الفصل السادس عشر: صوت في الظلام
ساد الظلام الدامس أرجاء المسرح الكبير وانقطع الصوت تماماً، وكأن العالم قد توقف عن الدوران في لحظة واحدة. ساد صمت مريب وصادم بين آلاف الحاضرين في القاعة، ثم بدأت همسات الذعر والارتباك ترتفع تدريجياً. خلف الكواليس، كان مهندسو الصوت يصرخون بهلع عبر أجهزة اللاسلكي، والسكرتير تشوي يركض نحو غرفة المولدات الكهربائية بعد أن أدرك أن الأمر مدبر بفعل فاعل.
في وسط هذا الظلام، كانت يـون-آه تقف وحيدة تحت الضوء المنطفئ. شعرت ببرودة الخوف تتسلل إلى أطرافها مجدداً، وتذكرت كل اللحظات الصعبة التي مرت بها. نظرت نحو المقاعد الأمامية حيث تجلس هان سو-جين، وبرغم العتمة، استطاعت يـون-آه لمح بريق عيني سو-جين الشامتتين والابتسامة الخبيثة التي ترتسم على شفتيها، وكأنها تعلن انتصارها النهائي وسقوط يـون-آه أمام الملايين.
تراجعت يـون-آه خطوة للخلف، وكادت أن تسقط دموع خيبتها، لكنها فجأة لمحت ظلاً مألوفاً يتحرك عند زاوية المسرح القريبة منها. لم يكن سوى جـو-وون. كان واقفاً هناك في العتمة، وعيناه الحادتان تلمعان ببريق دافئ وثابت كالنجم المرشد في عرض البحر. لم يتحدث، ولم يصرخ، بل وضع يده فوق موضع قلبه، ونظر إليها بنظرة مليئة بالثقة المطلقة والعشق العهيد، كأنه يقول لها بصمت: "أنا هنا، وموسيقاكِ لا تحتاج إلى كهرباء لتصل إلى القلوب".
في تلك اللحظة بالذات، انقشع الخوف من صدر يـون-آه تماماً وحل محله كبرياء وشجاعة لا تهزم. أخذت نفساً عميقاً، وأمسكت بغيتارها الخشبي القديم الذي رافقها في شوارع سيول الممتدة، وقدمت خطوة ثابتة نحو حافة المسرح القريبة من الجمهور. وبدون أي مكبرات صوت أو إضاءة، ضربت بأصابعها بقوة على أوتار الغيتار لينطلق لحن نقي، قوي، وداوئ في أرجاء القاعة الساكنة.
فتحت يـون-آه فمها وانطلق صوتها الطبيعي؛ كان حراً، عذباً، ومهيباً بشكل خارق للطبيعة. غنت المقطع الأخير من اللحن الجديد، المقطع الذي كتبته من أعماق روحها لجـو-وون. صوتها كان قوياً لدرجة أنه تردد في زوايا المسرح المظلمة واخترق قلوب الحاضرين مباشرة، دون حاجة لآلات أو تكنولوجيا.
شهدت القاعة تحولاً تاريخياً؛ صدم الجمهور من روعة وجرأة هذا الأداء الحي غير المتوقع. وفجأة، قام أحد المعجبين في الصفوف الخلفية بإشعال كشاف هاتفه المحمول ورفعه عالياً تضامناً معها. وتبعه شخص آخر، ثم عشرة، ثم مئة، وخلال ثوانٍ معدودة، اشتعلت أضواء آلاف الهواتف المحمولة في القاعة بأكملها، ليتلألأ المكان فجأة وكأن المسرح يسبح وسط سماء ليلية مليئة بالنجوم البراقة الساحرة.
تحول الفخ الذي نصبته سو-جين إلى لوحة فنية أسطورية لم تشهدها مسارح سيول من قبل. تلاشت ابتسامة سو-جين وحل محلها رعب وذهول عارم وهي ترى الجمهور يقف إجلالاً وتبجيلاً لصوت يـون-آه، وأدركت في تلك اللحظة أن خطتها الخبيثة قد تحطمت تماماً، وأنها جعلت من يـون-آه بطلة قومية في نظر الإعلام والجمهور.
أنهت يـون-آه الأغنية بنوتة موسيقية طويلة ودافئة هزت مشاعر الجميع. وفي اللحظة نفسها، عاد التيار الكهربائي فجأة لتنفجر القاعة بأكملها بصوت تصفيق حاد، وصراخ وهتافات بإسمها هزت أركان المبنى. انحنت يـون-آه للجمهور والدموع تنهمر من عينيها، لكنها دموع الفوز الساحق.
استدارت يـون-آه وركضت نحو الكواليس فوراً، دون أن تنتظر المقابلات. وبمجرد أن عبرت الستار، وجدت جـو-وون واقفاً بانتظارها. لم تتردد لثانية واحدة؛ ارتمت في أحضانه بقوة، ودفنت وجهها في صدره العريض وهي تبكي بفرحة عارمة. أحاطها جـو-وون بذراعيه القويتين، وضغط على جسدها الصغير نحو قلبه الذي كان ينبض بجنون وفخر غير محدود، وقبل رأسها وعنقها بقبلات دافئة ومتتالية.
رفع جـو-وون وجهها ب كفيه، ونظر في عينيها اللامعتين وقال بصوت مخنوق من شدة التأثر: "لقد كنتِ مذهلة يا حبيبتي.. الليلة، ركع العالم كله تحت قدمي نجمتي المضيئة". واقترب واحتضن شفتيها في قبلة فرنسية عميقة، طويلة وساحرة وسط صخب التصفيق القادم من الخارج، قبلة أعلنت نهاية الظلام وبداية عهدهما الذهبي معاً، بينما كانت الشريرة سو-جين تخرج من القاعة وهي تجر أذيال الخيبة والهزيمة النكراء بعد أن تم توثيق تآمرها بكاميرات المراقبة.