الفصل الثاني
*ࢪواية سليم والمراهقة6-7-8-9🩶🧜🏻♀️*
احب اعتذر لاني كتبت اسم إسراء بدل سلسبيل في البارتات اللي فاتت .
البارت السادس _ سليم والمراهقة _
وهي فاقدة الوعي، والوقت كله وقف للحظة.
سليم الجندي وهو قاعد على الكرسي الجلدي، عينه ثبتت على وش سلسبيل وهي ممددة على السرير، خدها مت*خدش، فيه ج*رح صغير بينزل د*م، وعيونها مغمضة كأنها في حلم بعيد.
سليم سكت لحظة، وبعدين رفع عينه لفارس وقال ببرود غامض:اسمها إيه؟
فارس رد بسرعة:ماعرفش يا بيه بس سمعت حد بيناديها جوه المدرسة، اسمها سلسبيل.
سليم كرر الاسم كأنه بيدوقه:سلسبيل.
صوته كان واطي، فيه حاجة غريبة ما بين استغراب واهتمام.
وقف من مكانه بخطوة تقيلة، مشي ناحيتها، قعد جنب السرير وبص على وشها، ابتسامه صغيرة باهتة ظهرت في طرف شفايفه:دي البنت اللي كنت شايفها قبل فترة مع الغريب.
قرب إيده، مسك خصلة من شعرها اللي كان ملزوق في جبينها من العرق، وبعدها قام بسرعة كأنه رجع يتمالك نفسه لف وشه لفارس وقال بنبرة أوامر:هتجيب دكتورة حالاً ما يتقالش كلمة لحد إنها هنا فاهم؟
فارس أومأ بسرعة وخرج، والباب اتقفل وراه.
سليم رجع يبص لسلسبيل، الملامح البريئة على وشها كان فيها حاجة مش مفهومة بالنسبة له حاجة مش شبه العالم اللي عايشه قلبه اتخبط خبطتين سريعين، بس ملامحه فضلت جامدة.
في اللحظة دي سلسبيل شهقت نفس قصير وهي لسه مغمضة، كأنها بتحلم بك*ابوس سليم وقف مكانه متجمد، عينه مثبتة عليها.
تصحو سلسبيل فجأة، تتصبب عرقًا وكأنها كانت تركض في ك*ابوسٍ طويل قلبها يخفق بع*نف، وعيناها تتلفتان في الغرفة الصغيرة التي ما زالت يملؤها صمت الفجر تحاول أن تستعيد أنفاسها، أن تفصل بين ما رأته في الحلم وما تعيشه في الواقع.
تضع يدها على صدرها، تشعر بارتجافٍ غريب يزحف في أوصالها همست لنفسها:مش ممكن يكون مجرد حلم كان حقيقي أوي.
وقفت ببطء، اقتربت من النافذة، وسحبت الستار قليلًا. الهواء البارد لامس وجهها، لكن عقلها ظل مشغولًا بالصورة الأخيرة التي لم تفارقها ظلّ الرجل الذي كان يلاحقها في الحلم وصوته الذي ما زال يتردد في أذنها.
سلسبيل، وهي لسه تحت تأثير الخوف من الحلم، قررت تخرج من الغرفة بسرعة يمكن تلاقي أي أمان بعيد عن الوحدة اللي بتحاصرها خطواتها كانت مترددة، بس قلبها بيقولها إن البقاء مش حل.
بمجرد ما فتحت الباب بخفة، سمعت أصوات واطية جاية من بعيد وقفت مكانها، تحاول تركز الأصوات اتضح إنها حوار بين شخصين.
شدّت أنفاسها، قلبها وقع لما وضّح الكلام أكتر:ما تسيبوش على قيد الحياة حتى لو قط*عتوه ورم*يت ج*ثته للكلاب أنجز المهمة من غير أي خطأ.
جسمها كله اتجمد حسّت إن رجليها مش قادرة تشيلها، وعينيها اتسعت من الرع*ب صوت الد*م في ودانها بقى أعلى من أي شيء.
حاولت ترجع الورى بهدوء لكن الأرضية أصدرت صرير خفيف تحت قدمها.
سلسبيل وقفت متجمدة مكانها، تحاول تلتقط أنفاسها من غير ما يبان صوتها، والأصوات لسه بتتردد في الممر المظلم قلبها بيخبط في صدرها كأنه هين*فجر.
وفجأة، حسّت بيد ق*وية تمسك ذراعها وتس*حبها بسرعة للوراء شهقت بصوت مكتوم، وعينيها اتسعت بالرع*ب لما استدارت لتواجه اللي خطفها.
كان رجل ضخم، جسده كالجدار، عضلاته بارزة تحت قميصه الأسود، ملامحه وسيمة بشكل يثير الدهشة لكن تعبير وجهه وهيبته كانوا مرعب*ين نظراته قاس*ية، عيونه كأنها ن*ار متوهجة، وفيها حدة تخترق أعماقها.
همست بصوت متقطع:إنت إنت مين؟! سيبني بترجاك سيبني!
لكنه ما ردش، بس شدها أكتر، صوته غليظ وهو يهمس:اسكتي قبل ما يسمعوك.
ارتجفت أكتر، دموعها بدأت تلمع في عينيها، وهي مش عارفة إذا كان بيحاول يحميها ولا بيقودها لله*لاك.
