الفصل الاول
*ࢪواية سليم والمراهقة1-2-3-4-5🩶🧜🏻♀️*
البارت الأول _سليم والمراهقة_
لم أكن أتصوّر يومًا أن وجوده في حياتي سيتحوّل إلى عبء على قلبي.
كان خالي لكنّه لم يكن خالًا عاديًا. كان أخي الذي لم تلدْه أمي، صديقي، رفيقي في كل درب كل لحظة من طفولتي ومراهقتي مرّت وفيها هو ضحكاتنا، شقاوتنا، حتى صمتنا كان واحدًا لم أحتج يومًا لصديقة، فما دمت أملكه، كان العالم يكتفي بي وبـه.
كبرنا سويًا، كبر تعلقنا.
إن دلّلني أحدهم، فهو الذي دلّعني إن عاندني الزمان، فهو الذي كان يربّت على كتفي وحين التزمنا، دخلنا الطريق ذاته كأننا مرآتان عقل واحد في جسدين.
لكن كل ذلك تغيّر لحظة سمعْتُ بخطبته.
لم أرهُ بعيني مع تلك الفتاة، فلم أصدّق أمي لم تصرّ على اصطحابي لحفل الخطبة، وكأنها لم تدرِ أنها بذلك تركتني أتعلّق بالوهم:لم يحدث شيء ما زال لي وحدي.
حتى جاء يوم كتب كتابه كنت في السابعة عشرة، وكان يومًا مشحونًا بالابتسامات الزائفة رأيتها لأول مرة؛ فتاة خجولة، ملامحها ساكنة لا تملك بريقه نظرتُ إليها من أعلى لأسفل وابتسمتُ ابتسامة ساخرة:إنتي العروسة؟
آه أنا سلسبيل.
ابتسمتُ أكثر، وأنا أتمتم وكأنها نكتة قاسية:ياااه حتى اسمك على اسمي.
منذ تلك اللحظة شعرت أنني أخوض ح*ربًا غير معلنة لم تكن ح*ربًا على رجل غريب بل على نصف روحي.
جلستُ إلى جواره، هي عن يساره وأنا عن يمينه أناديه باسمه الذي لا يعرفه سواي، أطعمه بيدي قطعة هنا وأمزح هناك، بينما هي تصمت وتصمت، إلى أن غادرت الغرفة بعينين دامعتين. قيل إنها دموع الفرح لكنني، وأنا أتابع ارتجافة كتفيها، كنت أعرف أنها دموع الهزيمة.
كان الفرح في البيت ضجيج وزينة وأصوات زغاريد تتناثر في الأرجاء كل شيء كان يلمع إلا قلبها، كانت تجلس في ركنٍ قصيّ بوجهٍ جامد، بينما أنا أتنقل في الصالة كطائر حر.
كل خمس دقائق كنت أرق*ص معه، أضع يدي في يده، يرفعني كأنني طفلة صغيرة، أضحك بصوت عالٍ لا يعرف الخجل أحت*ضنه أمام الجميع وكأنني أعلن على الملأ أنني الأقرب.
وحين كنت أهدأ، أجلس بجوارها، أحكي لها عن مغامراتنا معًا كيف أخذني ذات يوم في مركب صغير وسط النيل، كيف حملني حين تعبت من المشي، كيف كنت أشاركه أسراره منذ وعيت.
كنت أستعرض ذكرياتي كما لو كانت ميدالياتٍ على صدره وعلى صدري.
هي ابتسمت ابتسامة مشدودة، لكن عينيها كانت تفضحان الغليان في الداخل لم تجرؤ أن تقول شيئًا، فالنسوة من حولها، والرجال يضحكون، وأمي وجدتي تتابعان المشهد بوجوهٍ راضية.
ثم أخرجتُ هاتفي، أريتها صورًا لي وله في الصباح نفسه، قبل أن ترتدي هي فستانها الأبيض قلت لها وأنا أرفع حاجبيّ كمن يتباهى:بصي إحنا اللي فرشنا الشقة كلها قبل ما تيجي.
لم أكن أقصد أن أج*رحها أو ربما كنت أقصد دون وعي.
أمسكتُ يده مرة أخرى، وضعتُ رأسي على كتفه وسط الدائرة، والرق*ص يعلو أما هي، فقد اختفت فجأة لم أرها إلا بعد ساعة، ووجهها منتفخ من كثرة البكاء. قيل:دموع عروسة قلبها رقيق لكني كنت أعلم، في قرارة نفسي، أنها كانت تبكي مني أنا من ظلّي الثقيل على قلبها.
في تلك الليلة، ولأول مرة، لم أستطع النوم كنت أضحك كثيرًا أمامهم، لكن حين أغلقت عيني، طاردني سؤال قاسٍ:هل أنا السبب في دموعها أم هي السبب في وج*عي؟
مرّ شهر على زواجهم، وكنتُ قد حاولت أن أقنع نفسي أن الأمور ستعود عادية، أنني سأجد لنفسي حياة خارج ظله لكن الزيارة إلى بيت جدتي قلبت كل شيء من جديد.
دخلتُ كعادتي، لا أقول لها جدتي بل يا حبيبتي، أقبّل يدها ورأسها وأحضنها طويلاً أتحرك في البيت كما لو كان بيتي، أدخل المطبخ، أقدّم الطعام، أضحك مع أمي وأجلس قرب أدهم نتبادل النكات والذكريات.
أما هي فكانت تراقب كل حركة، كل كلمة، كل ضحكة، كأنها س*هام صغيرة تستقر في قلبها.
جلستُ بجوارها على المائدة، لكنني لم ألتفت لها كثيرًا، كنت مشغولة بالحديث مع أدهم عن مغامراتنا القديمة، عن المرات التي سافرنا فيها، عن المواقف التي جمعنا. كان وجهه يضيء وهو يضحك، ووجهها ينطفئ أكثر مع كل ذكرى.
وفجأة، ومن دون أن أنتبه، خرجت مني جملة كالسهم:على فكرة مفيش حد زي أدهم دين، أخلاق، جمال ده حلم حياتي إني أتجوز واحد زيه.
ضحك أدهم، ورد مجاملةً بابتسامة دافئة:وأنا كمان، يا سوسو، كان نفسي ألاقي حد زيك ودورت كتير، لحد ما لقيتها، واسمها كمان زيك من بختي.
كانت جملة عابرة بالنسبة لنا، لكن بالنسبة لها؟ كانت النهاية.
تجمدت في مكانها، ثم فجأة أجهشت بالبكاء دموع حارة انهمرت أمام الجميع، وسط صمت ثقيل خيّم على المائدة رفعت رأسها نحوي وقالت بصوت مك*سور:طب ما كنتِ خدتِه ليه انا؟!
الوقت توقف.
أمي مذهولة، جدتي صامتة، أدهم يحدّق في فراغ، وأنا تظاهرت بالبراءة، رفعت حاجبيّ بدهشة مصطنعة، وقلت لها ببساطة:ده خالو.
في تلك اللحظة، فهمتُ أن اللعبة لم تعد بريئة أنني لم أكن مجرد بنت صغيرة تتعلّق بخالها بل صرتُ ظلًا يخنق أنفاس زوجته، حتى لو لم أقصد.
الليل كان باردًا، والجدران رطبة تتساقط منها قطرات ماء خفية الصغير يجلس في ركن الغرفة، يحتضن ركبتيه ويغرس رأسه بينهما أصوات ص*راخ الأب في الخارج تختلط بأن*ين الأم، والباب المغلق بينهما لا يمنع ارتجافه.
كل ما أراده في تلك اللحظة بطانية دافئة وصوتًا يطمئنه، لكن ما وصله فقط هو صف*عة القدر الأولى.
