الفصل الثالث
*ࢪواية سليم والمراهقة10-11-12🩶🧜🏻♀️*
اعتذر عن التأخير كنت بكتب رواية لاحد المسابقات ورجعت لإكمال الرواية.
البارت العاشر _سليم والمراهقة _
مكتب واسع بديكورات داكنة، زجاج يطل على القاهرة سليم يجلس خلف مكتب ضخم، ملامحه حادة، نظراته صارمة على الطاولة ملفات، هاتف، وصورة صغيرة مقلوبة الوجه.
تدخل سلسبيل مترددة، يرافقها موظف حتى الباب ثم يتركها.
صوت حذائها يرن في المكان الهادئ تتوقف أمام المكتب، يرفع سليم عينيه إليها.
سليم بصوت منخفض وج*امد: اتفضلي قعدي.
سلسبيل بصوت مرتجف: مش هقعد أنا مش جايه علشان أقعد.
سليم يميل للخلف في كرسيه: طيب ليه جيتي إذن؟
سلسبيل: عايزة أفهم أنت ليه كنت دايمًا حوالينا؟ وليه سارة.
سليم يقاطعها بح*دة: ما تجيبيش سيرة سارة هنا.
سلسبيل تتنفس بعمق: كانت صديقتي مات*ت وزعلانة ولو لك علاقة باللي حصل.
سليم يقف فجأة: اسكتي! ما تعرفيش حاجة عن اللي حصل.
سلسبيل تتراجع خطوة للخلف: أنت بت*خوفني ليه؟ أنا مش عاملة حاجة.
سليم صوته يهدأ فجأة: أنا مش بخي*فك أنا بحميك حتى لو مش فاهمة.
لحظة صمت.
سليم ينظر إلى عينيها نظرة طويلة، فيها شيء من الح*زن، لكنه يشيح بوجهه فورًا حتى لا يظهر ضعفه.
سليم بصوت خافت: اللي حصل لسارة كان أكبر منكم كلكم ما تفتحيش المواضيع دي دلوقتي.
سلسبيل بح*زن: كانت أقرب إنسانة ليا راحت من غير ما تسامحني وجاية تسألني ليه.
سليم: أوقات الغلط مش كله عليكِ ولا عليها الدنيا أق*سى من كده.
سلسبيل تبص له مستغربة، ما تعرفش هو مين بالضبط.
سليم يضغط على جرس مكتبه، يدخل الموظف.
سليم: وصّل الآنسة لحد باب الشركة.
سلسبيل تتمتم: أنت مين بالظبط ؟
سليم يلتفت لها للحظة: هتعرفي بس مش دلوقتي.
في عالم الاستيراد والتصدير كان يتحرك كأنه أسد في غابة، شركات منافسة تس*قط واحدة تلو الأخرى، رجال أعمال أقوياء يختفون فجأة من الساحة أو يعلنون إفلاسهم، والكل يعرف أن سليم يقف وراء ذلك لكنه لا يترك أثرًا.
جلس في مكتبه الفخم يوقّع على عقد جديد، ابتسامة باردة على وجهه، أمامه رجل أعمال كان يحاول منذ أشهر أن ينافسه على صفقة كبرى رفع سليم رأسه نحوه بعينين رماديتين قاسيتين وقال سليم بهدوء مرع*ب: أنا مش بحب أكرر كلامي لو شفتك مرة تانية بتحط اسمك جنبي في أي مزاد مش هتكون واقف على رجلك.
الرجل ارتعش رأسه، مدّ يده للملف وهو يعتذر سليم اكتفى بنظرة إزد*راء، ثم أدار كرسيه نحو النافذة.
كان يعلم أن الناس يرونه قاس*يًا، لكن في الداخل كان هناك ج*رح آخر أخته الصغيرة شهد.
شهد كانت روحه يومًا ما، كل ما تبقى من أمه بعد م*وتها لكن عندما أراد أن يحميها على طريقته أجب*رها على الزواج من رجل يراه مناسبًا ليحميها ويؤمّن مستقبلها هي لم ترَ فيه إلا خ*يانة وباعتها في نظرها ومن يوم زفافها وهي لا ترد على اتصالاته، لا تزوره، ولا تناديه إلا باسمه مجردًا: سليم بدلًا من أخويا.
ليالي طويلة كان سليم يسهر في مكتبه بعد أن يغادر الموظفون، ينظر إلى صورة صغيرة تجمعهما في طفولتهما، يحاول يقنع نفسه أنه فعل الصواب لكنه في كل مرة يسمع صدى كلمتها الأخيرة يوم الزفاف:أنا بك*رهك يا سليم.
يبتلع الق*سوة كما يبتلع حبوب الدواء ويعود ليمارس عمله، ك*وحش يعرف أنه لو توقف لحظة سيؤكل، فيزيد عن*فًا في السوق ليُسكت صوت الذن*ب في داخله.
في شقة واسعة في حي راقٍ من القاهرة، كانت شهد واقفة قدام الشباك، إيديها متشابكة وعينيها متعلقة بالشارع تحت صوتها عالي مليان غ*ضب شهد: أنا مش هعرف أعيش كده إنت اتجوزتني غص*ب عني! ليه حرمتني من حياتي ومن اختياري؟ ليه يا آدم؟
زوجها آدم كان قاعد على الكنبة، ماسك فنجان القهوة، شكله هادي بس عينيه فيها تع*ب رفع عينه ليها وقال بنبرة أقرب للصعيدي آدم: يا بنت الناس أنا ما أجبرتكش بإيدي، أخوكي اللي عمل كده.
بس من يوم ما دخلتي بيتي وأنا بقولك أنا بحبك، وبحاول أرضيكي سنة كاملة وإنتي كل يوم نفس الكلام.
لو مش مرتاحة معايا، أهو الباب قدامك الط*لاق مش عي*ب ولا ح*رام بس أنا ما أتحملش كل يوم تسمعيني نفس اللي بتقوليه.
