقُ على مُحيَّاهُ، والبقيَّةُ ينظرونَ إليهم بأسًى ولم تجفَّ أعينهم بعدُ. لمحتْ نادرةُ العنقاءَ نائمةً على الأرضِ فظنَّتها ماتتْ هي الأخرى، فركضتْ مُسرعةً إليها وفي أثرها ماهرُ وأخذتها من حِضنِ رغداءَ. وأوَّلَ ما أخذتها في حِضنها شعرتْ بحرارةِ جسمها العاليةِ والتي إنْ بقيتْ هكذا ستموتُ حتمًا، فصرختْ نادرةُ في ماهرَ وقالتْ وهيَ تبكي وهوَ واقفٌ فوقها ليسَ بأفضلَ حالٍ منها: نادرةُ: "أنقذْ ابنتي يا ماهرُ، أنقذها فلا عيشَ لي بعدها!" فسمعَ ذلكَ أشهبُ وأتى مُسرعًا لهم وأخذَ ولمسَ جلدها، وأيقنَ فعلًا أنَّها ميتةٌ لو لم يُسرعوا بإنقاذها. فذهبَ إلى أبيهِ وأخذَ أمَّهُ في حِضنهِ وقالَ لهم: أشهبُ: "علينا أن نُسرعَ، يمكنُ أن يكونوا في أثرنا، وسنأخذُ سرابَ وزوجها مُعتصمًا معنا لِندفنهم." وبالفعلِ، سمعَ الجميعُ كلامَ أشهبَ وساروا راكبينَ عليهِ بجُهدٍ جهيدٍ بعدَ أن أعطى أمَّهُ لأبيهِ، وتحوَّلَ وطارَ بهم نحو الجبالِ والعنقاءُ تئنُّ تارةً ويُغمى عليها تارةً أخرى.