النغمة الأولى 7
كانت الغابة الواقعة خلف قرية "إيلافور" تبدو، عند الغروب، وكأنها جزء منفصل عن العالم.
أشجارها العالية تحجب آخر خيوط الشمس، والضباب الخفيف الذي يزحف بين الجذوع يمنح المكان رهبة قديمة، رهبة لا تشبه الخوف بقدر ما تشبه الصمت قبل حكاية عظيمة.
ولهذا… كان الكبار يمنعون أبناءهم من الاقتراب منها.
أما أرفيوس، فلم يكن يومًا يشبه بقية الأطفال.
كان في الثانية عشرة من عمره، نحيل القامة، هادئ النظرات، يحمل في عينيه ذلك الشرود الغريب الذي يجعل الناس يتوقفون أحيانًا أثناء الحديث معه، كأن الفتى ينصت دومًا إلى شيء أبعد من أصوات البشر.
في ذلك المساء، خرج وحده.
لا لأنه أراد المغامرة.
بل لأنه شعر… بأن شيئًا ما ينتظره.
مشى فوق الطريق الترابي الضيق المؤدي إلى الغابة، بينما الريح الباردة تعبث بخصلات شعره الداكنة. وكانت القرية خلفه تغرق تدريجيًا في ضوء المشاعل البرتقالي.
خطوة…
ثم أخرى…
حتى ابتلعته الأشجار.
داخل الغابة كان الهواء مختلفًا؛ أكثر برودة، وأكثر كثافة، حتى إن أنفاسه أصبحت مرئية أمامه.
توقف أرفيوس فجأة.
هناك.
عاد ذلك الإحساس.
ذلك النداء الخافت الذي لم يسمعه بأذنيه، بل شعر به في أعماق صدره، كنغمة بعيدة ترتجف داخل قلبه.
أغمض عينيه للحظة.
ثم تبعها.
كان يسير بين الأشجار دون تردد، وكأنه يعرف الطريق مسبقًا.
الأغصان اليابسة تتكسر تحت قدميه، والضباب يلتف حول ساقيه ببطء، حتى وصل إلى فسحة صغيرة تتوسطها شجرة عتيقة هائلة الحجم.
كانت جذورها الخارجة من الأرض تشبه أذرعًا حجرية ملتوية.
وهناك…
توقف الإحساس.
فتح أرفيوس عينيه ببطء، ثم ركع قرب الجذور.
وضع كفه على التراب.
بارد.
لكنه شعر بشيء تحته.
شيء حي.
بدأ يحفر بيديه.
تسلل التراب تحت أظافره، وتلطخت كفاه بالطين، لكن ذلك الشعور كان يزداد وضوحًا مع كل حفنة يزيحها.
حتى اصطدمت أصابعه بشيء صلب.
تجمدت حركته.
أزاح ما تبقى من التراب ببطء شديد…
فظهر صندوق قديم، مصنوع من خشب داكن تتخلله خطوط ذهبية باهتة، كأن الزمن حاول طمسها وفشل.
تسارعت أنفاسه.
رفع الصندوق بصعوبة ووضعه أمامه.
كان القفل صدئًا، لكنه انفتح بمجرد أن لمسته يداه.
وكأن الصندوق… كان ينتظره.
صدر صوت خافت حين رفع الغطاء.
وفي اللحظة التالية، انعكس الضوء الذهبي على وجهه.
كانت الليرة في الداخل.
مهيبة.
أعظم من أي آلة رآها في حياته.
صُنعت من ذهب خافت اللمعان، لا يشبه بريق الحلي، بل يشبه وهج الشمس قبل الغروب. نقوش دقيقة غطت أطرافها، وكأنها كُتبت بلغة أقدم من البشر أنفسهم.
أما أوتارها…
فبدت رقيقة إلى حد يستحيل معه أن تصدر صوتًا.
ومع ذلك، شعر أرفيوس بأن الموسيقى تنبعث منها حتى وهي صامتة.
مد يده ببطء.
ترددت أصابعه فوق الأوتار للحظة قصيرة…
ثم لمس أحدها.
رنّت النغمة الأولى.
صافية.
عميقة.
جميلة إلى درجة مؤلمة.