شهد استدارت نحوه بعينين تلمع فيها دموع
مق*هورة شهد: بتحبني؟! بتحبني وإنت عارف إن قلبي مش معاك! بتحبني وإنت ما سألتش نفسي قبل الجواز؟
آدم قام وراح ناحيتها، وقف على مسافة صغيرة وقال بهدوء
آدم: سألت بس ما كنتش هعرف أقولك لا.
أنا بجد بحبك يا شهد وحاولت، والله حاولت أكسب قلبك بس لو إنتِ مش عايزة تكمّلي، قوليلي بدل ما تفضلي كل يوم تع*ذبيني بالكلام.
شهد سكتت، الدموع نزلت على خدّها، وهو لأول مرة يحس قد إيه الكلام ده ك*سر قلبه هي بت*كرهه لأنه رمز الإك*راه اللي حصل لها، وهو بيحبها ومش قادر يسيبها.
بعد ما خلص الكلام وطلع من الأوضة، قفل الباب وراه وقعد على الكرسي في الصالة فنجان القهوة برد على الطاولة وهو مش قادر يمد إيده ليه مسح على وشه بإيده، حاسس بالخذلان آدم بينه وبين نفسه: يا رب أنا عملت إيه غلط؟ أنا بحبها بجد، من أول يوم شفتها حتى وهي داخلة بيتي زع*لانة وم*قهورة قلت في نفسي هأكسب قلبها، هأخليها تحس بالأمان سنة كاملة وأنا بحاول أضحكها، أجيب لها اللي تحبه، أكون راجل ليها قبل ما أكون زوج. بس كل يوم نفس الكلام أنا تعبت.
عينيه دمعت وهو بيكمل في صمت آدم: بس برضه مش قادر أك*رهها، مش قادر أسيبها.
في نفس الوقت كانت شهد واقفة في أوضتها، لسه دموعها على خدودها سكتت لما سمعت الباب يتقفل وهدأت الأصوات قربت من المرآة وبصّت على نفسها، الشحوب والت*عب ظاهرين في وشها لمعت دمعة جديدة في عينها شهد بينها وبين نفسها: أنا ظ*الماه هو مالوش ذن*ب هو ما أجبرنيش بإيده أنا بس حمّلت عليه كل غي*ظي من سليم ومن اللي حصل وهو كل يوم بيحاول يرضيني يمكن أنا فعلاً بحبه بس مش قادرة أعترف.
تنهدت، قلبها كان بيدق بسرعة وهي تتذكر ح*زنه في عينيه. مسحت دموعها بيدها وقالت بصوت
منخفض شهد: كفاية بقى لازم أغيّر.
قامت فتحت الدولاب بهدوء، طلعت شنطة صغيرة فيها حاجات كان بيحبها آدم صور قديمة، كتاب كان قال لها عليه، وقررت تجهز له مفاجأة بسيطة تعمله عشاء من إيديها، وتكتب له رسالة تعتذر فيها لأول مرة كانت مشاعرها متلخبطة ما بين الخ*وف من رد فعله والأمل إنه يفرح.
في ليلة هادية، الشقة كلها ساكتة إلا من صوت خفيف جاى من المطبخ شهد لابسة طرحة بسيطة، ووقفة على البوتاجاز تقلب في حلة صغيرة ريحة الأكل كانت مالية المكان كانت بتحاول تفتكر كل حاجة هو بيحبها حطت الأطباق على الترابيزة بنفسها، وشمعة صغيرة في النص من غير ما تبالغ.
قلّبت الرسالة اللي كتبتها بإيديها، قلبها كان بيدق جامد الرسالة مكتوب فيها بخطها:آدم أنا كنت ظ*الماك كنت بكره الموقف مش بكرهك يمكن أنا بحبك بس خايفة أقولها سامحني لو جرح*تك في يوم أنا نفسي نبتدي من أول وجديد.
مسحت دموعها بسرعة قبل ما ييجي.
دخل آدم البيت بهدوء كعادته بعد الشغل، أول ما فتح الباب اتفاجئ بالريحة وقف في الصالة مش فاهم إيه اللي بيحصل شهد خرجت له من المطبخ بابتسامة مترددة، لابسة فستان بسيط كانت عارفة إنه بيحبه عليها.
آدم: إيه ده يا شهد؟ انتي عاملة كل ده؟
شهد بخجل: آه حبيت أعمل لك حاجة من إيديا.
جلسوا على الترابيزة في صمت لحظة، وبعدين شهد دفعت له الرسالة بإيدها وهي مش قادرة تبص في عينيه آدم فتح الورقة وقرأها بهدوء أول ما خلص، رفع عينيه ليها كانت هي متوترة جداً.
قرب منها، صوته كان مبحوح آدم: هو ده الكلام اللي كنت نفسي أسمعه منك يا شهد سنة كاملة مستني اللحظة دي.
مد إيده بهدوء ولمس إيدها دموعها نزلت غص*ب عنها ابتسم وهو بيقول آدم :يلا بقى ناكل سوا ونبتدي من أول وجديد زي ما كتبتي.
ابتسمت شهد لأول مرة بجد من قلبها حسّت إنها بتتنفس بعد اخ*تناق طويل كانت لحظة بسيطة لكنها ك*سرت الحاجز اللي بينهم.
كان النهار لسه في أوله لما وقف سليم قدام باب شقة أخته شهد شكله مختلف عن المعتاد، بدلته الغالية ولغته الواثقة زي ما هي، لكن في عينيه حنين خفيف دق الباب بهدوء.
آدم فتح له بابتسامة صافية آدم: أهلاً يا سليم نورت البيت.
سليم: إزيك يا آدم حبيت أزوركم كده من غير ميعاد.