في الصباح، حين خرج إلى الشارع، كان الأطفال يركضون ويلعبون هو لم يركض، لم يضحك نظر إليهم بعينين متورمتين من البكاء، فاقترب أحدهم ودف*عه على الأرض ضحكوا.
هو لم يبكِ هذه المرة، بل رفع قبضة صغيرة وض*رب بكل ما يملك من غ*ضب كان ذلك أول درس يتعلمه من لا يملك القوة يُده*س.
سنوات مرّت، والطفل الذي عاش في الرطوبة والجوع صار رجلاً تُرهبه العيون.
ملابسه فاخرة، خطواته ثابتة، وعينيه لا تعرفان الرأفة على مكتبه الفخم، يجلس وهو يراقب رجاله ينفذون أوامره بلا نقاش.
لم يعد ذلك الصغير الذي ينتظر الحنان صار هو الذي يُخيف صار هو الذي يقرر صار اسمه يكفي ليهتز المكان.
لكن، في كل مرة ينفرد بنفسه، يعود الصوت القديم ليهمس داخله:أنت لست إلا ذلك الطفل الطفل الذي لم يم*ت.
البارت الثاني _سليم والمراهقة _
سليم الجندي
العمر ٢٢ سنة تقريبًا.
طويل القامة، جسده قوي مشدود كأنه معتاد على الع*نف.
شعره أسود قصير، وملامحه حادة، عينان قاتمتان تعكسان ق*سوة وتجارب مرة.
ندبة صغيرة أسفل عينه اليسرى، تذكير بطفولة مليانة ص*راعات.
أناقته صارمة بذلة دايمًا غامقة اللون أسود/رمادي داكن، كأن ملابسه درع يخفي هشاشته.
قاس*ي وعن*يف ما بيترددش يستخدم القوة عشان يفرض سيطرته.
متمرّد يكره القوانين والأعراف اللي قيدته زمان، وعاش عمره يقاوم كل شيء.
ذكي وبارد الأعصاب قراراته محسوبة، صعب حد يخمن نواياه.
غامض قليل الكلام، بس حضوره ثقيل يخلي الناس تسكت أول ما يدخل.
عنده نفوذ علاقات، رجال، واسم يخلي الكل يهابه.
طفولته البائسة سرّ ضعفه الوحيد، بيطارده في أحلامه وأحيانًا بيك*سر قناع القوة اللي لابسه.
قليل الثقة بالناس.
أي علاقة يدخلها، بيبقى فيها مزيج من السيطرة والخوف من الفقد.
عنده دائمًا جدار بينه وبين الآخرين، حتى وهو في قمة القوة.
أنا سليم الجندي.
٢٢ سنة من العمر، لكن الحقيقة؟ أنا ما كبرتش يوم.
لسّه الطفل اللي كان يقعد في ركن أوضة ضلمة، يتدفّى بنفسه، ويسمع ص*راخ أبوه وهو بيك*سر في كل حاجة لسه شايل في ضهري كل ص*فعة، كل مرة حد سابني، كل ضحكة اتسخرت عليّ.
كبرت، آه لكن ما اتغيّرتش.
اللي اتغير بس هو الهدوم اللي لابسها زمان كنت حافي برجلي مش لاقي رغيف عيش، دلوقتي لابس بدلة تمنها يجيب بيت زمان كانوا يدفّ*سوني في الطين، دلوقتي أنا اللي بر*مي غيري في الوحل وأقف أتفرّج.
بيقولوا عني قاس*ي عن*يف متمرّد.
ما يعرفوش إن دي مش اختيارات دي ج*روح، لبستني من يوم اتولدت.
اللي يشوفني دلوقتي، يخاف يشوف النفوذ، الرجال، الفلوس لكن أنا كل ليلة، لما الباب يتقفل، بشوف الطفل اللي جوايا بيعيط ومش لاقي حضن.
أنا اسمي سليم بس الحقيقة؟ أنا الجندي اللي عمري ما خرج من معركة.
والطفولة كانت أول ح*رب خسرتها.
في الطابق الأخير من البناية الزجاجية، جلس سليم الجندي خلف مكتبه الفخم أوراق عقود متناثرة، كوب قهوة لم يلمسه، ورجال يقفون عند الباب في انتظار إشارة منه.
كان الصمت يملأ الغرفة، إلا من صوته الرتيب وهو يوقّع الأوراق كل حركة محسوبة، كل كلمة مقنّنة، حتى أنفاسه بدت وكأنها تخضع لقانون القوة.
خلصوا الصفقة وأنا مش عايز أسمع كلمة تاني.
قالها ببرود وهو لا يرفع عينيه عن الورق، لكن رجاله فهموا أن أي تردد يعني نهاي*تهم.
هو لم يكن مجرد رجل أعمال، ولا زعيم عصابة كان شيئًا بين الاثنين رجل يعرف كيف يشتري القلوب، وكيف يحطّ*مها يعرف متى يستخدم المال، ومتى يترك الد*م يتحدث.
اسمه وحده يكفي ليصمت مجلس كامل.
لكن، في تلك الليلة، وبينما المدينة تتلألأ خلف الزجاج، تسلل صمت آخر إلى رأسه.
كوابيسه.
رأى فجأة صورة الطفل في زاوية الغرفة الرطبة، نفس الطفل اللي كان هو، عيناه غارقتان في الدموع، يرتجف وهو يسمع ص*راخ أبيه شدّ سليم نفسًا عميقًا، أدار وجهه بعيدًا عن الزجاج، وض*رب المكتب بقبضته بقوة كأنما يريد طرد ذلك الطيف.
أنا مش ضعيف خلاص.
همس لنفسه، لكن صوته ارتجف للحظة، قبل أن يستعيد ق*سوته ويضغط على زر بجانبه دخل أحد رجاله بسرعة.
هات العربية عندي حساب لازم يتصفّى الليلة.
ابتسم سليم ابتسامة باردة، تلك الابتسامة التي لا يعرفها إلا من جُ*رح صغيرًا ثم تعلّم أن الق*سوة درعه الوحيد.
الليل كان ساكن، والمدينة كلها محكومة بالصمت إلا من أصوات بعيدة لسيارات مسرعة على الطريق السريع، في الطابق العاشر من مبنى زجاجي ضخم جلس سليم الجندي على رأس طاولة طويلة تحيط به وجوه رجاله، سي*جارته تشتعل ببطء وعيناه تتنقلان بينهم في صمت قات*ل، لا أحد يجرؤ أن يبدأ الكلام قبله، كلهم يعرفون أن كلمة واحدة منه كفيلة أن ترفع رجل وتك*سر آخر، يرفع عينه فجأة ناحية واحد من رجاله ويقول بصوت منخفض لكن مليء بالقوة الصفقة اللي في الميناء اتأخرت ليه؟، الرجل يتلعثم ويحاول يبرر لكن سليم يقطع كلامه بنظرة حادة تكفي تخليه يبلع ريقه ويسكت، ينهض واقفًا بخطوات هادئة لكنها ثقيلة، يقترب منه ببطء، يسحب الكرسي من تحته ويرميه على الأرض ثم يهمس في أذنه أنا ما بحبش اللي يخليني أبان ضعيف قدام المنافسين لو اتكرر، أنت عارف مصيرك، يرجع لكرسيه كأن شيئًا ما حصلش بينما الرجل ملامحه بيغطيها الرعب، فجأة يُفتح الباب بعنف ويدخل أحد الحراس مسرعًا وهو يلهث سليم بيه في ناس بره بيستنونا شكلهم مش جايين بخير، سليم ما يهتزش، يضحك ضحكة قصيرة باردة ويقول أهو اللعب ابتدى، يقوم واقف، يظبط أزرار بدلته، يلمس ساعته الفاخرة ثم يشير برجاله يلا بينا نشوف مين اللي جاي يهدد الزعيم، ينزلوا من المبنى بسرعة، الموكب الأسود يتقدم في الشوارع المظلمة، أصوات المحركات تقطع السكون، يصلوا للمكان المتفق عليه، مستودع قديم على أطراف الميناء، الأبواب تتفتح ويبان رجال مسل*حين في كل اتجاه، سليم ينزل من السيارة بخطوات ثابتة، عينه تلمع وهي بتتحدى اللي قدامه، يقف في مواجهة زعيم العصابة المنافسة، تبادل نظرات صامتة تتحول لشرارة، الزعيم يحاول يستفزه بكلمة لكن سليم يرفع يده فجأة فيسكت الكل، صوته يخرج هادئ لكنه ح*اد كالن*صل اللي فاكر إنه يقدر يمد إيده على شغلي لازم يعرف إنه بيكتب نهاي*ته بإيده، في لحظة يخرج رجاله أسلح*تهم، أصوات الس*لاح بتملأ المكان، التوتر على أشده، ثواني تفصل بين الكلام والد*م، وسليم واقف في النص، مبتسم ابتسامة صغيرة باردة، عارف إنه مهما حصل الليلة هو اللي هيبقى واقف في الآخر.