سلسبيل حاولت تبعد ذراعها، لكن قبضة فارس كانت من حديد عجزت حتى عن الصراخ، كأن الخوف جمّد صوتها.
سحبها في ممرات طويلة مظلمة، خطواته تقيلة لكنها ثابتة، وهي مش عارفة رايحين على فين قلبها بيخبط بقوة، وكل ثانية بتمر كانت بتتخيل نهايتها قربت.
وفجأة كل حاجة اسودّت في عينيها، كأن الدنيا لفت بيها واختفت الأصوات.
فتحت عينيها ببطء، تتنفس بصعوبة، تتلفت حواليها لقت نفسها في غرفتها! السرير تحتها، والستارة بتتهز من نسمة هواء الليل لم يكن هناك أي أثر للرجل المخيف.
شهقت، قامت بسرعة، فتشت الغرفة كلها، حتى فتحت باب الشقة مفيش حد.
حطّت يدها على قلبها، دموعها سالت من الرعب:إزاي إزاي رجعت هنا؟! هو مين ده؟!
كل اللي حصل كان غامض بشكل جنوني هل فارس أنقذها؟ خطفها؟ ولا بيتلاعب بيها من بعيد؟
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح فجأة.
دخل أبوها شايل كيس بسيط من البقالة، وعينيه مرهقين من الشغل.
وقف مصدوم لما شافها قدامه.
سلسبيل؟!
وقع الكيس من إيده، وجري عليها بسرعة.
ض*مها لحض*نه كأنه خايف تختفي من بين إيديه، ودموعه نزلت غصب عنه.
الحمد لله يا بنتي والله كنت هم*وت من خوفي عليكي.
سلسبيل فضلت ساكتة، بس عينيها غرقت دموع وهي متشبثة بحض*نه كطفلة صغيرة، قلبها بيرجع يهدى لأول مرة بعد ساعات من الرع*ب.
ابتسمت وسط دموعها:أنا عرفت دلوقتي إنك بتحبني يا بابا.
هو شدها أكتر، وبصوته المبحوح قال:إنتي روح*ي يا سلسبيل، إزاي ما أحبكيش؟
لحظتها حسّت بسعادة غريبة، كأن الدنيا كلها اتحولت لمكان آمن بمجرد إنها جوه حضن أبوها.
البارت السابع _ سليم والمراهقة _
ريم بنته المدللة في سن المراهقة لسه عايشة حياتها بط*يش ومغرورة إنها بنت الابنودي.
في الفترة الأخيرة، اتعرفت على شاب وسيم من برة الوسط بتاعهم لع*ب بعقلها بالكلام المعسول، أوهمها بالحب الكبير، وقال لها إنها أغلى حاجة عنده ريم، بعقلها الصغير وتجربتها القليلة، صدقته.
بدهاء شديد، استغل تعلقها بيه، وبدأ يطلب منها أسرار تخص بيتهم في الأول رفضت، لكن بعد ما لع*ب على وتر قلبها وخوفها تخسره، وافقت.
رشيد الابنودي قاعد في مكتبه الكبير، الدخ*ان مالي القوضة من كتر الس*جاير اللي ولّعها وطفاها كان عنده اجتماع مهم الصبح، ولاحظ إن في ملف ناقص من الملفات اللي بيسيبها دايمًا في درج المكتب المقفول.
رشيد بنظرة الصقر بدأ يقلب الدنيا حوالينه، مفيش أي أثر للملف نادى على سكرتيره:يا عادل، انت فتحت الدرج ده؟
لا يا باشا أنا عمري ما بقرب من حاجتك.
رشيد عرف إن الموضوع مش صدفة الملفات دي مش أوراق عادية، دي أسرار فيها صفقات واتفاقات مع ناس تقيلة.
وقف فجأة، وراح ناحية كاميرات المراقبة اللي في البيت قعد يراجع التسجيلات بنفسه عينيه اتسمرت لما شاف ريم، بنته، داخلة المكتب بالليل، فتحت الدرج، وخدت حاجة وطلعت.
الد*م غلى في عروقه مسك الطاولة ورزعها بقبضة إيده، الصوت دوّى في المكتب.
يا خسارة يا ريم يا خسارة تربيتك.
فضل ساكت دقايق، بيحاول يسيطر على غضبه، لحد ما دخل أخوه الكبير فؤاد.
مالك يا رشيد؟ إيه اللي حصل؟
البنت ريم خانت*ني س*رقت ملف من مكتبي وسلمته لواحد قليل القيمة، لعب بعقلها باسم الحب.
فؤاد بصله بصدمة:إنت متأكد؟ دي ريم دي ضناك!
شوفتها بعيني في الكاميرات الخ*يانة لما تيجي من جوا بيتك تبقى الك*ارثة أكبر.
رشيد خد قرار فوري طلب رجاله، وقال لهم:عايز البنت دي والواد اللي معاها يتجابولي دلوقتي والملف يرجع مكانه، بأي تمن.
رجالة رشيد اتحركوا بسرعة في شوارع القاهرة، عربياتهم السودة ماشية في صف كأنها مظاهرة مرعبة في خلال ساعات عرفوا مكان الشاب اللي كان بيقابل ريم.
كان قاعد في كافيه شعبي على أطراف المدينة، ملفوف حوالين نفسه وفاكر إنه أذكى واحد فجأة اتقفلت العربيات قدام الكافيه، نزلوا الرجالة، س*حبوه زي الفار من ديله حاول يتمنع، بس طل*قة واحدة في الهوا خلّت كل اللي في المكان يسيبوا كراسيهم ويمشوا.