دخل سليم، شم ريحة القهوة والأكل اللي لسه طازة كان الجو في الشقة دافئ غير المعتاد خرجت شهد من المطبخ لما سمعت صوت أخوها كانت لابسة حاجة بسيطة وابتسامتها مختلفة، فيها صدق لأول مرة من شهور.
وقفت قدامه لحظة، اتقابلت عينيهم كان في حاجز بينهم طول الوقت، حاجز من خ*وفها وتمرّدها على كل حاجة، لكن النهارده كان في شيء مختلف قربت منه وخدت نفس طويل وبعدين فجأة احت*ضنته بقوة، زي زمان وهي صغيرة.
اتسعت عينا سليم من المفاجأة، وبعد ثواني حض*نها هو كمان وضحكة صغيرة طلعت من صدره سليم بصوت منخفض: ياااه يا شهد وحشتيني بجد.
دموع خفيفة نزلت من عين شهد وهي بتقول شهد: سامحني يا سليم أنا كنت بك*ره كل اللي حصل مش بك*رهك أنت كنت حاسة إنك السبب في كل حاجة.
مسح سليم على شعرها وقال سليم: خلاص يا حبيبتي، المهم إنك بخير وسعيدة أنا كل اللي كنت عايزه إنك تبقي بخير حتى لو كنتِ زع*لانة مني.
آدم كان واقف جنبهم، مبتسم، وشايف للمرة الأولى أسرة صغيرة بتتصالح بعد وقت طويل الجو كله بقى أخفّ، حتى سليم نفسه حس إن قلبه الث*قيل خفّ شوية لما شاف شهد بتسامحه وتح*تضنه.
جلسوا كلهم على القهوة، والضحك بدأ يملأ المكان بعد شهور من الصمت كان واضح إن بداية جديدة حقيقية بدأت مش بس لشهد وآدم، لكن حتى لسليم اللي لسه قلبه ح*جر في الخارج، لكنه مع أهله رجع إنسان تاني.
البارت الحادي عشر _ سليم والمراهقة _
خرج سليم الجندي من شقة شهد وهو حاسس براحة ما حسش بيها من زمان الهواء الصبحاني ضرب وشه وهو نازل على السلم، لكن ما كملش خطوات قليلة إلا ووشه اتقفل تاني واتلبس وش سليم المعروف في القاهرة كلها الرجل اللي اتربى في بيت رشيد الابنودي وصار الذراع اللي بت*ضرب لكل نفوذ العيلة.
ركب سيارته السودا الفارهة فارس كان مستنيه على الكرسي الأمامي أول ما شافه رجع الصوت الخشن لأوامره .
سليم: فين الولاد اللي اتجرأوا علينا في الميناء؟
فارس: اتمسكوا اتنين وباقي واحد هرب بس الناس خايفة تتكلم.
سليم بصّ قدامه بعينه الجامدة اللي ما بترمش وقال ببرود : ما فيش حد يهرب اللي يوقف في وشي لازم يعرف يعني إيه سليم الجندي أنا مش بلعب.
وصلوا لمخزن قديم في أطراف القاهرة أول ما نزل، الناس اتفرقت من قدامه رجاله كانوا عاملين صف على الجنبين كلهم يعرفوا إن ده الوجه التاني لسليم الوجه اللي ما يعرفش رح*مة ولا تفاهم.
دخل المكتب الضخم اللي فيه شاشة كبيرة وخرائط للموانئ وخطوط التهريب جلس على الكرسي الجلدي، مسك سي*جارته وولعها وهو بيقول لفارس: اللي يخ*وننا يت*قطع من جذوره أنت عارف أنا ما بسيبش دَ*مّ على الأرض.
كانت النبرة مختلفة تمامًا عن اللي سمعها فارس من ساعة وهو فوق بيح*ضن أخته التناقض ده هو سر سليم في البيت أخ وأب حنون، وفي الشغل رجل ما يعرفش إلا القوة والهيبة.
فارس هز راسه وقال:فاكر لما كنت دايمًا تقول لي مش هتسيب الشغل ده يا سليم إلا لما تحط كل الناس تح*ت رجلك؟
سليم نفخ دخان سي*جارته وقال بهدوء: وأنا لسه عند كلامي.
كانت الشمس لسه طالعة، والشارع في وسط القاهرة مزدحم بالعربيات والناس سليم كان نازل من العربية الفارهة بتاعته قدام ورشة صغيرة في الحارة اللي اتربّى فيها.
لمّا شاف أبو ياسين الراجل العجوز اللي كان بيقف على باب الورشة قام على طول ابتسم ونزل له:إزيك يا عمّ ياسين؟ أخبار صحتك إيه؟
الراجل ابتسم وقال:الحمد لله يا بني الدنيا صعبة بس ربنا كبير.
مد سليم إيده بحنو، حط في يد الراجل ظرف مقفول:دي بس عشان ما تشيلش هم العلاج أنا جيت أطمّن عليك، وعايزك تخلّي بالك من نفسك.
الراجل بكى من الفرحة وقال له: ربنا يعزك يا سليم أنت ابن أصل.
سليم ابتسم وربّت على كتف الراجل، وساب له رقمه علشان يكلمه لو احتاج أي حاجة.
بعد ساعات، كان سليم في مكتبه الكبير في الشركة قاعد على مكتبه وبصّته حادة قدامه كان واقف شاب لابس بدلة شيك بس باين عليه متوتر.
سليم بصّ له بنظرة باردة:أنا عرفت كل حاجة عن الصفقة اللي حاولت تاخدها من ورا ضهري.
الشاب اتلعثم: يا أستاذ سليم أنا أنا ما قصدتش.
سليم قطعه بصوت منخفض لكن حاد:أنا بحب الناس اللي بتشتغل معايا بضمير، لكن الخ*يانة عندي ليها تمن الصفقة اتسحبت منك رسميًا، والتعاقد اللي بينا انتهى حالًا اعتبر نفسك من اللحظة دي برّه شركتي وبرّه السوق اللي أنا فيه.