سلسبيل كانت ماشية في الشارع اللي بيوصل لبيتها بعد يوم طويل في الثانوية، شنطتها متعلقة على كتفها وحذاؤها الرياضي متسخ شوية من المطر اللي وقع الصبح، شعرها مربوط بسرعة لكن خصلة صغيرة سايبة على جنب وشكلها أقرب لبنت لسه خارجة من حصة لعب مش دروس ثانوية الحقيقة إنها مهما كبرت، لسه جواها جزء طفولي ما بيروحش، تحب تشتري فشار من عربية صغيرة جنب محطة الأتوبيس، وتوقف تضحك مع الولد الصغير اللي بيساعد أبوه في البيع.
في البيت، أوضتها مليانة دفاتر ورسومات على الحيطان، صور من أيام المدرسة لسه محتفظة بيها، وجوابات صغيرة كتبوها لها صحابها وهي في الإعدادي بخطوط ملخبطة ومليانة قلوب ورسومات نجوم لما بتقلب فيهم، تفتكر مواقف كتير يوم ما غابت عن امتحان علشان وقعت وتعورت، والبنات في الفصل قعدوا يكتبوا لها نكت على ورق علشان يفرحوها، أو لما اتخانقت مع واحدة منهم لأنها ضحكت على طريقتها في الكلام ورجعت بعد نص ساعة تصالحها وهي باكية.
صحاب الدراسة كانوا عالمها الصغير اللي بتفزع له من ضغوط البيت لسه على تواصل مع مي اللي دايمًا بتقول لها إنها متأخرة في التفكير زي الأطفال، ومع سارة اللي بقت شبه أختها، تعرف كل أسرارها وبتلومها كتير على تهورها. وفي كل مرة بيكلموها في ذكريات زمان، إسراء تضحك نفس الضحكة القديمة صوت عالي ومليان عفوية، يخلي الناس يفتكروا إنها لسه بنت صغيرة مش بنت 17.
رغم إن شكلها الخارجي أنيق، بملابس عصرية وهدوء ظاهر، جواها طفلة بتخاف من الظلمة، بتحب تقف على الشباك تراقب المطر، وبتكتب لنفسها يوميات بخط ملون في أجندة وردية عليها استيكرات.
يمكن العالم شايفها بنت ناضجة، لكن هي من جواها عارفة إنها لسه بتحمل براءة المدرسة وضحكات الطفولة حتى لما دخلت حياة الكبار، لسه بتحلم بنفس البساطة اللي كانت بتحلم بيها زمان صحاب حقيقيين، وبيت مليان دفء، وحد يحبها من غير ما يغيرها.
البارت الثالث _سليم والمراهقة _
أدهم صار يرد على هاتفه وهو واقف، بنبرة قصيرة لا تتعبها، يضحك مع زوجته أمام الناس وكأنهما في فعل تمثيلي مُتفق عليه في وقت الفجر، كانت سلسبيل تصحو على صوت تحضير قهوة أدهم، تدخل المطبخ لتجد كوبين معدّين بعناية، أحدهما لزوجته، والأخر موضوع على منضدة عمله كان يبتسم لها بابتسامة عابرة، يضمّها لموعد عمل، ثم يختفي في السيارة السوداء التي تبتلع خطواته قبل أن يغادر يقول لها:هخلص الميعاد وباجي نبرة صوت فيها وعد بسيط لكنه لا يفي تمرّ ساعات يتحول الوعد إلى فراغ، والفراغ إلى رسائل قصيرة تقرأها سلسبيل مرارًا وتعيدها في دماغها كحبل رفيع يحاول أن يمسكها لكنها تفشل.
في بيتهم، الكل منشغل أمها صارت لها مواعيد لنقاش تجهيزات الضيوف، وجدتها تحفظ بعض أطباق الطعام للغداء الذي لن تجلس فيه سلسبيل مع من كانت تتوقعهم، والجيران يأتون ليباركوا ولا يكترثون لوجوه تُخفي الحنين ذات مساء جلست سلسبيل في شرفة البيت، السماء رمادية والمطر يرسم خطوطًا على الزجاج كانت تدير كأسًا من الشاي بين أصابعها وتفكر في المرات التي كان أدهم يجلب فيها هدايا صغيرة بلا سبب لعبة بلاستيكية كانت يومًا، وشريط تسجيل أغنية كان يتركه على طاولتها الآن كل هذا تبدّل بهاتف ذكي يحمل صورًا جديدة وذكريات تُحمّل على حسابها.
في المدرسة، مع الأصدقاء، كانت الضحكات تُعاد على شكل نكات ومتفرقات ميّ تقول لها:انسيه، هو تجوز خلاص وتضحك ضحكة أخوية تحاول أن تُبيض الحزن سارة تجلس بجانبها وتضغط على يدها بصوت هادىء:لو احتجتي أي حاجة أنا معاكِ لكن الكلمات هذه لا تسدّ مكانًا في قلب ممتلئ بفراغ كانت سلسبيل تحاول أن تكون ممتنعة عن الش*كوى، تحاول أن تبتسم، لكن النظر في المرآة يعيد لها صورة عيونٍ أكبر بقليل من سنها، تحمل ظلًّا من الح*زن.
الليالي أصبحت طويلة تعود لمفكرتها القديمة، تكتب في دفتر وردي أشتاق لصوتك قبل أن يكون صوت أحد غيري ثم تمزق الورقة بعد لحظات، كأنها تريد أن تطرد اعترافًا لا يليق بالحب الذي صار م*حرّمًا في مناسبة بسيطة زيارة عائلية دخلت الغرفة لتجد أدهم يقص على زوجته ح*ادثة مضحكة حدثت له في الشغل، يضحكان معًا بصوتٍ مشترك، والجو العام يشي بأن عالمهما بدأ يستقيل من العالم الذي كانت تملكه سلسبيل جلست على المقعد بقرب النافذة، شاهدت الضحكات وكأنها من خلف زجاج سميك.
في الداخل، أل*مٌ خفيف يشبه وج*ع سنٍ يت*قطع ليست الغ*يرة فقط، بل فقدان روتين كامل كان عنوان وجودها لو لم يكن أدهم يومًا في حياتها، لربما لم تشعر بهذا الفراغ لكنها خسرت أكثر من شخص خسرت مرآتها، من كان يقرّبها من الواقع حين تخ*اف، من كان يضحك معها حين تهرب من الح*زن.
ومع كل هذا، لم تفعل شيئًا دراماتيكيًا لم تُواجه، لم تُص*رخ، لم تطلب منه أن يعود جلست، سمعت خطواته تتلاشى عبر الممر، وسمعت باب المنزل يُغلق خلفه وكأن العالم يغلق معها استندت إلى النافذة ورأت ظلها الطويل على الرصيف، ظلاً يميل إلى الصغر، وفي قلبها إدانة هادئة إنها وحيدة، والبيت كله أصبح مكانًا لذكريات لم تعد تملك مفتاحها.
