الفصل الرابع: قناع الجليد
لم تكن عقارب الساعة قد تجاوزت الخامسة صباحاً بعد، عندما استيقظت يـون-آه على صوت طرقات عنيفة ومتتالية على باب غرفتها. فتحت عينيها بصعوبة والشمس لم تشرق بالكامل بعد، لتجد السكرتير تشوي واقفاً بملامح جادة وهو يحمل جدولاً ورقياً.
"آنسة يـون-آه، المدير مين ينتظركِ في غرفة التدريب السفليّة منذ ربع ساعة. التأخير ليس مسموحاً به في قاموسه."
نهضت يـون-آه بسرعة، وغسلت وجهها لتطرد بقايا النوم، ثم نزلت إلى القبو حيث توجد غرفة تدريب عازلة للصوت، ومجهزة بأحدث التقنيات الموسيقية. كان جـو-وون واقفاً، يرتدي ملابس رياضية سوداء مريحة، لكن ملامحه كانت حادة كالعادة.
دون أي مقدمات أو ترحيب، أشار بيده نحو المنصة وقال: "ابدئي بالإحماء الصوتي. ثماني درجات موسيقية صعوداً وهبوطاً، دون توقف لمدة ساعة".
"ساعة كاملة؟! لكن هذا قد يؤذي أحبالي الصوتية إن لم أخذ قسطاً من الراحة!" احتجت يـون-آه وهي تعقد حاجبيها.
نظر إليها جـو-وون ببرود تام، واقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة، قائلاً بنبرة صارمة: "إذا كان هذا القدر الصغير يرهقكِ، فانسِ أمر النجومية. الجمهور لا يرحم، والمسرح يتطلب حنجرة من حديد. ابدئي.. الآن".
ابتلعت يـون-آه غصتها، وبدأت بالتدريب. مرت الساعة الأولى، ثم تلتها ساعات من التدريب على الوقوف، وضبط التنفس، وإعادة غناء نفس المقطع الموسيقي عشرات المرات. كلما أخطأت في نبرة أو إحساس، كان جـو-وون يوقفها بقسوة ويعيدها من البداية.
بحلول فترة بعد الظهر، كانت يـون-آه قد وصلت إلى حد الانهيار الجسدي. تعرقت سُترتها، وشعرت بجفاف شديد في حلقها، وركبتها كادت أن تخونها وتخسر توازنها. وفي المرة المئة التي قال فيها جـو-وون: "أعيدي، النبرة باهتة"، تراجعت يـون-آه وجلست على الأرض وهي تنفث أنفاساً متلاحقة، قائلة بعناد: "أنا لست آلة! أنا بشر.. أحتاج إلى الماء، وإلى التقاط أنفاسي!".
مشى جـو-وون نحوها ببطء، ونظر إليها وهي مستلقية على الأرض بضعف. انحنى بمستواها، ورمى نحوها زجاجة ماء باردة، وقال بصوت منخفض: "خذي عشر دقائق راحة. ثم سننتقل إلى قراءة النوتة".
أثناء فترة الراحة، غادر جـو-وون الغرفة لإجراء مكالمة هاتفية. استغلت يـون-آه الفرصة لتخرج إلى الممر الطويل لتستنشق بعض الهواء. وبينما كانت تمشي، قادها الفضول نحو مكتبه الخاص في الطابق الأرضي. كان الباب موارباً، والدفء المنبعث من إضاءة الغرفة الخافتة جذبها للدخول.
كان المكتب مليئاً بالكتب والجوائز الموسيقية العالمية، لكن ما لفت انتباهها حقاً هو إطار صورة مقلوب على وجهه فوق مكتبه الخشبي الفاخر. تقدمت بخطوات حذرة، وحبست أنفاسها وهي تمد يدها لترفع الإطار وتلقي نظرة.
كانت صورة لجـو-وون في سن المراهقة، يبتسم ابتسامة دافئة ومشرقة تذيب الصخر، وبجانبه شاب آخر يبدو في نفس عمره، يضع يده على كتف جـو-وون ويضحك من قلبه. في أسفل الصورة كُتب بخط اليد: "معاً حتى نهاية العالم – جـو-وون وتاه-هيون".
"من سمح لكِ بالدخول إلى هنا؟! ومن سمح لكِ بلمس أشيائي؟!"
جاء الصوت كالرعد من خلفها. انتفضت يـون-آه برعب وسقط الإطار من يدها على الأرض، ليتشقق زجاجه بوضوح. التفتت لتجد جـو-وون واقفاً عند الباب، وعيناه تشتعلان بغضب مرعب، وجسده يرتجف بالكامل بشكل لم تره من قبل. كان يبدو وكأن جرحاً عميقاً قد فُتح في قلبه فجأة.
"أنا.. أنا آسفة، لم أقصد.." تمتمت يـون-آه وهي تتراجع، لكن جـو-وون تقدم نحوها بسرعة، وأمسك بمعصمها بقوة، ونظر إلى الزجاج المكسور، ثم نظر إليها بعينين مليئتين بالألم والغضب المكبوت.
"اخرجي! اخرجي من هنا فوراً ولا تريني وجهكِ الليلة!" صرخ بصوت مخنوق.
شعرت يـون-آه بالذنب الشديد عندما رأت تعابير وجهه؛ لم تكن تعابير رجل شرير، بل رجل مكسور للغاية. خرجت من الغرفة وركضت إلى غرفتها، والدموع تنهمر من عينيها.
في وقت متأخر من الليل، لم تضع يـون-آه لقمة في فمها. كانت تشعر بالندم، فقررت النزول لتعتذر منه مجدداً أو لتنظف الزجاج المكسور. لكنها عندما مرت بجانب غرفة المعيشة، رأته يجلس على الأرض، وبجانبه زجاجة مشروب، وهو يمسك بالصورة المكسورة ويتحسس وجه الشاب الآخر في الصورة وعيناه تلمعان بالدموع.
سمعته يهمس بصوت باكي ومكسور في الظلام: "لو أنني لم أكتب ذلك اللحن الملعون في ذلك اليوم.. لما كنت غادرت هذا العالم يا تاه-هيون.. كله بسببي".
تسمّرت يـون-آه في مكانها خلف الجدار، ووضعت يدها على فمها لتكتم شهقتها. الآن فقط فهمت.. "الوحش البارد" لم يولد هكذا، بل صُنع من وجع وفقدان صديقه المقرب، والموسيقى التي يكرهها الآن هي نفسها التي كانت شغفه القديم.
نظرت إليه بشفقة وتأثر كبير، وشعرت برغبة غامضة في أن تكون هي النجمة التي تضيء هذا السواد الذي يعيش فيه.