الشاب حاول يتكلم لكن سليم رفع إيده بإشارة إنه يخرج فورًا.
الجو بقى بارد، صمت ثقيل سيطر على المكان الموظفين اللي برا المكتب بصّوا لبعض بخوف، الكل عارف إن سليم لو حبّ يكون لطيف بيبقى ملاك، لكن لو غض*ب بيتحوّل لحد تاني.
في بيت العائلة الكبير كان فيه عزومة بمناسبة نجاح ابن بنت خالته الصغير القاعة مليانة ناس وأصوات ضحك وأطفال بيلعبوا.
سليم واقف وسطهم، لابس بدلة بسيطة بس أنيقة، مبتسم وبيصافح الكل.
أول ما دخلت خالته العجوز اللي مش قادرة تمشي كويس، راح لها على طول، مسك إيدها بحنان:حمد الله على السلامة يا خالتي، اتفضلي هنا، الكرسي ده ليكي.
جابلها طبق من الأكل بنفسه وقال:إحنا من غيرك ما نسواش، ربنا يديكي الصحة.
الست بكت وقالت:ربنا يخليك يا سليم، إنت دايمًا ابن حلال.
بعد شوية، وسط الضحك والجو العائلي، شاف سليم شاب غريب بيقرب من ابنة خاله وهو بيحاول يصورها من غير ما تاخد بالها.
ابتسامته اختفت فجأة.
خطا خطوات سريعة، وصل للشاب قبل ما حد يلحظ، مسك إيده بقوة لكن بصوت هادي:إحنا في بيت عيلة محترمة إنت مين وبتعمل إيه؟
الشاب حاول يتهرّب: ده بس صورة عادية.
سليم شد على إيده أكتر ونظرته بقت باردة:اطلع الصور اللي على موبايلك حالًا، وإلا أتعامل معاك بطريقة تانية.
الشاب ارتبك ومسح الصور بسرعة.
سليم مسكه من كتفه ووجّهه ناحية الباب:أنت مش ضيف عندنا بعد اللي عملته امشي دلوقتي.
الكل سكت من المفاجأة، الجو اللي كان مليان ضحك بقى هدوء متوتر، والناس بصّت لسليم بخ*وف واحترام في نفس الوقت.
رجع سليم بعد ما خرج الشاب، ابتسم تاني لأهله كأن مفيش حاجة حصلت، وبصّ لابنة خاله:متخافيش يا ريم أنا معاكِ.
مرت شهور بعد الحادث اللي وقعت فيه كريمة على السلم وأجهضت البيت بقى ساكت لفترة طويلة، لكن رويدًا رويدًا بدأ يحصل تغيير في القلوب.
حسام، ابنها الكبير، اللي كان مت*مرد واندفاعي، بقى يدخل عليها المطبخ يساعدها من غير ما تقول.
ماما سيبِي الطبق ده أنا اللي هغسله.
تنظر له كريمة بهدوء، عينيها فيها دمعة لكنها تكتمها:خلاص يا حسام أنا قادرة.
لا يا ماما، سيبِيلي أنا كفاية اللي عملته فيكي.
آسر يقف بجوارها يضحك وهو ماسك الكوب:يا ماما أنا بقولك إيه بقى عندك اتنين بيخدموكي.
كريمة تبتسم ابتسامة صغيرة:ربنا يصلح حالكم يا ولادي.
أما محروس، الزوج اللي طول عمره بارد وبخ*يل، بقى يظهر من حين للتاني وهو جايب حاجة بسيطة كيس فاكهة، شوكولاتة، حتى لو حاجة رخيصة.
يدخل البيت يقول لها بصوت متردد:كريمة أنا جبتلك حاجات كنتي محتاجاها.
تنظر له كريمة بثبات، تمسك الكيس وتقول:شكرًا.
ما بقتش تت*خانق ولا تلومه، لكن في نفس الوقت ما نسيتش اللي حصل تعاملاته بقت أهدى شوية، وهي تحاول تفضل متماسكة، تحافظ على وقارها.
في يوم جمعة، وهي بتحضر الغدا، دخل حسام وآسر عليها ومعاهم وردة صغيرة.
حسام قال:دي ليكي يا ماما مننا احنا الاتنين.
الدموع نزلت على خدها من غير ما تحس حضنت الاتنين، قلبها بينبض فرح وخوف في نفس اللحظة.
هي عارفة إن الج*رح اللي حصل جواها مش سهل يطيب، لكن على الأقل بقى فيه بصيص دفء بيرجع للبيت.
ليل هادي في الحارة محروس راجع من الشغل متأخر، شايل همومه على كتفه بيفتح باب الشقة التانية اللي مأجرها لمراته التانية، يلاقي الباب موارب وصوت ضحك جاي من جوه يوقف مكانه لحظة، قلبه يدق بسرعة، يمد إيده يفتح الباب أكتر.
يلمح منظر ما كانش يتوقعه أبدًا الخ*يانة قدامه واضحة، من غير حتى كلام.
يسيب المكان وهو مش قادر يتنفس، يركب عربيته ويمشي في الشوارع من غير ما يعرف رايح فين دموعه نازلة من غير ما يحس، كل الكلام اللي كان بيقوله لكريمة زمان بيلف في دماغه.
يرجع البيت عند كريمة من غير ما يدري بنفسه، يلاقيها قاعدة في الصالة مع ولادها، آسر وحسام ومنى هي وقورة زي ما هي، ملامحها فيها تع*ب لكن فيها هدوء.
يقول لها بصوت مك*سور لأول مرة:كريمة أنا أنا غلطت فيكي كتير.
ترفع عينيها عليه بهدوء:إيه يا محروس؟ مالك؟
ما تسألينيش بس أنا كنت أع*مى، كنت فاكر إني بعيش صح بس طلعت خاس*ر كل حاجة.