الممر الطويل في المدرسة كان مزدحمًا بالطلبة، أصوات ضحكات وصخب متداخل سلسبيل كانت ماشية بهدوء، clutch صغيرة في يدها وكتبها مضغوطة على صدرها. حاولت تتجاهل الهمسات اللي بتلاحقها من وراها:شايفة عاملة فيها ملاك!
دي فاكرة نفسها مختلفة عن الكل.
سلسبيل زوّدت خطواتها، قلبها بيدق بسرعة، لكن الصوت وراها كان أقرب من أي مرة ثلاث بنات وقفوا قصادها عند آخر الممر. واحدة منهم رفعت حاجبها بابتسامة ساخرة:هو إنتي فاكرة نفسك أحسن مننا ولا إيه؟
سلسبيل ما ردتش، عينيها نزلت للأرض، بتتمنى تعدي من غير مشاكل لكنها فجأة حسّت بإيد ق*وية تدف*عها من كتفها جسدها اتمايل بسرعة، الكتب طارت من إيدها، وارتط*م رأسها بحافة معدنية في الجدار لحظة صادمة، بعدها صوت ارتطام مكتوم وسكون داخلي.
سلسبيل وق*عت على الأرض، الد*م بدأ ينزل بخط رفيع من جنب جبهتها عينيها اتسعت للحظة ثم غامت الرؤية قدامها، والدنيا كلها بقت أصوات متقطعة وضباب أبيض.
واحدة من البنات شهقت بخ*وف:يا نهار وقعت بجد!
التانية حاولت تضحك وتخفي ارتباكها:هي اللي وق*عت لوحدها إحنا ما عملناش حاجة.
لكن الرعب كان واضح في عيونهم طلبة تلموا حوالين سلسبيل، أصوات متداخلة:حد يجيب دكتور!
هاتوا مية بسرعة!
جسمها كان ساكن، وملامحها أقرب لبنت نايمة بعمق، بس الد*م على جبينها فضح إن الموضوع أكبر من مجرد سقوط عادي.
الدنيا اتقلبت في لحظة، وكل اللي حواليها اكتشفوا إن ضحكهم وسخريت*هم اتحولت لمأس*اة وسلسبيل غايبة عن الوعي، بين إيدين الصدمة والخوف.
سلسبيل فتحت عينيها ببطء، الضوء الأبيض للمستشفى ضرب عينيها فغمضتهم تاني، شعرت بلفّة في راسها وببرد معدني في ذراعها من الإبرة الموصولة حاولت تتحرك لكن وج*ع الج*رح فوق جبينها خلّاها تئن بصوت خافت.
أول صورة شافتها كانت أمها قاعدة جنبها على الكرسي، عيونها حمرا من القلق لما حسّت إنها صحت، قامت بسرعة ومسكت إيدها:الحمد لله يا بنتي خوفتيني م*وت.
سلسبيل حاولت تبتسم لكنها ما قدرتش، شفايفها كانت ناشفة، صوتها واهي:إيه اللي حصل؟
أمها مسحت عرقها وقالت:وقعتِ في المدرسة حد شافك وأخدوك المستشفى، الدكتور قال مجرد ارتجاج بسيط، بس لازم ترتاحي.
كلامها كان مطمّن، لكن جوا سلسبيل كان في حاجة تانية صوت السقوط رجع يتكرر في ودانها، إحساس الدف*عة المفاجئة، الضحكة الخ*بيثة للبنات قبل ما يلمس رأسها الحديد قلبها اتقبض، عينيها دمعت من غير ما تقصد.
بعد شوية دخلت صديقتها سارة، شايلة عصير ووشها متوتر. قعدت جمبها وقالت:يا سلسبيل أنا آسفة إني ما كنتش جنبك لو كنت شوفتهم ما كنتش هسيبهم يعملوا كده.
سلسبيل ما ردتش، نظرت للسقف، دموعها نزلت من الجنب وهي ساكتة في اللحظة دي حسّت قد إيه الوحدة م*ؤلمة لا خالها أدهم موجود زي زمان يضحك ويهون، ولا البنات اللي حواليها في المدرسة شايفينها غير كأنها غريبة.
مدّت سارة إيدها ومسكت يدها، وسلسبيل لأول مرة من فترة طويلة سابت دموعها تنزل بحرية كان جواها إحساس إنها ضعي*فة، متروكة، وإن أقرب الناس ليها ابتعدوا.
لكن وسط الأل*م ده، في لمعة صغيرة بدأت تنمو فكرة إنها لازم تقف لنفسها، مش عشان تثبت حاجة للبنات اللي أذوها، لكن عشان ما تسيبش حياتها كلها تتحدد بالوحدة والفراغ.
عائلة الأبنودي واحدة من العائلات التاريخية في القاهرة، أصولهم راجعة للتجار الكبار اللي كان لهم نفوذ من أيام الملكية بيتهم القديم في الزمالك لسه محتفظ بروحه العتيقة صور أجداد معلقة على الجدران، أثاث شرقي مطعّم بالنحاس، وحديقة فيها شجر معمّر يشهد على أجيال من القوة والسلطة.
رشيد الأبنودي كبير العائلة، في الستينيات من عمره، رجل وقور، صوته هادي لكنه مؤثر، كل كلمة بيقولها بتوزن بميزان الذهب.
سياسي مخضرم، ليه علاقات مع رجال أعمال وكبار مسؤولين، وبيعرف يخلّي العيلة واقفة على أرض ثابتة مهما كان.
هو خال سليم الجندي، وبيعتبره امتداد ليه رغم إنه فاهم ع*نفه وتمرده، لكنه شايف فيه الكاريزما اللي ممكن تخلي اسمه يفضل حاضر بعد رحيله.
علاقته بسليم مزيج من الأبوة والسيطرة أوقات يدعمه لآخر نفس، وأوقات يقف قدامه علشان يوجّهه، لأنه عارف إن سليم مش دايمًا بيحسب خطواته.
ليلى زوجة رشيد، سيدة مجتمع أنيقة، حاضرة في المناسبات الخيرية واللقاءات الرسمية. رغم مظهرها الرقيق، إلا إنها صارمة جدًا في حماية صورة العيلة.
فارس ابن رشيد الأكبر، دبلوماسي في الخارجية، شخصيته مختلفة عن سليم، يميل للحلول الهادئة بدل المواجهة في داخله غيرة مكتومة من النفوذ اللي اكتسبه ابن خالته.
حسام الابن الأصغر، مستهتر، يحب السهر والمال السريع بيقع أحيانًا في مشاكل، وسليم هو اللي بيغطي عليه.
ريم الابنة الوحيدة، قوية الشخصية، متزوجة من رجل أعمال، لكنها شايفة إن بيت أهلها أقوى من أي بيت عندها حضور خاص، وبتحاول تحافظ على التوازن بين إخوتها وابن خالتها سليم.
الليل ساكن في شارع الزمالك، وأنوار الشارع بتعكس نفسها على النيل، والبيت الكبير لعيلة الأبنو̄دي مضوي بالكامل نوافذه الطويلة بتدي إحساس بالعراقة والنفوذ. سليم الجندي واقف عند بوابة الحديد، رجليه ثابتين، إيده في جيبه، وعينيه بتلمع تحت ضوء الفوانيس، كل حركة ليه محسوبة، كله فيه هيبة.
دخل البيت، وشال عينه على كل تفصيلة: السجادات القديمة، الطاولات من خشب تقيل، صور الأجداد على الحيطان، كل حاجة بتصرخ تاريخ ونفوذ رشيد الأبنو̄دي قاعد على كرسي واسع في الصالة، ظهره مستقيم وصوته هادي لكن تقيل:سليم مبسوط إنك جيت.