وفي اللحظة نفسها، هبت الريح بين الأشجار فجأة، فتراقصت الأوراق حوله كأن الغابة كلها استيقظت على ذلك الصوت.
اتسعت عينا أرفيوس.
لم يشعر بالخوف.
بل بشيء آخر…
شيء يشبه الانتماء.
كأن هذه الليرة لم تكن غريبة عنه أبدًا.
وكأن يديه خُلقتا لتلامسا أوتارها.
ظل واقفًا هناك طويلًا، يحملها بين ذراعيه بحذر، قبل أن يستدير أخيرًا عائدًا إلى القرية.
وعندما وصل إلى المنزل، كان الضوء الدافئ يتسلل من النوافذ الخشبية الصغيرة.
بيت عائلته كان متواضعًا، مبنيًا من الحجارة القديمة وسقف خشبي تغطيه أعشاب جافة. ومن الداخل، كانت رائحة الخبز الساخن والحطب المحترق تمنح المكان دفئًا حقيقيًا.
كان والده، "ليون"، يجلس قرب المدفأة ينحت قطعة خشب صغيرة بسكينه المعتاد.
رفع رأسه عندما سمع الباب يُفتح.
ثم وقعت عيناه على الليرة.
صمت لثانية.
لا خوف.
لا دهشة.
فقط اهتمام عميق يشبه نظرة الحرفي حين يرى تحفة نادرة.
— "من أين حصلت عليها؟"
اقترب أرفيوس بخطوات مترددة.
— "وجدتها في الغابة."
ترك ليون قطعة الخشب من يده، ومد كفه نحو الليرة بحذر، يمرر أصابعه فوق نقوشها الذهبية.
ثم ابتسم ابتسامة خافتة.
— "جميلة…"
وفي تلك اللحظة خرجت والدته، "إيلارا"، من المطبخ وهي تمسح يديها بقطعة قماش.
لكن ابتسامتها اختفت فور أن رأت الآلة.
توقفت مكانها.
ثم قالت ببطء:
— "أرفيوس… ما هذا؟"
— "ليرة."
أجابها بحماس طفولي واضح لأول مرة.
— "أظن أنها قديمة جدًا، لكنها ما زالت تعمل! اسمعي فقط—"
— "لا."
قالتها بسرعة جعلت الصمت يهبط على الغرفة.
نظر إليها أرفيوس باستغراب.
أما ليون، فاكتفى بمراقبتها بهدوء.
اقتربت إيلارا أكثر، وعيناها مثبتتان على الليرة.
ثم قالت بصوت منخفض:
— "أكره الأشياء التي تأتي من الغابة."
تنهد ليون بخفة، قبل أن يعيد الليرة إلى ابنه.
— "إن كانت تصدر موسيقى جميلة، فهذا يكفي."
ثم نظر إلى أرفيوس وأضاف بابتسامة صغيرة:
— "غدًا… سأعلمك كيف تعزف عليها حقًا."
وفي تلك اللحظة بالتحديد…
ارتسمت أول ابتسامة حقيقية على وجه أرفيوس.
جلس أرفيوس قرب المدفأة وهو ما يزال يحمل الليرة بين ذراعيه، كأن تركها بعيدًا عنه ولو للحظة سيجعلها تختفي.
كانت النار تتراقص داخل الموقد الحجري، ناشرة دفئًا برتقاليًا لطيفًا في أنحاء الغرفة، بينما راحت إيلارا ترتب الأطباق فوق الطاولة الخشبية وهي ترمق الليرة بين الحين والآخر بنظرات غير مرتاحة.
أما ليون، فكان يبدو مستمتعًا أكثر من أي شيء آخر.
— "دعني أراها ثانية."
ناولَه أرفيوس الليرة بسرعة طفل وجد كنزًا ويريد من الجميع الإعجاب به.
مرر ليون أصابعه فوق الحواف الذهبية بإعجاب حقيقي.
— "هذا العمل ليس عاديًا… انظر إلى هذه النقوش."
اقترب أرفيوس أكثر.
— "ماذا تعني؟"
هز ليون رأسه مبتسمًا.
— "لو كنت أعرف القراءة بلغة الملوك القدماء لأصبحت رجلًا مهمًا الآن."
ضحك أرفيوس بخفة.