الولاد ينظروا لبعض في صمت كريمة تقف ببطء وتقول له:لو عايز تراجع نفسك، راجعها بعيد عني وعن ولادي.
محروس يهز راسه:أنا هراجع نفسي، وهعوضكم إنتي والولاد بس اديني فرصة.
بعد أيام قليلة بدأ يظهر التغيير بقى يقعد مع آسر وحسام ومنى،يحكي معاهم، يسيب فلوس للبيت، يروح السوبرماركت بنفسه يجيب الطلبات يقف مع كريمة في المطبخ، حتى لو بس واقف ساكت، كأنه بيقول لها: أنا هنا.
كريمة من جوه قلبها لسه مج*روحة، ولسه مش مستعدة تسامح بسهولة، لكنها حست لأول مرة من سنين إنه بيحاول فعلاً، مش بس كلام.
الشمس كانت لسه طالعة في وسط القاهرة، الشارع زحمة بس سلسبيل كانت ماشية بسرعة وهي ماسكة شنطتها الصغيرة لابسة يونيفورم بسيط لونه أبيض مع مريلة سودة قلبها يدق بسرعة من التوتر، ده أول يوم شغل ليها بعد كل اللي حصل.
الكوفي شوب اللي هتشتغل فيه في وسط البلد، شكله شيك بس مش غالي فيه ناس داخلة طالعة، روائح القهوة والمخبوزات مليّا المكان.
المدير نادى عليها:يا سلسبيل تعالى يا بنتي ده مكانك، هتستلمي الترابيزة دي والترابيزة دي.
حاضر يا أستاذ قالتها بصوت واطي.
بدأت تمسح الطاولات وتاخد الطلبات رغم التع*ب اللي في عينيها، كانت بتحاول تبتسم للزبائن أول ما سمعت كلمة شكرًا من واحدة قاعدة على الطاولة، حسّت بحاجة صغيرة بتحييها من جوه، كأنها بتثبت لنفسها إنها قادرة تقف على رجليها من تاني.
في البريك، قعدت على الكرسي جوه المطبخ الصغير تشرب شاي سمعت زميلتها تقول لها:واضح إنك شاطرة يا سلسبيل دي أول مرة تشتغلي نادلة؟
أيوه بس لازم أتعلم بسرعة.
ولا يهمك، هتمشي زي الفل.
خرجت بعد البريك، لقت زحمة أكتر صوت الماكينة، ضحك الناس، كأن الحياة كلها ماشية من حواليها وهي بتحاول تمشي معاها.
ولأول مرة من مدة طويلة، وهي ماشية بين الطاولات، حسّت إنها بتعمل حاجة لنفسها، مش بس هاربة من اللي حصل حتى لو الشغل بسيط، حتى لو الأجر قليل، بس فيه إحساس بالكرامة والاستقلالية.
الكوفي شوب كان زحمة بعد الظهر، سلسبيل لابسة اليونيفورم وتمشي بين الترابيزات بسرعة وهي شايلة صينية عليها طلبات فجأة وهي ماشية عند الباب حسّت بإيد تمسكها من وراها بطريقة متح*رشة اتسمرت في مكانها، قلبها وق*ع من الخضة.
الزبون، شاب لع*وب، قال بنبرة مستفزة:يا قمر ماشيين علينا كده من غير ما تدينا ابتسامة؟!
حاولت تشيل إيده من عليها:سيبني حالاً!
لكن هو قرب منها تاني وضحك ضحكة وح*شة.
في اللحظة دي الباب اتفتح بع*نف سليم كان واقف برا، لابس بدلة غامقة ونظارة شمس، كان جاي يقابل حد عينه وقعت على المشهد كل حاجة اتغيرت في ثواني؛ ملامحه اللي كانت هادية اتحولت لصقر جايب صيد.
مش سمع غير أنفاسه وهو بيه*جم على الشاب م*سكه من ياقة قميصه وشده لحد الحيطة صوته خرج زي الرعد:إيدك دي تت*قطع قبل ما تمدها على واحدة تاني! فاهم!
الناس اللي في الكوفي وقفوا مذهولين الشاب حاول يتكلم بس سليم زقه بقوة وقع على الأرض.
سلسبيل كانت واقفة مرع*وبة، إيديها بترتعش صاحبتها اللي في الكوفي، لبنى، جريت عليها تمسكها:اهدَي يا سلسبيل خلاص، هو مش هيتعرضلك تاني.
سلسبيل دموعها نزلت من الخضة، مافيش صوت بيطلع من حلقها.
سليم رجع يبص عليها، عينه فيها ن*ار بس صوته بقى واطي وهو بيقول للبنت اللي معاها:سيبيها لي.
قبل ما حد يلحق يفكر، سليم مد إيده شال سلسبيل من وسط الناس، حطاها في حض*نه كأنه شايل طفلة وخرج بيها من الكوفي أصوات الناس وراهم اتلخبطت ما بين شهقات وتعليقات، لكن سليم ما بصلش لحد.
الهواء برا كان سخن، بس هي حسّت ببرودة في جسمها كله كانت من*هارة بين إيديه، مش قادرة تتحرك كل اللي سمعته دقات قلبها ودقات خطواته السريعة لحد ما وصل للعربية السودا الفارهة وفتح الباب الخلفي بلطف وحطها جوه.
هو دخل من الناحية التانية وقفل الباب العربية اتحركت وهي لسه ماسكة نفسها بالعافية، ولبنى وقفت قدام باب الكوفي مش فاهمة اللي حصل غير إن سلسبيل اختفت في لحظة.
كانت العربية ماشية بهدوء وسط زحمة الشارع، أضواء المحلات والشوارع تعدي زي الشريط قدام عين سلسبيل جسْمها كله بي*رتعش ولسانها عاجز عن النطق، دموعها لسه على خدودها سليم قاعد جنبها، جسمه الضخم واخد مساحة كبيرة في الكرسي، لابس بدلة غامقة وريحتها غالية.