سليم اقترب، منحني راسه شوية احترام، لكن حضوره مسيطر:الشرف ليا يا خالي.
ليلى، مرات رشيد، دخلت وابتسامة محكمة على وشها، عيونها متابعة كل حركة:أهلا بيك البيت ده بيتك برضه.
في الركن، فارس قاعد ساكت، عيونه مركزة على سليم بتحاول تفهمه، و حسام بيتململ على الكرسي ويضحك بصوت عالي زيادة عن اللزوم، وريم تتأمل سليم بنظرة غامضة، كأنه فيه سر جواه.
رشيد أشار لرجاله يسيبوا المكان، وبدأ بالكلام:عايزكم تتعرفوا على بعض سليم، انت تعرف البيت وقواعده، بس الليلة حابب أعرف رأيكم في شوية أمور مهمة.
سليم قعد على الكرسي اللي قدام رشيد، رجله متباعدة شوية، إيده على ذقنه، عيونه حادة، كل حركة ليه الكل بيراقبها الجو متوتر وصمت ممتد.
رشيد ابتدأ يتكلم عن شوية صفقات للعيلة، عن النفوذ اللي ماسكينه في القاهرة، وعن ضغوط المنافسين سليم قاعد يسمع، أوقات بيبتسم ابتسامة قصيرة وباردة، وأوقات بيرفع حاجبه ساخر من كلامهم، لكنه ما يقاطعش، كل كلمة محسوبة تظهر قوته من غير تعالي.
فارس حاول يتدخل:ابوي، سليم وإحنا بنحاول نحافظ على صورة العيلة، مش كل الطرق مقبولة.
سليم بصله مباشرة، هادي بس كافي يخلي فارس يصمت:وأنا عارف بس ساعات القوة هي اللي بتحمي الصورة، مش الكلام.
رشيد ابتسم ابتسامة خفيفة كأنه بيقول:تمام الراجل ده بالظبط اللي محتاجينه البيت.
حسام اتلعثم شوية، بس حس بحاجة غريبة: احترام وخوف مع بعض، وريم ضحكت بصوت منخفض، كأنها تقول لنفسها: الراجل ده مش زي أي حد شفته في العيلة.
الساعة عدت، والحديث اتنقل من المجاملات لخطط العمل، كل فرد من العيلة بدأ يحس إن سليم مش مجرد ابن عمتهم، ده ذراع حديدية تمسك الحقيقة والقرار، ولو عايز، ممكن يقلب أي لعبة لصالحه رشيد قاعد مطمئن، لأنه عارف إن الراجل اللي اتربى على الشارع والق*ساوة ده هو الحامي الحقيقي لعيلة الأبنو̄دي.
النهار كان مايل للغروب، والساحة قدام بيت جدتها مليانة ولاد بيلعبوا وبنات بيتكلموا سلسبيل قاعدة على طرف السلم، عيونها محمرة من البكا، ودموعها لسه مترسمة على خدودها أدهم، خالها، قاعد جنبها، بيحاول يضحكها:يا بنتي انتي دموعك غالية، ماينفعش تنزليها ع الأرض كده لو حد شافها يسرقها ويجري!
قالها وهو بيضحك ويحاول يخفف عنها، لكن سلسبيل هزت راسها وقالت بصوت مخنوق:محدش بيفكر فيا كله بقى مشغول.
في اللحظة دي، كان سليم واقف مش بعيد، جاي مع واحد من رجالة رشيد الأبنو̄دي عيناه وقعت على المشهد بنت صغيرة ملامحها بريئة ودموعها بتنزل، وشاب شابك ضحكته بجنبها الد*م غلي في عروقه، ضاق حواجبه، وخطوته اتسارعت ناحية أدهم.
مد يده كأنه عايز يشده من مكانه، لكن إيده التانية ثبته مساعده ليه، همس في ودنه:سيبهم يا سليم يمكن يكون قريبها شايف البنت؟ باين عليها تعبانة، وهو بيواسيها مش أكتر.
سليم شد نفسه، عينه مش قادرة تسيب المنظر، عضلة فكه بارزة، قلبه متقلب بين الغضب والشك.
بص لرجله وقال بحدة:لو طلع غير كده مش هسيبه.
سكت، ورجع خطوة لورا، لكن عينه فضلت معلقة بسلسبيل، دموعها، وانك*سارها حاجة جواه اتحركت لأول مرة من سنين، بس هو ما اعترفش بده لسه.
البارت الرابع _سليم والمراهقة _
بعد ما كبر سليم واتشكلت شخصيته العن*يفة الق*وية، كان عنده دايمًا دايرة صغيرة جدًا من الناس اللي يثق فيهم وسط عالم مليان خيانة ونفوذ ومؤامرات، أصحاب زيه مش مجرد أصحاب قهوة، دول بمثابة إيده التانية.
نادر حسني 23 سنة محقق خاص، عنده ذكاء حاد وبيفك الألغاز بسرعة رغم حبه للخيول والفروسية اللي بتخليه هادي ومتحكم، إلا إن دماغه شغالة زي الكمبيوتر سليم بيعتمد عليه في تتبع الناس، كشف الخبايا، أو حتى مراقبة خصوم بيشوفه زي العين اللي بترصد.
هادي النويري 20 سنة شاب رياضي، بيحب كرة القدم ورفع الأثقال، جسمه مفتول لكن قلبه طيب شغله كمحاسب في شركة استيراد صغير بالنسبة لنشاطاتهم، لكنه بيفيدهم في الحسابات والصفقات، بيفهم الأرقام والطرق اللي الفلوس بتمشي فيها سليم يعتبره المخزن الأمين اللي بيعرف يحافظ على الفلوس ويديرها.
صالح رشوان 22 سنة صاحب سليم المقرّب، أكتر واحد يعرف أسراره بيشتغل في ورشة صغيرة ميكانيكا، وبيمارس السباحة بشكل شبه يومي لكن اللي يخليه مميز إنه ق*ناص بارع، موهبة ورثها عن أبوه اللي كان يشتغل في الجيش سليم شايف فيه اليد الحديدية، اللي وقت الجد يخلص من أي ته*ديد بدقة.
ليل القاهرة، شارع جانبي هادي، كشافات ضعيفة من بعيد صوت كورة بتتدحرج على الأرض وبعدين ضحكة عالية.
هادي، بجسمه الرياضي، ماسك الكورة وبيقول لصالح:قولتلك يا عم أنا ميسي بتاع الشركة، محدش يعرف يوقفني.
صالح بيضحك وهو ماسك سي*جارة مطفية بين صوابعه:يا عم روح إنت آخرّك تلعب مع العيال في الحارة سيبلك الحديد والميزان، الكورة دي مش ليك.
نادر واقف على جنب، لابس جاكيت غامق، إيده في جيبه، عينه بترصد الشارع زي المحققين في الأفلام:إنتو هتفضلوا تتنططوا كده ولا نركز؟ أنا جاي عشان موضوع جد، مش عشان دوري أبطال الحارة.
قبل ما هادي يرد، صوت خطوات تقيلة قرب الكل سكت.
سليم الجندي دخل من آخر الشارع، بدلة سودا، خطواته واثقة، عينه شايلة غض*ب الدنيا كلها لما قرب منهم، مفيش حد قدر يتكلم.
وقف قصادهم وقال بصوت هادي لكن تقيل:اللي هيقف جمبي من النهاردة لازم يبقى راجل بمعنى الكلمة راجل مايرجعش لورا، مايتك*سرش، وما يخ*ونش.
هادي ضحك بخفة يحاول يك*سر التوتر:هو في إيه يا سليم؟ إحنا جينا نقعد معاك مش نحلف قسم زي الجيش.