رجعوا بيه القصر م*ربوط، ووشه مليان خوف.
رشيد كان واقف مستني، ضهره للباب وهو ماسك عصاية خشب غليظة لما دخلوا الولد، لف رشيد ببُطء، عينيه بتلمع شر.
فين الملف؟
الواد حاول يتمالك نفسه:أنا أنا ما خدتش حاجة.
رشيد ما اتكلمش، أشار لواحد من رجاله الراجل ض*ربه ك*ف خلّى صوته يرن في القاعة.
هتتكلم دلوقتي ولا أخليهم يقط*عوك حتت؟
الواد انهار واعترف بالمكان اللي مخبي فيه الملف رجاله راحوا ورجعوا بيه بعد ساعة، محطوط قدام رشيد زي غنيمة.
رشيد خد الملف وحطه على المكتب، وبعدين قال برجالة:سيبوه بس يخرج من القاهرة الليلة، لو شوفته تاني هنا ه*دفنه بإيدي.
لما خلص، طلب يشوف ريم.
ريم دخلت القاعة وهي مرعوبة، عينيها حمرا من العياط، بس لسه في عندها لمعة التمرد.
بابا أنا آسفة.
رشيد صوته كان هادي بس مرعب:آسفة؟ إنتي كنتي هتضيعي سُمعة العيلة كلها أنا الابنودي، واسمنا مابيتباعش بكلمتين حب.
ريم حاولت تدافع:هو قالي إنه بيحبني وأنا صدقته.
رشيد مسك وشها بإيده بقس*وة، عينه مغروزة في عينيها:الحب مش س*رقة وخ*يانة إنتي بنت رشيد الابنودي ولازم تفهمي إن اللي يغلط عندنا بيتحاسب غالي.
ريم انهارت على الأرض تبكي، ورشيد لأول مرة حس بمرارة، مش بس من خيانة بنته، لكن من خوْفه إنها تكون نقطة ضعفه اللي الناس تستغلها.
وقف وقال:ابتداءً من النهارده، ريم مش هتخرج من البيت إلا وأنا عارف راحت فين ومع مين لو غلطتي تاني مش هرحم*ك، حتى لو إنتي بنتي.
ريم بعد اللي حصل ماقدرتش تسيب نفسها تضعف قعدت في أوضتها تبص في المراية وتقول لنفسها:أنا مش لعبة عند بابا مش كل حاجة هيمشيها بكلمتين ته*ديد.
بدأت تتصرف عادي قدام الكل، بس جواها ن*ار عناد حاولت تكلم الشاب تاني من تلفون صاحبتها، بس اكتشفت إن رقمه مقفول والناس بتقول إنه سافر ساعتها حسّت بإن أبوها فعلاً مسيطر على كل حاجة، وإن حتى الشوارع بتردّ عليه.
ليالي بعدها، قررت تخرج من البيت من غير ما تقول اتسحبت من الباب الخلفي وهي متخيلة إنها ذكية، لكن ماكملتش شارعين غير ورجالة رشيد وقفوا قدامها بالعربية السودا واحد فيهم فتح الباب وقال بلهجة صعيدية خشنة:اتفضلي يا آنسة المعلم مستني.
ريم حسّت بخوف لأول مرة، قلبها وق*ع في رجلها لما رجعوا بيها القصر، لقت رشيد واقف، صوته مليان غض*ب مكتوم:إنتي فاكرة إني مش عارف خطواتك؟ فاكرة إني مش وراكِ؟
حاولت تعاند:أنا مش سج*ينة عندك!
رشيد اتقدم خطوتين، ض*رب العصاية الخشب في الأرض، الصوت رجّ القاعة كلها:لو خرجتي من غير إذني تاني هك*سر رجلك بإيديا، عشان تتعلمي إن كلمة رشيد الابنودي قانون.
ريم اتجمدت مكانها، دموعها نزلت من غير ما تحس عمرها ما شافت أبوها بالق*سوة دي ساعتها فهمت إن عنادها مش هي*كسر جب*روته، وإنها لازم تتغير غصب عنها.
طلعت على أوضتها وهي منهارة، قلبها مليان رع*ب وحزن، بس لأول مرة استوعبت إن أبوها مش مجرد أب ده زعي*م، ومافيش مزاح مع الزعي*م.
في عز الضهر، رجعت كريمة من الشغل وهي شايلة شنط فيها شوية حاجات للبيت كانت تعبانة من الوقفة، إيديها مت*سلخة من الشغل اللي بتعمله في البيوت علشان توفر لولادها، ومع ذلك وشها مليان صبر.
دخلت البيت لقت بنتها منى قاعدة على الكنبة وبتلعب ، وأخوها قاعد على الكنبة ماسك الموبايل، أول ما شافوا الشنط قالوا بس*خرية:هو ده كل اللي جبتيه؟! الفلوس اللي بيديهالنا أبويا تجيب أكتر من كده.
كريمة قلبها وج*عها من الكلام، حاولت ترد بهدوء:يا حبايبي أبوكُم مش بيصرف عليكم زي ما فاكرين أنا اللي بجري وأتعب علشان تبقوا لابسين ورايحين مدارسكم.
الواد الكبير ض*رب كف في الترابيزة وقال بع*صبية:إنتي بتكدبي! أبونا راجل كريم إنتي اللي بخيلة أنا لو عايش عند مرات أبويا كنت هعيش ملك!