مد إيده بهدوء من غير ما يتكلم، سح*بها شوية ناحيته لحد ما رأسها استقرت على صدره قلبه بيدق جامد بس ملامحه ما بتتحركش لأول مرة من مدة طويلة، كانت فيه حاجة في عينيه غير الق*سوة اللي الناس عارفينها عنه.
هي ما سألتش هو مين ولا ليه بيعمل كده، بس كل اللي حسّت بيه إنه المكان ده رغم غُربته مأمون ريحته، صوته وهو بيقول كلمة هادية:اهدي يا سلسبيل خلاص أنا معاكي.
خلت دمعها يزيد بس جسمها يهدا شوية شوية.
أصابعها كانت ماسكة في جاكيت البدلة من غير ما تحس عينيها بقت تقفل وتفتح، الرع*ب والإرهاق عملوا في جسمها اللي عملوه سليم فضل ساكت، بيمسح بإيده على شعرها بحركة بسيطة جداً كأنه بيهدي طفل.
الدنيا برا كانت دوشة، بس جوه العربية فيه هدوء غريب. ومع آخر نفس مرتعش خرج من صدرها، سلسبيل نامت فعلاً وهي متشبثة فيه، كأن جسمها سلّم نفسه للنوم والأمان اللي حسّت بيه للحظة.
سليم بصلها بنظرة طويلة، على وشه ابتسامة صغيرة مش معتادة عليه، حاجة بين الشفقة والغض*ب حط إيده على الباب وهو بيوجه السواق:على القصر.
والعربية كملت طريقها وسط القاهرة، وهي نايمة على صدره مش حاسة باللي حواليها ولا حتى بالمكان اللي هيوصلها ليه.
البارت الثاني عشر _ سليم والمراهقة _
فتحت عينيها على صوت ناعم حوالين أذنيها، كان صوت المكيف، ونور خافت جاي من شمعدان ذهبي على الحيطة سلسبيل بصت حواليها بخ*وف سرير واسع، ملايات بيضا ناعمة، ستاير تقيلة لونها رمادي غامق، وريحه خفيفة شبه العود ماليه المكان.
قعدت بسرعة، قلبها بيدق كأنها كانت بتحلم حلم مش مفهوم.
أنا فين؟!
الكلمة خرجت منها بصوت واطي، أقرب للهمس.
افتكرت كل حاجة في لحظة الشاب اللي ضايقها في الكوفي، الراجل اللي أنقذها، حض*نه اللي حست فيه بالأمان، والسواد اللي بعدها معرفتش منه حاجة.
قامت بخطوات بطيئة ناحية الشباك، الستارة تقيلة، بس لما فتحتها شافت منظر غريب حديقة ضخمة، نافورة بتجري، وقصر فعلاً، مش بيت عادي.
في اللحظة دي الباب اتفتح بهدوء. دخلت ست كبيرة شيك، لابسة طقم رمادي ومشيتها واثقة مساء الخير يا آنسة، حضرتك فوقتي أخيرًا؟
أنا أنا فين؟! أنا جيت هنا إزاي؟!
الست ابتسمت ابتسامة مهنية وقالت:حضرتك كنتي تعبانة، الباشا جابك بنفسه، وقال محدش يضايقك ولا يسألك سؤال لحد ما تفوقي.
سلسبيل اتج*مدت مكانها:الباشا؟!
أيوه يا بنتي الأستاذ سليم الجندي.
الاسم وقع في ودانها غريب، كانت سمعته قبل كده من الناس في الحي، بس عمرها ما شافته فعلاً سكتت شوية، إيديها بتترعش وهي تحاول تفتكر ملامحه في العربية.
الست قالت بهدوء:الباشا قال أول ما تصحي تفضلي ترتاحي، الأكل جاهز لو عاوزة، بس ما تحاوليش تمشي دلوقتي الدنيا بالليل، وبكرة الصبح كل حاجة تتوضح.
خرجت الست وسابت باب الأوضة يتقفل بهدوء، وسلسبيل وقفت في نص المكان مش عارفة تعمل إيه كانت خاي*فة، بس جواها إحساس غريب بالأمان نفس الإحساس اللي حست بيه لما نامت في حض*نه.
نظرت حوالين الاوضة، وكل حاجة فيها كانت بتقول إنها في عالم تاني غير عالمها البسيط، عالم راجل مهيب اسمه سليم الجندي.
واللي جواها كان بين خ*وف فضيع وفضول بيكبر كل دقيقة.
أيهم الراوي لم يكن مجرد ذراع سليم الأيسر، بل كان ظله الذي لا يفارقه، الرجل الذي يزن الأمور بعقلٍ راجح، ويكبح جماح ق*سوة سليم حين يشتعل غضبًا.
رجل في الثلاثينات، قوي البنية، حادّ الملامح، صموت، قليل الكلام، لكنه حين يتكلم تُصغى إليه العقول في عينيه نورٌ يشي بخشية الله، وفي صوته هدوء يُخفي خلفه صلابة من فولاذ.
لم يكن أيهم يختلط بالنساء، ولا يرفع بصره لغير عمله، حتى العاملات في مكاتبهم كنّ يقلن عنه إنه صخرة بملامح إنسان.
لكنه حين رأى سلسبيل للمرة الأولى، وهي تبكي في حض*ن سليم، شعر بشيء غريب يجذبه نحوها. لم يكن حبًا أو إعجابًا، بل شفقة نقية، وخوف على فتاة ضع*يفة وجدها القدر في طريق رجال لا يعرفون الرح*مة.
سليم أمره أن يعود بها للمنزل الآمن، ففعل دون اعتراض، لكن في طريق العودة، حين كانت سلسبيل غارقة في النوم، كان أيهم يسترجع الموقف في ذهنه، وصدره يضيق.
كان يقول في نفسه:من اللي يرضى على أخته يحصل فيها كده؟! الدنيا بقت ج*حيم.
