رسالة من العاصمة
مرَّ شهران منذ عيد ميلادي الثاني والعشرين.
لم يكن الزمن يُقاس عندي بالأيام، بل بتغيّرٍ خافت في كل شيء حولي: نبرة صوت أمي أصبحت أهدأ، وميرا صارت أكثر ضحكًا، والبيت الذي دخلناه خائفين بدأ يشبه شيئًا يمكن أن يُسمّى “استقرارًا”.
لكن اسمًا واحدًا ظل يعود دائمًا، كظلّ لا يغادر.
إدموند.
---
في ذلك الصباح، كان الجو ساكنًا بشكل غير معتاد.
كنتُ أجلس قرب الطاولة حين سمعتُ خطوات سيلين تدخل بسرعة.
"وصل شيء لكِ!"
توقفتُ.
"شيء؟"
وضعت الرسالة في يدي.
ورق خفيف… لكنه بدا أثقل مما يجب.
مررتُ أصابعي عليه، ثم قلتُ بهدوء: "اقرئيه لي."
لم أتردد. لم أستطع. لم يكن هناك مجال.
قال سيباستيان من الخلف: "افتحيها أولًا."
لكنني أجبت: "أنا لا أستطيع قراءتها… سيلين، افعلي ذلك."
تدخلت سيلين فورًا: "أخيرًا دوري في إنقاذ الدراما."
أخذت الرسالة وجلست على الطاولة.
---
بدأت تقرأ بصوت واضح:
"إيلين… أنا إدموند."
توقفت لحظة، ثم قالت بنبرة أخف: "أوه… هذا يبدأ مباشرة بدون أي مقدمات. واضح أنه لا يحب الإطالة."
رمقها سيباستيان بنظرة باردة.
لكنها أكملت:
"أعرف أن ما مررتِ به لم يكن سهلاً… وأن السنوات التي فصلتنا كانت أطول مما يجب."
ساد صمت خفيف في الغرفة.
ثم تابعت:
"أنا في العاصمة الآن… وأريد أن أراكِ."
توقفت مرة أخرى، ثم قالت: "مباشر جدًا… كأنه يختصر كل شيء في جملة واحدة."
ثم واصلتْ القراءة:
"إن كنتِ مستعدة… تعالي إلى بيتي. أنا مستعد لملاقاتك."
أغلقتْ الرسالة ببطء.
---
ساد صمت ثقيل.
لم أتكلم فورًا.
كنت أسمع الكلمات وكأنها لم تُقرأ، بل وصلتني مباشرة من مكان بعيد.
قالت أمي بصوت منخفض: "هل ستذهبين؟"
لم أجب.
يدي كانت لا تزال على الطاولة، ثابتة.
ثم همستُ: "هو يريد أن يراني…"
توقفت.
كلمة “يراني” بقيت معلقة في داخلي.
ليس كفعل بسيط.
بل كفكرة لم أختبرها منذ زمن.
قال سيباستيان بهدوء: "القرار لكِ."
لكنني كنت أشعر أن القرار… لم يعد يبدأ الآن.
بل بدأ منذ لحظة وصول الرسالة.