الكلام كان زي س*كاكين في قلب كريمة دموعها نزلت غصب عنها، بس مسحتها بسرعة عشان ما يبانش ضعفها.
آسر، ابنها الصغير، كان واقف ساكت على جنب، عينه بتلمع بالحزن قرب من أمه، مسك إيدها وقال بهدوء:متعيطيش يا أمي أنا عارف إنك إنتي اللي بتتعبي عشاننا.
بس الباقيين مشوا وسابوها، وهي قاعدة في نص الصالة لوحدها فجأة الباب اتفتح، ودخل زوجها ومعاه مراته التانية، ضحكة عالية على وشها، وهو متعمد يحض*نها قدام كريمة.
قال ببرود:هتجهزلنا الأكل يا كريمة مراتي نفسها تاكل أكلة من إيدك.
كريمة حسّت إنها بت*تقطع من جوه، بس ماقالتش ولا كلمة دخلت المطبخ، وهي بتقطع الخضار إيديها بترتعش، مش عارفة إزاي تتحمل كل يوم بيتها بيزيد وجع، واللي يزود الغصة إن ولادها نفسهم بقوا قساة عليها.
الليلة دي نامت وهي حاضنة آسر، والدموع على خدها حسّت إنها وحي*دة في دنيا كلها ضدها، بس كان في جواها بصيص صغير من قوة إنها لسه واقفة رغم كل اللي بيحصل.
البيت كله كان متوتر من الصبح. حسام، ابن كريمة الكبير، كان بيرمي كلام ج*ارح طول الوقت، يتذمر من قلة الفلوس، ومن لبسه القديم، ومن أمه اللي في نظره مقصرة كريمة سكتت كالعادة، قلبها بي*تحرق من جوه بس بتقول: ربنا يهديك.
وقت العصر، كانت نازلة السلم بسرعة علشان تروح تشتري طلب للبيت حسام كان واقف فوق، غض*بان ويزعق:إنتي سبب كل المص*ايب! حتى الفلوس اللي أبويا بيديها بتضيعيها!
كريمة وقفت على نص السلم وبصت له بعين مك*سورة:يا ابني، والله أنا اللي شايلة الهم عنكوا لو تعرف بس قد إيه بتعب.
هو كان منفعل أكتر من اللازم، قرب منها وحاول ي*زقها علشان يبعدها عنه بس يده جات أق*وى من قصده فجأة، كريمة فقدت توازنها ووقعت على السلم، ص*رخة مدوية خرجت منها وهي بتتدحرج.
آسر كان واقف تحت، اتجمد في مكانه شاف د*م نازل من راس أمه وهي مرمية على الأرض بلا حراك عينه اتسعت، قلبه ضرب بسرعة، حاول يص*رخ لكن الصوت ماطلعش.
حسام اتجمد مكانه فوق، مش مصدق اللي حصل.
يا نهار اسود يا أمي!
كريمة ماكانش فيها حيل تتحرك، جسمها ممدد على الأرض والد*م محاوط وشها إيدها ممدودة ناحية آسر كأنها بتستغيث.
آسر أخيرًا انفجر في بكاء هستيري، صوته هز البيت:ماماااا!
الجيران سمعوا الصريخ وجروا على السلم، لاقوا المشهد اللي يقطع القلب كريمة مضرجة بد*مها، وحسام واقف فوق مصدوم، وآسر محتضنها وهو بيترجّاها تفتح عينيها.
الإسعاف وصلت بسرعة والجيران ساعدوا يشيلوا كريمة وهي غرقانة في دمها آسر كان لازق فيها، مش عايز يسيب إيدها، بيبكي ويقول:ماما ماتسيبينيش أنا مش عايش من غيرك.
وصلوا المستشفى، والدكاترة دخلوا بيها الطوارئ، والكل واقف برا في قلق حسام قاعد في الكرسي حاطط إيده على راسه، مش قادر يستوعب إنه هو السبب.
بعد ساعات طويلة، خرج الدكتور ووشه متجهم بص للزوج وقال:الحمد لله، هي لسه عايشة لكن حصل ن*زيف حاد جداً، واضطرينا نعمل عملية للأسف الجنين ما استحملش.
كلمة الجنين وقعت زي الصاعقة آسر بص حوالين، مش فاهم الأول، بس لما سمع إن أمه فقدت البيبي، حضن نفسه وعيونه غرقت دموع.
محروس رفع حاجبه ببرود وقال:يعني هي بخير خلاص؟
الدكتور اتنرفز:بخير إزاي! الست دي كانت هت*موت محتاجة راحة تامة وعناية أي صدمة تانية ممكن تقتلها.
الجيران اتصدموا من رد محروس، لكن حسام وقع على الأرض من كتر الصدمة، دموعه نازلة وهو بيقول:أنا السبب أنا اللي م*وتت أخويا.
أما آسر فدخل أوضة أمه بعد ما سمحوا له يشوفها لقاها نايمة ووشها شاحب، على أجهزة، بس إيدها لسه دافية مسك إيدها وقال بصوت مبحوح:ماما أنا مش هسيبك حتى لو كله ضدك أنا جنبك.
كريمة، وهي بين الغيبوبة والصحوة، دمعة نزلت من عينها كأن قلبها لسه سامع صوت ابنها الصغير اللي بيحبها بجد.