حين استيقظت سلسبيل لاحقًا، رأت وجهًا مهيبًا، لكن مطمئنًا سألته بخوف:إنت مين؟
فقال بهدوء:واحد ربنا بعته في طريقك، خدي بالك من نفسك يا بنت الناس.
منذ ذلك اليوم، بدأت سلسبيل تشعر أن هناك من يراقبها من بعيد، لا لي*ؤذيها، بل ليحرسها.
أيهم ظل في الظل، لا يتكلم، لكنه كان يُرسل من يساعدها دون أن تدري، يطمئن على أحوالها، ويدعو لها في سجوده كل ليلة.
أما سليم، فكان يثق في أيهم ثقة ع*مياء كان يقول دائمًا:لو قلت لأيهم أمشي في ال*نار، هيمشي من غير ما يسألني ليه.
لكن مع الوقت، سيبدأ سليم يلاحظ أن صديقه الصموت بدأ يتغير.
صار أكثر حنانًا، أكثر حذرًا في تنفيذ الأوامر التي فيها أذ*ى للناس، وصار يسأله أحيانًا:يا سليم هو كل الناس تستحق الع*قاب؟ ولا في ناس ضاعت من غير ذ*نب؟
مرت أيام بعد حادثة المطعم، وسلسبيل لم تكن تعلم من هو ذلك الرجل الذي أنقذها كانت تظن أن الأمر انتهى، لكن القدر لم يكن قد قال كلمته بعد.
في أحد الأيام، دخل رجل طويل القامة إلى المقهى الذي تعمل فيه، ملامحه هادئة، يرتدي ملابس بسيطة، وعلى وجهه نور الإيمان.
لم تكن تعرف أنه أيهم الراوي جاء يبحث عن أحد العمال في مهمة لسليم، لكنه ما إن رأى سلسبيل حتى تجمّد للحظة، ثم خفف صوته وقال:السلام عليكم، يا أختي استأذنك في كوب شاي من غير سكر.
نظرت له بتردد، لكن حين ابتسم بخفة، شعرت بشيء مطمئن يلفها.
منذ ذلك اليوم، صار يمرّ أحيانًا، يجلس بهدوء، ويتركها في حالها لا يطيل النظر، ولا يفتح حديثًا غير ضروري، لكن وجوده صار يبعث في قلبها راحة غريبة.
في نفس الوقت، كان سليم يغرق أكثر في ظ*لمة السلطة والان*تقام.
يردّ بع*نف على من يعارضه، ويبرر قس*وته بأنها عدالة على طريقته.
عندها كان يظهر صوت أيهم، هادئًا، حازمًا:يا سليم، خلي بالك ربنا قال ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا مش كل اللي يقف ضدك عدو.
سليم كان يتنهد ويقول له:انت دايمًا شايف الخير في الناس يا أيهم، بس الدنيا دي ما فيها خير.
فيرد أيهم وهو يطرق رأسه:فيها يا سليم، بس إحنا اللي بطّلنا ندور عليه.
ومع الوقت، بدأ سليم يسمع له أكثر، ربما لأن كلماته كانت صادقة تخرج من قلب عامر بالإيمان.
كان أيهم يصلي في المكتب، يقرأ القرآن في استراحة العمل، ولا يترك وردًا من الأذكار حتى في أصعب اللحظات.
حتى سليم كان يعلّق ساخرًا:انت بتصلي أكتر من الشيخ اللي في الجامع.
فيرد بابتسامة خفيفة:يمكن عشان ذن*وبي أكتر منه.
أما سلسبيل، فقد صارت تراه أحيانًا من بعيد، وبدأت تشعر بالفضول نحوه.
وفي مرة، سقطت وهي تحمل صينية، فأسرع نحوها يساعدها دون أن يلمسها، فقط يرفع الصينية ويميل برأسه قائلًا:خلي بالك من نفسك يا بنت الناس الشغل رزق، بس الكرامة أهم.
لم تنم تلك الليلة لم تكن تعلم لماذا تذكّرت كلماته مرارًا، أو لماذا دعت له في صلاتها.
ومع مرور الأيام، ستعرف أن هذا الرجل ليس كغيره، وأنه رغم شدته الظاهرة، يحمل قلبًا طاهرًا يخاف الله أكثر مما يخاف البشر.
وسيعرف هو أيضًا أن وجودها في حياته ليس صدفة بل اب*تلاء جميل يختبر فيه رباطة إيمانه وثباته أمام قلب بدأ يتحرك دون إذن.
منذ ح*ادثة المطعم، تغيّر شيء خفي في سليم.
لم يعد ينام بسلام، ملامح سلسبيل التي رآها خائ*فة وض*عيفة أمام عينيه تطارده كأنها نداء لم يسمعه أحد سواه.
كان يبرر لنفسه أنه فقط يريد حمايتها، لكنه في أعماقه كان يريد امتلاكها.
وفي أحد الأيام، وبينما كان أيهم يقف أمام مكتبه يناقشه في أمر العمل، قال سليم بنبرة غير معتادة:أنا عايز أتجوز يا أيهم.
رفع أيهم حاجبيه بدهشة، ثم ابتسم قائلاً:خير يا سليم، خطوة كويسة والله البنت مين؟
أجابه سليم ببرود يخفي اضطرابه:سلسبيل.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة كأن الزمن توقف.
أيهم لم يتوقع أن يسمع اسمها منه، وبدا عليه التردد قبل أن يقول بحذر:بس يا سليم البنت دي مش من عالمنا، ولا تستحق تدخل في حياتك المليانة د*م وص*راع.
لكن سليم ض*رب الطاولة بيده بقوة وقال بعينين تشتعلان:أنا ما بسألش، أنا قررت!
في اليوم التالي، ظهر أمام سلسبيل ومعه رجاله، لكن الموقف كان مختلفًا عن المرات السابقة.
وقف أمامها وقال بصرامة:أنا جيت أطلبك رسمي وافقي.