سليم بصله نظرة جمدت ضحكته في ثانية صالح حس التوتر وقال بهدوء:كلنا معاك يا سليم عارفين إنك غير أي حد اللي تشوفه صح إحنا وراك فيه.
نادر قرب خطوتين، عينه لامعة:أنا دماغي ليك أي حاجة محتاجة تتفك، أي لغز، أي حد نراقبه سيبهولي.
هادي، وهو عامل نفسه شجاع:وأنا عضلاتي ليك بس برضه مش ناسي الكورة.
سليم ابتسم ابتسامة صغيرة، نادرة جدًا:كده الكلام من النهاردة إنتو مش مجرد صحاب إنتو ظهري وأي حد يقرب مني أو منكم هيلاقي نفسه في مواجهة معانا كلنا.
صالح مد إيده أول واحد، والباقي حطوا إيديهم فوق بعض اللحظة كانت بداية لرابطة مختلفة مش مجرد صداقة، لكن عُصبة صغيرة بتكبر في قلب القاهرة، وممكن في يوم تغيّر موازين القوة.
ليل طويل، الساعة قربت على نص الليل الأربعة قاعدين في كافيه شعبي على النيل، صوت الميه مع أصوات المراكب من بعيد الجو شكله عادي لحد ما دخلوا تلات شباب معروفين في المنطقة إنهم بلطجية.
أول ما عيونهم وقعت على سليم، واحد منهم بص وقال:آه أهو الجندي، اللي عامل نفسه ملك المنطقة.
سليم ما ردش، عينه بس اتعلقت بيهم، وهو بيكمل سحب الش*يشة كأنه مش سامع لكن نادر حط إيده على كتفه وقال بصوت واطي:دول مش جايين يشربوا شاي شكلها معمعة.
هادي، اللي كان متململ أساسًا، قام واقف وقال:يا جدعان أنا مستني اللحظة دي من زمان إيداي عايزة شغل.
صالح هداه شوية:استنى خلّيها تيجي بالراحة إحنا مع سليم مش م*عركة حارة.
البلط*جية قربوا على الطاولة، واحد منهم مسك الكرسي ورماه بعيد وقال:قوم يا جندي، ورينا نفسك بعيد عن رجالة خالك الأبنو̄دي.
سليم قام بهدوء، لا استعجال ولا خوف، ووقف قدامهم خطوة بخطوة صوته كان هادي لكنه خلى الكل يسكت:أنا ما بستعرضش بس لو فتحتوا بابها محدش هيقفله غير الم*وت.
قبل ما البلط*جي يمد إيده، صالح رفع رجله بسرعة، ض*ربه في بطنه فوقع على الترابيزة.
هادي دخل في التاني، مسكه من هدومه ورفع*ه زي ما يرفع شنطة، ورم*اه بره الكافيه.
نادر، اللي عقله أسرع منهم، شد تليفونه وصور اللحظة وقال:لو حد فيكم فكر يرجع، الفيديو ده هيوصل للكل وسمعتكم هتتبهدل.
التالت واقف مش قادر يتحرك، عينه على سليم اللي لسه ما اتحركش خطوة.
سليم قرب منه وقال بهدوء قات*ل:ارجع وقول لكل اللي باعتكم سليم الجندي مش لوحده معايا رجالة مابيتباعوش.
التالت جري بسرعة، والباقي اتلموا الجو رجع هادي، لكن أصحاب سليم كانوا لسه متنشنين.
هادي، وهو لسه متنفس بصعوبة من الحماس:يا ابني إيه العظمة دي؟ إحنا فرقة نارية، قسم بالله.
صالح ضحك وهو يطفي السيجارة:دي مجرد البداية الجاي هيبقى أصعب.
سليم ما ابتسمش، لكنه لأول مرة حس إن عنده ضهر حقيقي.
الضحكة العالية كانت مالية أوضة سارة. سلسبيل قاعدة على الكرسي، ملامحها متوترة، بتحاول تفهم إيه اللي بيحصل سارة واقفة قدامها بوشها المبتسم وبتقول:يا بنتي إنتي غالية عندي، والله لو كل الدنيا وقفت ضدك أنا هافضل جنبك.
نورهان، أختها، قعدت على السرير، مكتومة من الضحك، وهي ترمي نظرات ساخرة على سلسبيل شوية تلمس كتف سارة وتقول لها بصوت واطي:يا سلام الصديقة الوفيّة أوي.
فتنفجروا هما الاتنين ضحك، وسلسبيل قلبها يتقبض أكتر.
سلسبيل، بصوت ضعيف:أنا أنا مش فاهمة إنتي بتضحكي عليا؟ ولا بتهزري؟
سارة ردت بسرعة، ملامحها متصنعة:إنتي إيه يا بنتي؟ لأ طبعًا أنا بس بحاول أخلي الجو خفيف شوية.
لكن الضحكة الساخرة اللي خرجت من نورهان فضحت كل حاجة سلسبيل حسّت إن الأرض اتسحبت من تحتها، وإنها لعبة في إيدهم، مش صديقة.
في اللحظة دي، الباب اتفتح بع*نف مسعود، أخوهم، دخل زي العاصفة وشه متغير، صوته جهوري:إيه قلة الأدب دي؟ إنتي فاكرة نفسك بتلعبي في مين يا سارة؟
سارة اتجمدت في مكانها، حاولت تتكلم:دي دي صاحبت.
ما كملتش مسعود رفع إيده وص*فعها ص*فعة ق*وية رجّت الأوضة، صوتها سبق حتى شهقة سلسبيل بعدها م*سك شعرها وش*دها وهو منفعل، صوته مليان غضب:أنا مش هسمحلك تلعبي بقلوب الناس إنتي فاهمة ولا لأ؟
نورهان صرخت:سيبها يا مسعود! إنت جننت؟!
سلسبيل واقفة، الدموع ملياها، مش عارفة تعمل إيه قلبها بيت*قطع بين خوفها من اللي حصل قدامها، وبين إحساسها إنها كانت ضحية استهزاء رخيص.
مسعود ساب شعر أخته أخيرًا، وبص على سلسبيل بنظرة هادية لكنها تقيلة:إنتي ما تستاهليش اللي عملوه فيكي بس أوعي تفتكري إن الدنيا كلها زي كده.
وخرج من الأوضة، سايب وراه صمت خانق وسارة لأول مرة تبص في الأرض وما تقدرش تضحك.
سلسبيل كانت قاعدة في أوضتها، عينيها لسه فيها أثر دموع من آخر موقف اتعرضتله الشقة ساكتة أوي بعد ما أدهم ومراته سافروا كل مرة كانت بتحس إنه هو الحضن الوحيد اللي بيعوضها عن أي وجع أو وحدة، دلوقتي حتى هو مش موجود.
مسكت موبايلها وبدأت تقلب في الصور القديمة: صورة ليها مع أدهم وهما في النادي، ضحكة صافية وهي ماسكة إيده، صورة تانية وهو بيهزر معاها قدام العربية كل صورة كانت بتفكرها إنه كان زي الأخ الكبير اللي عمرها ما لاقته.
تنهدت وقالت بصوت مك*سور:حتى إنت يا أدهم سبتني ومشيت.
قامت من السرير تمشي في الشقة، بتلمس الحيطان كأنها بتدور على أي صوت أو ذكرى تطبطب عليها فجأة وقفت عند الشباك، بصّت على الشارع الفاضي، النور خافت والدنيا هادية الإحساس بالفراغ بدأ يخ*نقها.
افتكرت ضحكة سارة المزيفة واللي كانت بتتظاهر إنها صديقتها، والطع*نة اللي خدتْها منها افتكرت كل المرات اللي رجعت البيت تبكي وأدهم كان يسمعها ويضحك معاها عشان ينسيها دلوقتي مفيش حد.