رجعت كريمة البيت بعد أسابيع من التعب والعلاج. كانت مازالت ضعيفة، خطواتها بطيئة، بس عينيها شايلة وجع أكبر من أي جرح البيت كله ساكت، حتى زوجها اللي كان دايمًا متسلط وباين عليه البرود، بقى يتجنب يواجهها بشكل مباشر.
أما حسام فقد تغيّر الواد اللي كان لسانه طويل وعصبي، بقى ساكت معظم الوقت كل ما يشوف أمه جايه، يقوم بسرعة يساعدها، يمد إيده لو تعبت في المشي، أو يقعد جنبها في الصالة بهدوء.
في يوم وهي قاعدة على الكنبة، جه وحط كوباية شاي قدامها وقال بصوت واطي:سامحيني يا أمي أنا غبي، ظلمتك، وكنت عايش في وهم.
كريمة بصت له، عينيها دمعت، بس قلبها كان متقفل ردت بهدوء:أنا مسامحة يا ابني بس اللي حصل مش هيتنسي.
حسام نزل راسه، ماعرفش يرد من يومها وهو عامل زي التلميذ، يسمع كلامها، يحاول يعوضها بابتسامة، بكلمة طيبة، لكنه في نظرها لسه الولد اللي زق*ها من السلم وخلاها تفقد الجنين.
آسر، زي ما هو، ظل قريب من أمه، يتعامل معاها كأنها كل الدنيا هو الوحيد اللي كان سبب قوتها، لكن حتى مع تغيّر حسام، كانت كريمة جواها بتقول:الوج*ع علم قلبي ومهما حاولوا، اللي اتك*سر مش هيرجع زي الأول.
كانت سلسبيل جالسة وسط الفتيات في ساحة المدرسة، وابتسامة خجولة لا تفارق وجهها لم تعتد من قبل على هذا الكم من اللطف إحداهن أهدتها قلادة صغيرة، وأخرى وضعت بين يديها دفترًا مزخرفًا وقالت:دي ليكي يا سلسبيل، عشان تدوّني فيه خواطرك.
نظرت إليهن بدهشة، قلبها يدق بسرعة لم تفهم لماذا كلهن فجأةً يتسابقن للتقرب منها همست في نفسها: هل تغيّرت فجأة؟ أم أن هناك سرًّا لا تعرفه؟
قبل أن تستوعب الموقف، سألتها إحداهن بجرأة:على فكرة يا سلسبيل الشاب الوسيم اللي كان معاكي أمس، هو قريبك؟
تجمّدت الكلمات على لسانها رمشت بعينيها في حيرة:شاب؟! أي شاب؟!
تبادل الفتيات نظرات مليئة بالفضول والضحكات الخفية. شعرت سلسبيل أن الأرض تدور بها، فهي لا تعرف عن أي شاب يتحدثن ولا لماذا يربطنها به.
رفعت نظرها إليهن مرتبكة، والقلق يتسلل لصوتها:ممكن تفهموني إنتو تقصدوا مين بالظبط؟
لكنهن اكتفين بالابتسامات الغامضة وكلمات متقطعة توحي بأنها محط أنظار، دون أن يقدمن لها جوابًا شافيًا فبقيت سلسبيل بين الحيرة والارتباك، تتساءل: هل هناك من يراقبني من بعيد؟ أم أنني وقعتُ في دائرة أحاديث لا أعرف بدايتها ولا نهايتها؟
البارت الثامن _سليم والمراهقة _
انتهى الدوام، وخرجت سلسبيل بخطوات متسارعة كانت تحمل كتبها متشابكة بين ذراعيها وذهنها ما زال مشغولًا بحديث الفتيات وأسئلتهن الغامضة.
عند بوابة المدرسة لاحظت تجمّعًا غريبًا للفتيات كلهن يتهامسن وينظرن باتجاه سيارة فارهة لامعة من أحدث طراز المحركات تلمع تحت أشعة الشمس، والزجاج الأسود يعكس هيبة غامضة.
خفضت سلسبيل رأسها محاوِلة الابتعاد بهدوء، فهي لا تريد أي صلة بهذه الأجواء لكن فجأة أحست بيد دافئة تمسك كفها بلطف رفعت عينيها برعب فإذا به نفس الشاب الوسيم الذي تحدثن عنه الفتيات كان يبتسم ابتسامة غامضة عينيه تخفيان ما لا تستطيع قراءته.
تجمدت في مكانها، لم تستطع حتى سحب يدها بصوت هادئ قال:تعالي معايا مفيش داعي للخوف.
لم تكد تستوعب، حتى أبعد الفتيات الفضوليات عن السيارة بإشارة بسيطة، ثم فتح لها الباب الخلفي وأدخلها.
لكن المفاجأة الكبرى كانت في الداخل جلست بجوار شخصية أخرى، شاب بملامح أكثر ق*سوة، عيناه تلمعان ببرود مخ*يف، وصمته يزيد هيبته أكثر رع*بًا.
بدأت سلسبيل ترتجف، ضمّت كتبها إلى صدرها كأنها درع.
إنتو عاوزين مني إيه؟! همست بصوت متقطع.
لكن لم يجبها أحد كل ما سمعته كان صوت إغلاق الباب بإحكام، ثم هدير المحرك وهو ينطلق بقوة، لتبتلعهم الطرقات بسرعة جنونية.