ارتجفت شفتاها وهي تهمس بخ*وف:بس أنا أنا ما ينفعش مش موافقة.
اقترب خطوة، نظراته ح*ادة لكنها لا تخلو من أل*م:موافقتك أو لا، أنا هخطبك لأنك مش هتكوني لحد غيري.
تركت المكان باكية، وصديقتها تحاول تهدئتها، بينما سليم غادر بخطوات غاض*بة لا يعرف إن كان يحاول يهرب من شعوره أم يثبت لنفسه أنه ما زال يملك السيطرة.
وفي اليوم التالي، كان أيهم واقفًا عند المسجد القريب من الشركة بعد صلاة العشاء، حين جاءه سليم بصوت منخفض:خطبنا خلاص ومش ناوي أسيبها.الرواية لقناة عشاق الروايات ميرا
أيهم تنهد، نظر له بعمق وقال بهدوء م*ؤلم:سليم، خاف ربنا في البنت دي الجواز مش فرض سيطرة ولا امتلاك، ده ميثاق غليظ قدام ربك.
أنا بحبها يا أيهم!
الحب مش مبرر للظ*لم الحب اللي يخلي البنت تبكي خ*وف، ده مش حب، ده وج*ع.
صمت سليم لحظة، ثم قال بنبرة خافتة:أنا يمكن مش عارف أحب بالطريقة الصح، بس مش هقدر أسيبها.
أيهم وضع يده على كتفه قائلاً:يبقى صلي ركعتين استخارة يمكن تعرف إذا كان الطريق ده هداك ولا ه*لاكك.
وفي مكان آخر، كانت سلسبيل جالسة في غرفتها الصغيرة، تنظر إلى صورتها في المرآة بعينين دامعتين، تهمس لنفسها:ليه يا رب؟ هو ليه مش بيفهم إني مش عايزة أعيش بخ*وف؟
أغمضت عينيها، ورفعت يديها بالدعاء، بينما بعيدًا عنها كان سليم ينظر إلى السماء من شرفته، لأول مرة يشعر أن قلبه ليس ملكه وأن كل ق*وته لا تساوي شيئًا أمام دمعة منها.
كانت قاعة الخطوبة صغيرة لكنها دافئة، امتلأت بأصوات الضحكات والموسيقى الخفيفة.
جلست سلسبيل بثوب وردي ناعم يليق ببراءتها، تتجنب النظر إلى سليم الذي كان يراقبها في صمت، نظراته تائهة بين الفرح والس*يطرة، وبين رغب*ة لم يفهمها هو نفسه.
في تلك اللحظة دخل خالها أدهم الرجل الذي كانت تحبه منذ طفولتها وتعتبره أباها الثاني.
كان حضوره كنسمة هواء خفيفة وسط التوتر، اقترب منها وربت على كتفها ضاحكًا:إيه الجمال دا يا سلسبيل؟ ما شاء الله عليكي، سليم هيخاف يسيبك لوحدك دقيقة!
ضحكت سلسبيل بخجل، وردت عليه:خالّي بس كفاية هزار، الناس بتسمع.
أجابها بخفة د*م:أسيبك لمين؟ دا أنا أخ*اف عليكي أكتر من نفسك يا بنتي!
كانت تضحك من قلبها، لأول مرة منذ فترة طويلة، لكن سليم كان يراقب المشهد بملامح جامدة.
كل ضحكة من فمها كانت كأنها س*كين تغرس في غيرته، وكل نظرة ودّ بينها وبين خالها كانت تزيد من اضطرابه.
جلس بجانبها بصمت، يكتفي بالنظر إليهما، بينما أدهم لا يتوقف عن المزاح وكأنه يستمتع بإغاظة سليم عمدًا.
ثم التفت أدهم له قائلاً بابتسامة خب*يثة:عامل إيه يا عريس؟ شكلك متوتر كأنك داخل م*عركة مش خطوبة!
رد سليم ببرود:يمكن الاتنين واحد يا غلس.
ساد الصمت لحظة، ثم انفجرت سلسبيل ضاحكة من ردّه الغامض، بينما أدهم أومأ برأسه وقال مازحًا:واضح إنك عنيد زي أبوك بس خليك حنين على البنت دي، دي غالية علينا كلنا.
وفي زاوية أخرى من القاعة، كانت زوجة أدهم تجلس متعبة على الأريكة، تمسك بطنها المنتفخ بتعب واضح.
حاولت سلسبيل النهوض لتساعدها لكنها أشارت بيدها قائلة بنبرة ضيق:اقعدي انتي يا سلسبيل، أنا تمام بس الإزعاج كتير، والمزاح مالي المكان.
كانت تشعر بالضيق من ضحكات أدهم وصوت سليم المنخفض، ربما بسبب الحمل أو الغيرة الخفية من اهتمام الجميع بالعروس الصغيرة.
اقترب منها سليم قليلًا وهمس لها بصوت خافت لا يسمعه أحد:مبسوطة كده؟ كل الضحك دا علشان خالك؟
نظرت له ببراءة مستغربة نبرته، وقالت بهدوء:هو خالي يا سليم، وأنا مبسوطة علشانه هنا.
شد أنفاسه ببطء محاولًا كبح غض*به، ثم ابتسم نصف ابتسامة وقال:ماشي يا سلسبيل بس ما تضحكيش كتير قدام الناس.
قالها ثم نهض متجهًا نحو أيهم، الذي كان يراقب كل شيء بصمت.
ابتسم أيهم وقال بهدوء:الغيرة مش حلوة يا سليم، خصوصًا في ليلة زي دي.
رد سليم دون أن ينظر له:أنا مش بغير، بس مش بحب حد يقرب منها.
أيهم تنهد، نظر إليه وقال بصدق:يا أخي سيبها تضحك، يمكن دي أول مرة تفرح من شهور خاف على قلبها مش عليها.