قعدت على الأرض، حضنت ركبها وقالت بصوت واطي:الوحدة وح*شةوح*شة قوي.
سلسبيل بعد سفر أدهم ومراته بقيت حاسة بالوحدة في كل تفاصيل يومها لكن فجأة، حاجة غريبة بدأت تحصل.
أول يوم وهي راجعة من المدرسة، لقت علبة صغيرة ملفوفة بورق هدايا أنيق محطوطة قدام باب الشقة. فتحتها بسرعة ولقت جواها دب صغير، على رقبته شريط أحمر قلبها دق بسرعة وهي مبتسمة ومش فاهمة مين اللي جاب الهدية.
في اليوم اللي بعده، وهي بتفتح شباك الأوضة الصبح، اتفاجئت بباقة ورد أبيض متعلقة بهدوء على سور الشرفة مسكتها بإيدها المرتعشة وحست ريحة الورد تملأ الأوضة كلها عينيها لمعت بسؤال كبير: مين اللي بيعمل كده؟
وبعدها بكام يوم، في المدرسة، وهي قاعدة على طاولتها لقت ظرف أنيق لونه سكري، جواه رسالة مكتوبة بخط مرتب:ابتسامتك بتنور المكان متخليش الحزن يسرقها منك.
سلسبيل فضلت تقرأ الرسالة أكتر من مرة، ضحكت بخجل وقلبها بيرقص من الفرحة كل يوم بقى عندها فضول جديد: مين اللي بيتابعها؟ وليه بيبعتلها الهدايا دي؟
وبالرغم من الوحدة اللي كانت مخ*نقاها، إلا إن الرسائل والهدايا دي بقت زي نسمة هوى جديدة في حياتها حاجة غامضة بتخليها تصحى كل يوم بأمل إنها تكتشف السر.
البارت الخامس _سليم والمراهقة _
كريمة، قريبة والد إسراء، ست في الـ 34 من عمرها من برّه شكلها عادي جدًا، ملامحها هادية لكن ورا الهدوء ده في جبل من التض*حيات متجوزة من راجل اسمه محروس، راجل أناني وبخ*يل، والأدهى من كده إنه متجوز عليها و هو طول الوقت بيتعامل كإنه سيد البيت، لكن الحقيقة إن اللي شايلة البيت كله على كتافها هي كريمة.
بتصحى من الفجر، تحضر الفطار للعيال الثلاثة: حسام 14 سنة لسانه طويل ودايمًا بيشوف أبوه المثل الأعلى، منى 11 سنة متأثرة بكلام أبوها وبتظن إن أمها ضعيفة، وآسر 7 سنين أطيبهم وأقرب لقلبها لكنه متقلب بسبب الجو المشحون في البيت.
الأولاد فاكرين إن أبوهم هو اللي بيصرف عليهم، وبيتعاملوا مع أمهم بجفاء وق*سوة ساعات، يج*رحوها بكلمة أو يتجاهلوا مجهودها بس الحقيقة إن كريمة بتشتغل في الخفاء بتخيط هدوم للناس، وتساعد جارتها في محل صغير علشان توفر المصاريف فلوس محروس بالكاد يلمسها البيت، هو بخ*يل على عياله لكن مش بخيل على نفسه ولا على مراته التانية.
في الليل، بعد ما الكل ينام، تقعد كريمة في المطبخ لوحدها تخيط على ماكينة قديمة إيديها مليانة وخ*ز الإبر، عينيها بتوجعها من التعب، لكن قلبها مليان صبر ساعات تبكي وهي لوحدها، بس أول ما تسمع حركة من حد، تمسح دموعها بسرعة وترجع لشخصيتها القوية اللي متعودة عليها.
اللي يميز كريمة إنها برغم كل الظ*لم، لسه بتحافظ على كبرياءها عمرها ما راحت تشتكي، ولا طلبت من حد يعينها كريمة عندها إيمان إن بكرة هيكون أحسن، وإن أولادها يوم ما يعرفوا الحقيقة هيقدّروا تضحياتها.
كانت كريمة واقفة في السوبر ماركت، إيدها ماسكة ورقة صغيرة مكتوب فيها احتياجات العيال للمدرسة كل ما تمد إيدها على حاجة، تحسب بعقلها:دي غالية دي مش ضرورية دلوقتي لحد ما الفلوس خلصت منها بسرعة وما قدرتش تجيب غير شنطة واحدة.
وقفت قدام الكاشير، وهي بتحاول ترسم ابتسامة صغيرة وتخبّي كس*رتها لكن أول ما خرجوا من السوبر ماركت، حسام وقف قدامها بغضب:إيه ده يا ماما! شنطة واحدة؟! إنتي مش قادرة تجيبلنا حتى حاجتنا؟!
منى وقفت جنبه، عينيها فيها غضب وس*خرية:آه ما هو بابا هو اللي بيصرف علينا، إنتي مالك*ش لازم*ة وإحنا أصلاً بنحب مرات بابا أكتر منك.
الكلمات نزلت على قلب كريمة زي الس*كاكين حاولت تمسك نفسها، لكن دموعها غلبتها ونزلت على خدودها وهي شايلة الشنطة بإيد مرتعشة.
حسام ومنى اتبادلوا نظرات اس*تهزاء ومشيوا قدامها بسرعة، سايبنها وراهم.
بس آسر، الصغير، وقف مكانه وبص على أمه ودموعها حس قلبه الصغير يتقبض، مد إيده الصغيرة مسك طرف جلابيتها وقال بصوت واطي:ماما ما تعيطيش، أنا بحبك.
كريمة نزلت على ركبها قدامه، حضنته بقوة وهي بتبكي أكتر آسر مسح دموعها بإيده البريئة، بس برضه مش قادر يغير اللي حصل.
وفي الآخر، رجعت كريمة البيت محمّلة بالك*سرة والوج*ع مش من قلة الفلوس، لكن من ج*حود ولادها اللي لسه مش فاهمين مين اللي بيشيل تعبهم الحقيقي.
رجعت كريمة البيت وهي لسه متأثرة بكلام ولادها، قعدت على الكنبة في الصالة، عينها لسه حمرا من البكا جارتها أم هناء خبطت الباب ودخلت كالعادة ومعاها شوية خضار أول ما شافتها وقفت قدامها، قالت بلهجة فيها حنية:مالك يا كريمة؟ وشك مخطوف كده ليه؟
كريمة حاولت تخبّي دموعها بمنديل قديم:مفيش بس الدنيا ضاغطة شوية.
لكن أم هناء ما سكتتش، قعدت جنبها وقالت:إنتي اللي شايلة البيت كله على كتافك، وولادك فاكرين إن أبوهم هو اللي بيصرف؟! ماينفعش كده لازم تحسسيهم إن تعبك له قيمة.
الكلام وق*ع في قلب كريمة زي الص*دمة قعدت طول الليل تفكر: هو أنا ليه بخليهم فوق راسي وهم مش مقدّرين؟
وتاني يوم ابتدت تتغير ولادها حسام ومنى استغربوا أول ما طلبوا مصاريف المدرسة، ردت عليهم ببرود:اطلبوا من أبوكم هو اللي كبيركم.
اتضايقوا جدًا، وابتدوا يضجروا ويعيطوا ويتخ*انقوا معاها، لكن كريمة كانت مصممة إنهم لازم يعرفوا الحقيقة.الرواية لقناة عشاق الروايات ميرا اي حد سرقها حسبي الله وڼـعمًـْ الوكيل فيه
الأيام عديت سريعة، ولادها بدأوا يحسوا بالنقص ولما راحوا عند أبوهم يشتكوا، افتكر إنه يلاقي فرصة يق*هر كريمة رجع معاهم للبيت، ومعاه مراته الجديدة، وقعدت دي تتمنظر قدام كريمة، لبس دهبها وبنتها الصغيرة ماسكة إيديها.