لكن إيلارا لم تضحك.
وضعت طبق الحساء على الطاولة بقوة أخفقتها محاولة إخفائها.
— "الملوك القدماء ماتوا منذ قرون، واتركوا خلفهم الخراب فقط."
رفع ليون حاجبه بتسلية.
— "وكالعادة، والدتك قادرة على تحويل أي حديث جميل إلى مأساة."
استدارت إيلارا نحوه فورًا.
— "وأنت قادر على التصرف كطفل رغم أن شعرك بدأ يشيب."
— "هذا وقار."
— "هذا كِبر سن."
ضحك أرفيوس دون أن يشعر.
حتى ليون ابتسم وهو يهز رأسه باستسلام.
وفي تلك اللحظة، دوّى طرق قوي على الباب الخارجي.
— "إن لم يكن هذا أندرياس، فسأندهش."
قالها ليون وهو ينهض ببطء.
فتح الباب…
فاندفع صوت امرأة قبل أن تظهر هي نفسها.
— "أقسم أن ابنك أسوأ تأثير في هذه القرية!"
دخلت امرأة طويلة ترتدي عباءة زرقاء داكنة، خلفها مباشرة أندرياس الذي كان يحمل رغيف خبز تحت ذراعه ويبدو غير مكترث إطلاقًا.
— "أمي تبالغ. أنا تأثير ممتاز."
رمقته والدته بنظرة ساخرة.
— "ممتاز؟ بالأمس كدت تسقط من فوق السطح لأنك كنت تحاول تقليد طائر."
— "وكانت تجربة علمية."
— "كانت حماقة."
ثم التفتت إلى إيلارا قائلة:
— "أخبريني بصدق… هل يولد الأولاد أغبياء أم يتعلمون هذا مع الوقت؟"
تنهدت إيلارا وكأن السؤال فلسفي جدًا.
— "لا أعلم، لكن يبدو أنهم يتعاونون جماعيًا لإفساد أعصابنا."
أما أندرياس، فأسقط نفسه على المقعد قرب المدفأة باسترخاء كامل.
— "أنتم تغارون فقط لأننا نعيش بحرية."
اقتربت والدته وصفعته بخفة خلف رأسه.
— "تحدث بأدب أيها الفيلسوف."
ثم ابتسمت له مباشرة بعد ذلك، فبدا الأمر كله أشبه بمزاح معتاد بينهما لا أكثر.
راقبهم أرفيوس بصمت مبتسم.
لطالما أحب العلاقة الغريبة بين أندرياس ووالدته؛ كانا يتشاجران طوال الوقت، لكن بطريقة مليئة بالألفة والدفء، كصديقين يعرف كل منهما جيدًا كيف يزعج الآخر.
وفجأة انتبه أندرياس إلى الشيء الذهبي بجانب أرفيوس.
توقف عن الكلام تمامًا.
— "ما هذا…؟"
اتسعت ابتسامة أرفيوس فورًا.
انتظر هذه اللحظة منذ عودته.
حمل الليرة بحماس ومدها نحوه قليلًا.
— "وجدتها في الغابة."
نهض أندرياس فورًا واقترب منها كأنها قطعة من الشمس.
انعكس ضوء النار فوق الذهب المنحوت، فبدت الليرة أكثر فخامة مما كانت عليه قبل قليل.
— "أرفيوس… هذه ليست ليرة عادية."
— "أعرف."
مد أندرياس يده بحذر شديد.
— "هل يمكنني—"
— "لا."
رفع أندرياس رأسه ببطء.
— "أنت لم تدعني حتى أكمل الجملة."
— "كنت ستلمسها."
— "بالطبع سألمسها! هل تريدني أن أنظر إليها من بعيد وأكتب قصيدة؟"
ابتسم أرفيوس أخيرًا.
ناولها له بتردد.
أخذها أندرياس بعناية، لكن شخصيته المرحة لم تسمح له بالبقاء جديًا طويلًا.
— "إذا أصبحت موسيقيًا مشهورًا، لا تنسَ صديقك الوسيم."
— "أي وسيم؟"
— "أنا."
— "أندرياس، أنت تبدو كدجاجة متعبة."