قلبها يدق بعنف، والدموع تتجمع في عينيها: إلى أين يأخذونني؟ ولماذا أنا؟
جلست سلسبيل في المقعد الخلفي، يداها ترتجفان وهي تضغط كتبها على صدرها، تشعر وكأن قلبها سيقفز من مكانه رفعت رأسها بخوف لتجد أن الشاب الوسيم الذي أمسك يدها يجلس بجوراها، بينما الآخر، الأضخم والأكثر قسوة في ملامحه، يجلس مقابلاً لها وقد انحنى قليلًا للأمام، عيناه لا تفارقها.
إنتو مين؟ وليه جبتوني هنا؟ قالت بصوت متقطع.
لم يجبها أحد اكتفى الوسيم سليم بمتابعة الطريق من خلف الزجاج بينما الآخر فارس ترك صمتًا ثقيلًا يملأ المكان، كأنه يتعمد أن يزيد من خ*وفها.
ابتلعت ريقها بصعوبة، نظرت من النافذة محاولة استيعاب الطريق، لكن السيارة كانت تنطلق بسرعة جن*ونية وكأنها تبتلع المسافات.
فجأة قطع فارس الصمت بصوته الأجش:كان المفروض نسيبها بس واضح إنك مصر يا سليم.
ارتجف جسدها من وقع كلماته، لم تفهم المغزى لكنها شعرت أن حياتها مرهونة بشيء أكبر منها.
أدار سليم وجهه نحوها لأول مرة ابتسامته كانت غامضة، وعيونه تحمل أسرارًا مخيفة قال بنبرة هادئة لكنها حادة:إهدي محدش هي*أذيكي طول ما إنتي معانا.
لكن الكلمات لم تطمئنها، بل جعلت عقلها يص*رخ أكثر:مين هما؟ وليه بيقولوا ن*أذيكي؟ وليه أنا بالذات؟
وهي غارقة في خ*وفها، أحست أن السيارة تدخل طريقًا معزولًا، بعيدًا عن ضوضاء المدينة وكل خلية في جسدها كانت تصرخ الخطر يقترب.
داخل السيارة، ظل الصمت خ*انقًا لثوانٍ طويلة، حتى قاطعه فارس وهو يلتفت لسليم بحدة:أنا مليش دعوة بالكلام ده، خلص إنت الموضوع بس أوعى تغلط.
ثم فتح باب السيارة فجأة، نزل بخطوات ثقيلة، وأغلق الباب بق*وة جعلت سلسبيل تقفز من مكانها بقيت عيناه تتابعانها للحظة قبل أن يدير ظهره ويختفي في الظلام.
ارتجفت سلسبيل أكثر، تنظر من النافذة وكأنها تبحث عن مخرج، ثم عادت بعينيها إلى الشاب الذي ظل يجلس بجوارها بهدوء مخيف كان سليم يراقبها في صمت، ملامحه وسيمة لكنها لا تخلو من الغموض.
قالت بصوت مرتجف:إنتو عايزين مني إيه؟ أنا ماليش ذن*ب في حاجة.
ابتسم سليم بخفوت وهو يرد بنبرة غامضة:محدش قال إن ليكي ذن*ب بس وجودك دلوقتي مهم.
شعرت أنها تغوص أكثر في بحر مجهول، قلبها يخفق بسرعة، والكلمات تتلاعب بعقلها مهم؟ مهم لمين؟ وليه؟
مدّ سليم يده بهدوء، وضع شيئًا صغيرًا بجوارها على المقعد، لمحت أنه علبة مخملية صغيرة قال وهو يشيح بوجهه للزجاج الأمامي:يمكن ده يساعدك تفهمي أو يزيد حيرتك.
كانت أنفاسها تتسارع، وعقلها يصرخ: إيه اللي بيحصل؟ وليه أنا؟
كانت سلسبيل تحدق في العلبة المخملية الصغيرة، أصابعها مترددة ما بين فتحها أو تركها مغلقة سليم لم يلتفت إليها، وكأنه يعرف إن فضولها هيغلبها في الآخر.
في الخارج، ابتعد فارس خطوات عن السيارة، وأخرج هاتفه يتحدث بصوت خافت لكن نبرته مشدودة:الو اسمعني كويس أنا قلقان من اللي بيحصل سليم مش من النوع اللي يتأثر قلبه ح*جر بس البنت دي حاسس إنه بيبص لها بشكل مختلف.
توقف لحظة، ينظر من بعيد للسيارة ثم يضغط على أسنانه:لو وقع في حبها الدنيا كلها هتتقلب أنت عارف يعني إيه سليم الجندي يحس بحاجة لأول مرة.
صوت الشخص الآخر على الخط بدا متوترًا لكن فارس أنهى المكالمة بجملة حاسمة:أنا لازم أراقب الموضوع ده قبل ما يخرج عن السيطرة.
في الداخل مدت سلسبيل يدها وفتحت العلبة ببطء. داخلها وجدت سلسلة ذهبية يتدلى منها مفتاح صغير محفور عليه رمز غريب قلبها انقب*ض، رفعت عينيها مرتبكة نحو سليم لتسأله، لكنه اكتفى بابتسامة هادئة وغامضة جعلت رع*بها يتضاعف.
في القاهرة، كان مبنى شاهق يلمع زجاجه تحت شمس الظهيرة، تعلوه لافتة ضخمة باسم شركة الدهشان للتصدير والاستيراد في الطابق الأخير، جلس شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين خلف مكتب أنيق من الرخام الأسود. ملامحه حادة، عينيه باردة لكن فيها ذكاء ماكر، وشعره الأسود مرتب بعناية.