قال لها جوزها بسخرية:شوفتِ يا كريمة؟ مرات الراجل هي اللي بتفرّح وتدلّل مش اللي قاعدة تش*تكي طول النهار.
كريمة وقفت قدامهم، عينيها فيها دموع مق*هورة لكن قلبها بيغلي لأول مرة ما انهارتش، ردت عليه بصلابة:أنا لا بشتكي ولا بقلل أنا اللي شايلة بيتك وولادك من غير ما تحس وإنت واللي معاك آخر همي.
البيت كله اتصدم من ردها، حتى ولادها اللي كانوا متعودين يشوفوها ضع*يفة حسام بصلها بذهول لأول مرة، مش عارف يرد.
لكن كريمة دخل أوضة النوم وسابتهم واقفين، وقررت جواها إنها مش هتفضل زي الأول أبدًا.
الأيام عدّت وكريمة ما بقتش زي زمان، بقت ترجع من شغلها تعبانة، تحط الأكل لآسر بس وتقول له:تعال يا حبيبي كل معايا، والباقي ياكلوا لو عايزين حسام ومنى بقوا يضجروا أكتر، كل شوية:إنتي اتغيرتي ليه يا ماما؟! إنتي ما بقاش يهمك غير آسر!
فترد ببرود:أنا طول عمري بهتم بيكم، وعمركم ما حسيتوا دلوقتي خلوني أعيش لنفسي وللي مقدّرني.
بقت تهتم بآسر زيادة عن اللزوم، تحكيله حواديت قبل النوم، تذاكر معاه، تشتري له الحاجات الصغيرة اللي يفرح بيها، والولد بقى متعلق بيها أكتر وأكتر.
في مرة وهي بترتب الهدوم القديمة، حسّت بدوخة غريبة، وقعدت على الكنبة تمسك بطنها في الأول افتكرت إنها مجرد تعب من الشغل، لكن لما راحت تكشف عند الدكتورة، قالت لها:مبروك يا مدام إنتي حامل.
الدنيا لفت بيها، مش عارفة تفرح ولا تخاف رجعت البيت وهي سرحانة، تبص على آسر اللي نايم في حضنها وتفكر:يا ترى اللي جاي هيبقى شبه مين؟ ويا ترى هقدر أربيه لوحدي ولا لأ؟
لكن جواها، حسّت بحاجة جديدة بتتولد مش بس الطفل، لكن كمان قوة بقت تقول لنفسها:مش مهم جوزي ولا مراته ولا حتى ولادي الكبار المهم إني أنا أقف على رجلي.
وبينما هي سرحانة في أفكارها، آسر رفع عينه البريئة لها وقال:ماما إنتي هتسيبيني زي ما حسام ومنى بيسيبوني؟
حضنته بكل قوتها وقالت والدموع في عينيها:لأ يا حبيبي إنتي عمري وإنت الوحيد اللي عمره ما هيسيبني.
سلسبيل بقت حديث المدرسة كلها كل يوم تلاقي هدية جديدة: مرة وردة حمراء محطوطة على طاولتها في الفصل، مرة علبة شوكولاتة مرمية في شنطتها من غير ما تاخد بالها، ومرة ميدالية صغيرة لامعة على شباك شقتها البنات بقوا يتكلموا:يا ترى مين اللي بيبعتلها ده؟
أكيد حد معجب بيها.
لكن الغيرة أكلت قلب بعض البنات، خصوصًا شيماء اللي كانت شايفة نفسها الأجمل والأكتر شعبية في يوم وهي ماشية ورا سلسبيل في طرقة المدرسة، قربت منها وقالت بس*خرية:واضح إنك عايشة قصة حب مش فاهمينها إيه بقى، العريس السري؟
سلسبيل حاولت تتجاهل وتكمل طريقها، لكن شيماء مس*كتها من دراعها بقوة بتتمنظري علينا بالهدايا دي يا بت؟! فاكرة نفسك مين؟!
سلسبيل حاولت تهز إيدها وتبعدها:سيبيني في حالي يا شيماء، أنا ماليش ذن*ب.
لكن الغ*ل كان مالي قلب شيماء فجأة ضرب*تها بيدها على وشها، بقوة خلت سلسبيل تق*ع على الأرض قامت بسرعة تحاول تدافع عن نفسها، مدت إيدها تشدها من طرحتها وت*زقها بعيد، لكن شيماء كانت أضخم وأقوى، مسكتها من شعرها وفضلت تهزها بقسوة.
سلسبيل صوتها بدأ يتكسر من البكا والغضب:سيبينييي!
بنات تانية حاولوا يتدخلوا، بس شيماء كانت مولعة ن*ار، عنيها كلها حقد فضلت تعايرها:علشان تعرفي إن مش إنتي بس اللي البنات بتتمنى تكون مكانها!
سلسبيل بكل قوتها رفعت إيدها تدافع عن نفسها، لكنها اتعورت في دراعها ووشها اتخدش، ومع ذلك عينيها فضلت ثابتة، فيها دموع بس كمان فيها كرامة.
في اللحظة دي دخلت مدرسة الفصل فجأة، ووقفت مذهولة قدام المنظر سلسبيل مرمية على الأرض، وشيماء واقفة بتنهج وعينيها كلها غضب.
شيماء لسه واقفة فوق إسراء، بتنهج وعينيها مليانة غل، وسلسبيل مرمية على الأرض بتحاول تفتح عينيها، صوتها واطي وبتشهق من التعب. فجأة، الباب اتفتح بعنف ودخل شاب ضخم، طويل، عريض المنكبين، عينيه حادة كإنها نار.
في لحظة مسك شيماء من دراعها وزقها بعيد بقوة خلتها تت*خبط في الحيطة. صرخت:إنت مين؟!
ما ردش عليها، كان كل تركيزه على سلسبيل نزل على ركبته، شالها من الأرض بسهولة كأنها خفّة ريشة، راسها متدلدلة على كتفه وهي فاقدة الوعي البنات اتجمدوا مكانهم من الرع*ب، محدش فيهم قدر يتحرك.
هو بص لهم بنظرة واحدة كفيلة تسكت أي كلمة، وقال بصوت غليظ:اللي يلمسها تاني، مش هيشوف النور.
خرج بيها من المدرسة والكل بيتفرج، خطواته تقيلة وصوتها بيرن في الطرقة، كأن الزمن واقف.
برّه، عربية سودا فخمة كانت مستنيّة. فتح الباب الخلفي بحرص، حط سلسبيل جوه، وقعد جنبها وهو ماسك راسها بإيده يحاول يثبّتها. العربية اتحركت بسرعة في اتجاه بعيد.
بعد شوية وصلوا لقصر ضخم على أطراف القاهرة، بواباته عالية وحديدها أسود، الحرس واقفين بانتباه أول ما شافوا العربية، فتحوا البوابات فورًا.
دخل الشاب حامل سلسبيل، عدى على الرواق الكبير المليان ثريات وضوء خافت، وطلع بيها للدور التاني. فتح باب أوضة واسعة فيها سرير كبير وستاير تقيلة، مدّدها بالراحة على السرير، وبص عليها لحظة، ملامحه جامدة بس عينه فيها قلق.
في اللحظة دي، ظهر رجل واقف في عتمة الأوضة، قاعد على كرسي جلد، بيلعب بخاتم دهب في صباعه. نبرته باردة وهو بيكلم الشاب:دي مين اللي جبتها يا فارس؟
الشاب الضخم انحنى باحترام:معلش يا سليم بيه لقيتها بتت*ضرب قدام المدرسة، ماقدرتش أسيبها.
سليم الجندي اتكأ لقدام، عينه وقعت على إسراء وهي فاقدة الوعي، والوقت كله وقف للحظة.