شهقت والدته فورًا من الضحك بينما وضع أندرياس يده على صدره بصدمة مصطنعة.
— "حتى أنتِ لم تدافعي عني؟"
— "لأنه محق."
قالتها وهي تجلس قرب إيلارا.
تنهد أندرياس بحزن درامي واضح.
— "لا أحد يقدّر معاناتي في هذه القرية ، يا حرااام
ثم فجأة لمع شيء في عينيه، وقال وهو يعيد الليرة إلى أرفيوس:
— "لكن بصراحة… لو رأت أوريليا هذه الليرة ستقع في حبي فورًا."
تجمد أرفيوس لثانية.
— "أوريليا ؟؟
ابتسمت والدة أندرياس ابتسامة واسعة فورًا.
— "ها قد بدأنا."
احمرّ وجه أندرياس فورًا.
— "لا تبدئي."
لكن والدته كانت مستمتعة جدًا.
— "يقضي نصف يومه قرب مزرعة والدها بحجة أنه يحب الخيول."
— "أنا أحب الخيول فعلًا."
— "أنت تخاف حتى من الدجاج."
— "الدجاج شرير."
ضحك ليون بصوت عالٍ هذه المرة.
أما أرفيوس فمال نحوه باهتمام حقيقي.
— "هل تحدثت معها أصلًا؟"
ساد الصمت لثانية.
ثم قال أندرياس بثقة مزيفة:
— "تقريبًا."
— "ماذا يعني تقريبًا؟"
— "قلت لها مرة: انتبهي، هناك طين."
حدق به أرفيوس غير مصدق.
أما والدته فوضعت يدها على وجهها يأسًا.
— "ابني شاعر حقيقي."
— "كنت أحاول إنقاذها."
— "من الطين؟"
— "كان طينًا خطيرًا."
استمرت الأحاديث بعدها طويلًا؛ ضحكات متقطعة، وتعليقات ساخرة بين الكبار، وأندرياس يحاول الدفاع عن نفسه في كل موضوع تقريبًا.
حتى تأخر الوقت، وبدأ البرد يشتد خارج المنزل.
نهضت والدة أندرياس أخيرًا.
— "هيا، قبل أن تتجمد القرية كلها."
تذمر أندرياس وهو يرتدي عباءته.
ثم التفت إلى أرفيوس عند الباب.
— "غدًا ستبدأ تعلم العزف، صحيح؟"
أومأ أرفيوس وعيناه تلمعان بحماس واضح.
ابتسم أندرياس.
— "اعزف لي شيئًا جميلًا عندما تصبح عبقريًا."
— "سأفعل."
غادر الاثنان أخيرًا، وعاد الهدوء إلى المنزل.
أطفأت إيلارا بعض المصابيح الزيتية، بينما بقي ضوء المدفأة الخافت يملأ الغرفة الأخيرة بالدفء.
أما أرفيوس، فصعد الدرج الخشبي بسرعة تكاد تكون طفولية.
دخل غرفته الصغيرة.
كانت بسيطة؛ سرير خشبي قرب النافذة، رف مليء بأحجار وريش وأشياء جمعها عبر السنوات، وستائر تتحرك ببطء مع هواء الليل البارد.
جلس على سريره، ثم أخرج الليرة برفق.
تأملها طويلًا تحت ضوء القمر المتسلل من النافذة.
غدًا…
سيتعلم العزف حقًا.
شعر قلبه يقفز من الحماس كلما تخيل أصابعه فوق الأوتار.
ابتسم وحده دون أن يشعر.
ثم وضع الليرة بعناية تحت سريره، كأنها سر ثمين لا يريد للعالم لمسه.
استلقى أخيرًا تحت الغطاء.
لكن النوم لم يأتِ بسرعة.
ظل يتخيل النغمات التي سيعزفها…
والألحان التي لم تولد بعد…
إلى أن أغلقت عيناه ببطء، بينما كان ضوء القمر ينساب بهدوء فوق أطراف الليرة الذهبية المختبئة أسفل السرير.
في تلك الأثناء و بعد نوم أرفيوس بساعة تقريبا ، ضرب برق قوي في نافدة غرفته مظهرا وجه قنديشة الحنون و المتأمل للطفل المتحمس ثم اختفت مع عودة الظلام .