إنه مالك نادر الدهشان، الابن الثاني لعائلة الدهشان الشهيرة، والتي تسيطر على جزء كبير من تجارة البلد بخلاف والده وأخيه الأكبر، هو كان أصغر سنًا، لكنه الأجرأ والأكثر دهاءً.
كان يراجع بعض الملفات حين دخل مساعده الخاص وقال باحترام:باشا الأخبار كلها بتأكد إن سليم الجندي بيتحرك بقوة الفترة دي.
ابتسم مالك بخفوت، أدار الكرسي ببطء ناحية النافذة الزجاجية التي تطل على القاهرة، وقال بنبرة باردة:كويس سيبه يفرح شوية في الآخر، اللي يبدأ قوي بينتهي أسرع.
المساعد بتوتر:بس يا باشا، سليم ليه رجالته، ونفوذه كبير برضه.
رفع مالك عينيه بحدة:أنا مش بنافسه في الشارع بس أنا بنافسه في كل حاجة في التجارة، في النفوذ وحتى في اللي قلبه ما يعرفش إنه محتاجه.
صمت لحظة، ابتسم ابتسامة جانبية فيها تحدي وأضاف:سليم الجندي مش هيبقى غير محطة في طريقي.
البارت التاسع _سليم والمراهقة _
كانت سلسبيل قاعدة في أوضتها، النور خافت والعلبة الصغيرة لسه على الكومودينو جنبها كل شوية تبص عليها وتفتكر السيارة سليم، وفارس اللي اختفى فجأة قلبها لسه بيخبط في صدرها.
رنّ تليفونها أكتر من مرة، اسم سارة يطلع على الشاشة، لكنها كل مرة كانت تقلب التليفون على وشه وتسيبه يرن.
بعد ساعة، سمعت طرقات خفيفة على باب شقتها لما فتحت، لقت سارة واقفة، وشها متوتر وعينيها فيها دموع:سلسبيل بالله عليكي اسمعيني بس، أنا غلطت في حقك كتير، بس ماكنتش أعرف إن الموضوع هيكبر كده.
سلسبيل بصتلها ببرود، ما فتحتش الباب كله.
جايه تقول إيه دلوقتي يا سارة؟ خلاص اللي كان كان.
سارة مدّت إيديها برجاء:والله ماكنتش قصدي أأذي*كي كنت فاكرة كل اللي بيحصل هزار بس لما شفت العربية اللي خدتِك خوفت عليك.
سلسبيل سكتت ثواني، قلبها بيت*ألم، بس عقلها مش قادر يثق تاني.
أنا مش قادرة أصدقك يا سارة مش بعد كل اللي عملتيه.
حاولت سارة تمسك إيدها، لكن سلسبيل سحبتها بهدوء ورجعت خطوة لورا، وأقفلت الباب ببطء وهي تقوللو كنتِ حقيقية كنتِ وقفتي جنبي من الأول.الرواية لقناة عشاق الروايات ميرا
وقفت سارة قدام الباب، دم*وعها نازلة، حاسة بندم حقيقي بس مش لاقية طريق ترجع بيه لسلسبيل زي الأول.
كانت سارة قاعدة قدام الكرّاسة، القلم في إيديها بس عقلها مش في الكلام المكتوب عينيها تسرح على الهوا، صورة سلسبيل وهى بتبعد عنها وتقفل الباب قدامها مش راضية تسيبها لحظة من يومها وسارة كل يوم تحاول تكلمها، تروح المدرسة بدري، تستناها على الباب، تبعت لها رسائل، تهديها حاجات صغيرة لكن سلسبيل ما بقتش ترد، ما بقتش حتى تبص ناحيتها.
الدروس تراكمت عليها، مذكّراتها بقت فاضيّة، وكل ما تيجي تمسك القلم تلاقي دم*وعها نازلة من غير ما تحس في يوم دخل عليها مسعود وهو شايل شنطته، شاف الكتب مرمية على الأرض والبيت ساكت:إيه يا سارة؟ ما انتي طول عمرك شاطرة! بقالك أسابيع ما بتذاكريش إيه اللي جرالك؟
رفعت عينيها ليه، ملامحها مرهقة:مش قادرة يا مسعود كل ما أمسك الكتاب أحس إني خ*نتها سلسبيل كانت أنضف واحدة عرفتها وأنا خذلتها.
مسعود عضّ على شفايفه بعص*بية، صوتُه عالي:وبعدين يعني؟ هتض*يّعي نفسك علشان حد ما بقاش في حياتك؟ ده مش منطق! فوقي بقى.
هي نزلت راسها وما ردتش، دموعها غرقت الكرّاسة مسعود سابها وخرج وهو متضايق من بعدها بقى قليل الكلام معاها، ما عادش يسألها حتى رايحة فين.
أما أختها الكبيرة، اللي كانت دايمًا واقفة جنبها، فاض بيها الحال هي كمان متجوّزة من عمران ورجعت عند أمها فترة بعد مش*اكل، لكنها لما لقت سارة في حالتها دي قالت لها بضيق:أنا ماعادش فيا طاقة يا سارة كل واحد فينا عنده همّه، وأنا لازم أرجع بيتي وأشوف حياتي.
