نَجْمَة في سَمائيِ اَلّمُظلمةُ - الفصل الأول: تحت مطر سيول المتجمد - بقلم Massina | روايتك

اسم الرواية: نَجْمَة في سَمائيِ اَلّمُظلمةُ
المؤلف / الكاتب: Massina
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الأول: تحت مطر سيول المتجمد

الفصل الأول: تحت مطر سيول المتجمد

كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، وأضواء العاصمة "سيول" تتلألأ خلف زجاج النوافذ الضخمة لشركة JK للترفيه. في الطابق العلوي، حيث الهدوء المريب والظلام الذي لا تكسره سوى إضاءة شاشة حاسوب واحدة، كان يجلس "مين جـو-وون". ​جـو-وون ليس مجرد شاب عادي؛ إنه العبقري المتخفي خلف أشهر الألحان التي تصدرت القوائم العالمية، والمدير التنفيذي الشاب للشركة. لكن خلف وسامته الحادة ونظراته الباردة كجليد الشتاء، يختبئ ماضٍ مظلم وجرح لم يندمل. بالنسبة لجـو-وون، العالم كان مجرد لونين: الأسود والرمادي. توقف عن الابتسام منذ سنوات، وأصبح يُعرف في الوسط الفني بلقب "وحش الموسيقى البارد" الذي لا يرحم أحداً. ​في هذه الأثناء، وعلى الجانب الآخر من المدينة، كانت "هان يـون-آه" تركض بكل ما أوتيت من قوة في شوارع "ميوندونغ" المزدحمة، محاولةً حماية غيتارها القديم من المطر الغزير الذي بدأ يهطل فجأة. يـون-آه فتاة في مقتبل العمر، تضج بالحيوية والمرح رغم ظروفها الصعبة. تعمل في ثلاثة أعمال جزئية لتسديد ديون عائلتها، لكن حلمها الأكبر كان دائماً أن يسمع العالم ألحانها الدافئة. بالنسبة لها، الموسيقى هي الضوء الوحيد في حياتها الشاقة. ​توقفت يـون-آه تحت مظلة مبنى ضخم لتلتقط أنفاسها. كانت ترتجف من البرد، وملابسها مبتلة بالكامل، لكن عينيها لمعتا عندما نظرت إلى الشاشة الإعلانية الكبيرة المقابلة للمبنى، والتي تعرض إعلاناً عن مسابقة JK للترفيه لاكتشاف المواهب الجديدة. قالت لنفسها وهي تبتسم برغم التعب: "هذه هي فرصتي الأخيرة.. لن أستسلم". ​بدون أن تدرك، كانت يـون-آه تقف أمام المقر الرئيسي لشركة جـو-وون. في تلك اللحظة بالذات، خرج جـو-وون من بوابة المبنى الخاصة، يحيطه هدوءه المعتاد، يرتدي معطفاً أسود طويلاً ويحمل مظلة داكنة. كان يتجه نحو سيارته الفارهة حين تملكه فضول غريب؛ لفت انتباهه صوت دافئ يأتي من زاوية المبنى. ​كانت يـون-آه، وهي تحاول التأكد من سلامة غيتارها، قد بدأت بدندنة لحنٍ عفوي، لحن مليء بالأمل والمشاعر الصادقة، يتدفق بنعومة وسط صوت هطول المطر. ​تسمر جـو-وون في مكانه. هذا اللحن.. إنه مختلف. لسنوات طويلة، لم يتحرك قلبه لأي موسيقى، لكن هذه الدندنة البسيطة اخترقت أسواره الجليدية وجعلت قلبه ينبض بقوة فجأة. التفت ببطء ليرى من صاحب هذا الصوت. ​لمحت يـون-آه ظله الضخم يقترب منها. رفعت رأسها لتلتقي عيناها بعينيه الحادتين والغامضتين. تحت ضوء عمود الإنارة الخافت والمطر يتساقط بينهما، بدا المشهد وكأنه لقطة من فيلم درامي متجمد. ​"من أنتِ؟" سأل جـو-وون بصوت منخفض، عميق، ويحمل نبرة من الذهول والحدة. ​ارتبكت يـون-آه من هيبته وتراجعت خطوة للخلف، متعثرة بحقيبة غيتارها. وقبل أن تسقط على الأرض المبتلة، امتدت يد جـو-وون بسرعة البرق ليمسك بخصرها ويسحبها نحوه. سقطت المظلة من يده، ليتدفق المطر عليهما معاً. كانت المسافة بينهما معدومة، وتلاقت نظراتهما في صمت ساحر.. صمت قطعه فقط صوت دقات قلوبهما المتسارعة وسط صخب المطر. ​نظرت يـون-آه في عينيه قائلة بإنفاس متقطعة: "أنا.. أنا آسفة، كنت فقط أحتمي من المطر". ​تأمل جـو-وون وجهها المبتل وعينيها اللامعتين كالنجمتين في وسط هذا الليل المظلم، وشعر لأول مرة منذ زمن طويل بأن سمائه المظلمة قد أشرق فيها ضوء غريب. أطلق سراحها ببطء، واستعاد بروده المصطنع بسرعة، ثم التقط مظلته وقال بنبرة جافة: "المكان هنا ليس للمتسكعين". استدار وركب سيارته وانطلق، تاركاً يـون-آه واقفة في حيرة، ممسكة بقلبها الذي يكاد يطير من صدرها. ​لكن ما لم تلاحظه يـون-آه، هو أن نوتة موسيقية صغيرة سقطت من حقيبتها المفتوحة عندما تعثرت، وقد التقطها جـو-وون قبل أن يركب سيارته. ​في داخل السيارة، فتح جـو-وون الورقة المبتلة، ليجد لحناً مكتوباً بخط يدها، وفي أسفل الورقة اسم: هان يـون-آه. نظر إلى الورقة وابتسامة خفيفة، غامضة ونادرة، ارتسمت على شفتيه: "هان يـون-آه.. يبدو أننا سنلتقي مجدداً".