لقاء الأعين
في الأيام التي سبقت العملية، كان القصر يشبه صمتًا طويلًا قبل العاصفة.
كل شيء فيه كان هادئًا أكثر من اللازم… كأن الجميع يتجنبون التفكير في اللحظة القادمة.
إيلين لم تكن خائفة كما توقعت.
لكنها لم تكن مطمئنة أيضًا.
كانت فقط واقفة بين احتمالين، لا تعرف أيهما أقسى: أن ترى، أو أن تبقى كما هي.
---
في تلك الأثناء، وصلت رسالة إلى نيكولا في العاصمة.
كانت من سانتياجو.
فتحها بسرعة، ثم قرأها بصمت طويل.
"لقد تزوجتُ سيلفيا بالفعل.
وسأنتقل إلى المدينة لأعيش في البيت.
كما اتفقتُ معك، سأبلّغ عائلة إيلين باستعادة المنزل."
أغلق نيكولا الرسالة ببطء.
ثم قال بهدوء لنفسه: "أخيرًا… الأمور تتحرك في مكانها الصحيح."
---
لكن الحقيقة كانت مختلفة في مكان آخر.
فأهل إيلين… لم يعودوا إلى البيت أصلًا.
كانوا قد استقروا بالفعل في القصر، وسط كل تلك التشابكات التي صنعتها السنوات.
ومعهم كان إدموند… الذي أصبح يُعرف باسم “ماكس” في تلك المرحلة من حياته.
---
جاء يوم العملية.
لم يكن فيه صوت كبير.
ولا وداع طويل.
فقط خطوات نحو باب أبيض… يبتلع ما بعده كل شيء.
قالت ميرا وهي تمسك يدها: "سنكون هنا."
وقال سيباستيان بهدوء: "عودي فقط."
وأمي… لم تستطع الكلام، فقط احتضنتها بصمت طويل.
أما ماكس… فوقف بعيدًا قليلاً، كأنه لا يريد أن يثقل اللحظة، لكنه لم يبتعد.
---
دخلت إيلين غرفة العمليات.
ثم أُغلق الباب.
وسقط الصمت.
---
مرّت الأيام بعد ذلك كأنها لا تنتمي لزمن واضح.
أسبوعان.
ثم جاء اليوم.
---
كان ماكس يقف أمام الباب.
نيكولا قال له قبل أن يذهب: "اليوم تُنزع الضمادات."
لم يرد ماكس كثيرًا.
فقط قال: "أريد أن أكون هناك."
---
دخل الغرفة.
كانت إيلين جالسة، وجهها مائل قليلًا نحو الضوء، ويديها متشابكتان فوق ركبتيها.
قلبه لم يكن هادئًا.
لكن وجهه بقي ثابتًا.
اقترب منها ببطء.
ثم وقف أمامها.
"إيلين…"
لم ترد.
كانت الضمادات لا تزال على عينيها.
قال الطبيب بهدوء: "الآن."
بدأت الحركة ببطء.
طبقة… ثم أخرى…
حتى انكشف وجهها للعالم.
---
لحظة صمت.
ثم رفعت إيلين عينيها.
ببطء شديد.
كأن الضوء نفسه يعتذر لها عن غيابه الطويل، و ظهرت خلف تلك الجفون قزحيتين خضراوين تشع بنور الأمل الذي ولد من جديد بداخلها.
رأت أول شيء في حياتها بعد تسع سنوات.
وجهه.
ماكس.
كان واقفًا أمامها.
عيونه الزرقاء اللامعة كانت أوسع مما توقعت، مليئة بشيء لم تعرفه إلا الآن.
دموعه كانت تسقط بصمت.
---
"أنتِ…"
لم يكمل.
لأنها فجأة نهضت، واندفعت نحوه، واحتضنته بكل قوتها.
كأنها تعوض كل السنوات دفعة واحدة.
"أنتَ…"
توقفت، ثم ضحكت وسط دموعها: "أنت أوسم مما تخيلت."
تجمد للحظة.
ثم أطلق ضحكة قصيرة، مكسورة، حقيقية.
وضمها بقوة أكبر.
---
لاحقًا، حين هدأ كل شيء، بدأت الحياة تأخذ شكلًا جديدًا.
بعد شهر، انتقل ماكس وإيلين إلى بيتٍ خاص بهما، بعيدًا عن تشابك القصر والقرارات القديمة.
بيتٌ صغير… لكنه كان كافيًا ليبدأا من جديد.
---
في أحد الأيام، طلبت إيلين من سيلين أن تخبرها عن صديقتها أليكسندرا.
ضحكت سيلين وقالت: "تزوجت جون… أخيرًا انتهت تلك الدراما الجانبية."
ابتسمت إيلين بهدوء.
ولأول مرة… لم يكن في قلبها خوف من الغد.
و بعد أقل من شهر صرح نيكولا برغبته في الزواج من سيلين رغم أنها أصغر منه بكثير، لكنه أعتاد عليها، على روحها المرحة و اللطيفة، و على فطنتها و خفتها كانت بالكاد فتاة لا يجب ان يضيعها من بين يديه.
تزوجا الإثنان بعد عناء دام طويلاً، و بعد الصراعات التي دخلت إلى حياتهما بدون إذن.
---
ومع مرور الوقت، لم تكن الحياة مثالية، ولا خالية من الندوب.
لكنها كانت حقيقية.
وكانت تمضي.
وإدموند… الذي صار يُعرف بماكس، لم يعد يهرب من اسمه ولا من ماضيه.
لأنه أخيرًا… وجد مكانًا لا يحتاج فيه إلى الاختباء.
وإيلين… وجدت عينيها، ووجدت ما هو أعمق من الرؤية نفسها.
و استمر اللقاء بعد حبٍ وفقدانٍ… إلى الأبد.
نهاية الجزء الثاني «The Meeting»
و لله الحمد أتمننا الرواية بعد جهد و عناء طويل أتمنى أن تجدوا العبرة المناسبة و تجعلوها من أساليب حياتكم🥹❤