سارة يومها حسّت إنها بقت وحيدة فعلًا أختها لمّت هدومها ورجعت بيت عمران، ومسعود غاض*ب منها وبارد، وكل اللي في دماغها سلسبيل وندمها اللي بيزيد يوم بعد يوم.
كانت كل ليلة تبص لتليفونها، نفسها ييجي منها رسالة، أي كلمة تسامحها، لكن الصمت كان هو اللي بيجاوبها. ومع كل يوم يمر، سارة تض*عف أكتر، دراستها تتدهور، ونظرة الناس ليها بقت مختلفة.
في يوم عادي، سلسبيل صحيت على خبر سفر أهلها المفاجئ لفترة طويلة، والدها أخد عمل برّه فجأة، والبيت بقى فاضي، حتى صوت أمها اللي دايمًا بيدّيها طمأنينة ما عادش موجود لقت نفسها وحيدة، بتحاول تذاكر وتلهي نفسها، بس كان في إحساس غريب بالنقص.
في نفس الوقت، سارة اللي بقالها شهور بتحاول تقرب وتك*فّر عن ذنبها، تعبت فجأة في الأول كان مجرد برد عادي، لكن حالتها بدأت تس*وء يوم بعد يوم جسدها ض*عُف، وشحبت ملامحها، وأمها وأبوها وأخوها مسعود بقوا ليل نهار جنبها اللي كان غاضب منها بقى ماسك إيدها، وأختها اللي كانت سابتها رجعت من بيت عمران علشان تكون معاها الم*رض جمع العيلة اللي كانت متفرقة.
سارة في أيامها الأخيرة كانت كل ما تفوق تقول لأمها:قولوا لسلسبيل إني آسفة قولوا لها تسامحني قبل ما أمشي.
أمها كانت تهز راسها وهي بتبكي، مش قادرة تقول حاجة غير حاضر يا بنتي.
في ليلة مطرها كان تقيل على الشبابيك، سارة شدت نفس عميق وقالت بهمس:لو شافت الرسالة دي يمكن تسامحني.
وسكتت بعدها لفترة طويلة، جسدها بقى ب*ارد بعد أيام قليلة المرض اشتد عليها لحد ما اس*تسلمت ومشت في هدوء وهي ماسكة إيد أمها.
خبر م*وتها وصل لسلسبيل متأخر كانت قاعدة في أوضتها، فتحت الموبايل لقت رسالة قصيرة: سارة توف*يت كانت بتحبك وبتتمنى تسامحيها.
الرسالة نزلت عليها زي الص*اعقة دم*وعها غرقت وشها، افتكرت كل لحظة بينهم، كل الضحك اللي ضحكوه مع بعض، وكل الخ*يانة اللي حسّت بيها، وكل المحاولات اللي ص*دّتها قعدت على الأرض تبكي وهي تقول:يا سارة ليه ما قلتليش؟ ليه ما استنيتيني أسامحك؟
البيت كان ساكت، مفيش غير بكاها اللي بيطلع من قلب موج*وع كانت لأول مرة تحس إنها فقدت حد فعلاً، وإن الغ*ضب والزعل مهما كان، مش هيعوض لحظة وداع ما حصلتش.
السماء كانت غايمة والجو ساكت كأنّه بيشاركها حزنها سلسبيل وقفت قدّام الم*قابر، لابسة طرحة سودة بسيطة، في إيديها ورد أبيض كانت رجليها بتتهز من رهبة المكان واللحظة عمرها ما تخيّلت تيجي هنا علشان سارة صاحبتها اللي كانت من كام سنة تضحك معاها وتخطط معاها للمدرسة والفسح.
قربت من الق*بر اللي عليه اسم سارة، لمسته بإيديها المرتعشة، الوردة وقعت من إيدها على التراب.
قعدت على ركبها قدامه، وبصوت مك*سور قالت:إزيك يا سارة؟ أنا سلسبيل جِتلك زي ما كنتِ بتطلبى سامحينى يا سارة، كنتِ بتبعتِلى وتيجى لحد بابى وأنا كنت أبعد كنتِ بتحاولى وأنا ماكنتش عايزة أسمع والله ماكنتش فاهمة إنك ندمانة بجد.
مسحت دم*وعها بكفها وقالت وهي بتبص للسماء الناس كلها بتحكي إنك كنتِ بتهتمي بيا لآخر لحظة، وبتقولى تسامحكِ أهو أنا جيت سامحتك يا سارة سامحتك من قلبي.
صوتها اتخن*ق وهي تكمل وحشاني ضحكتك، وحشاني أسئلتك اللي مالهاش معنى حتى خ*يانتك ليّ بقت وج*ع حنين مش وج*ع غضب أنا سامحتك يا سارة، بس كنتِ فين علشان تسمعيني؟
الهواء كان بيهفّ على شعرها وبيحرّك الطرحة، وردة بيضا صغيرة انغرست في التراب قدام الق*بر.
سلسبيل مدت إيديها ولمست التراب تاني، حست بدفا غريب رغم برد المكان نامي وارتاحي يا سارة أنا مش هنسى اللي حصل بينا، بس هفضل أفتكرك بالخير.
وقفت بهدوء، مسحت دموعها بإيدها، وبصّت للقبر للمرة الأخيرة قبل ما تمشي قلبها كان م*وجوع بس حاسس بخفة غريبة، كأن الحمل اللي كان على صدرها اتشال بعد ما قالت كل اللي كان محبوس.