خبرٌ مفاجئ
مرَّ شهرٌ كامل منذ قدومنا إلى المدينة.
لم يكن الزمن هنا يُقاس بالأيام كما اعتدت، بل بتغيّر الأصوات من حولي.
بعض الأصوات اختفى… وبعضها صار أقرب.
لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا: ذلك الفراغ الذي يسبق الخبر الكبير.
وذلك الخبر… جاءني فجأة.
---
كنتُ جالسة قرب النافذة، أستمع إلى الريح وهي تمر بين الشارع الحجري، حين سمعتُ خطوات سريعة في الداخل.
سيلين.
كانت مختلفة هذه المرة.
ليست تلك السيلين التي تملأ البيت ضجيجًا وتهكمًا… بل سيلين التي تحاول أن تبدو جادة رغم فشلها المعتاد.
قالت بسرعة: "إيلين… لدي خبر."
رفعتُ رأسي نحو الصوت.
"جيد أم سيئ؟"
توقفت لحظة.
"كلاهما… وربما أفضل من الاثنين."
شعرتُ بشيءٍ غريب في صدري.
اقترب سيباستيان بصمت، وكأنّه ينتظر ما سيقال.
ثم قالت سيلين أخيرًا: "ميرا قادمة."
تجمدت.
لم أفهم أولًا.
ثم أعادت: "وأمكِ أيضًا."
لم أتحرك.
لكن داخلي تحرك كله.
"أمي…؟"
خرج الاسم من فمي كأنه شيء قديم لم أستخدمه منذ زمن.
أكملت سيلين بسرعة: "بعد أن أخبرتهم ماري… بالحقيقة."
"أي حقيقة؟"
صمتت لحظة، ثم قالت: "أنكِ لم تمتِ."
توقفت أنفاسي.
تابعت: "وأنكِ لم تختفي… بل زُوِّجتِ قسرًا."
ساد صمت ثقيل.
لم أستطع ترتيب ما أسمعه.
ثم أضافت بصوت أخف: "جورج… سُجن."
تجمدت يدي.
"سُجن؟"
قال سيباستيان بهدوء: "تم التخلص من سلطته في القرية."
جلستُ ببطء، كأن الأرض أصبحت أبعد من قدمي.
لم أكن أستوعب.
كل ما ظننته ثابتًا… انهار دفعة واحدة.
أبي… سُجن.
أمي… أخبرت الحقيقة.
ميرا… قادمة.
وكل ما ظننته نهاية… كان بداية أخرى لم أفهمها بعد.
---
لم أتكلم لفترة طويلة.
ثم همستُ أخيرًا: "لماذا الآن؟"
اقتربت سيلين وجلست أمامي.
"لأن أمكِ لم تعد تستطيع الصمت."
ثم أضافت بابتسامة خفيفة: "ولأنها قررت أن تبدأ حياة لا تخاف فيها من أحد."
مررتُ يدي على الطاولة أمامي ببطء.
"هل هي غاضبة مني؟"
أجابت سيلين بسرعة: "لا."
ثم سكتت لحظة: "هي تبحث عنكِ."
انقبض صدري.
"وميرا؟"
قالت: "تبكي منذ أشهر… لكنها لم تتوقف عن الانتظار."
أغمضتُ عيني.
رغم أنني لا أرى… إلا أنني شعرتُ بشيء يشبه الضوء يتسلل داخلي.
---
في تلك الليلة، لم أنم.
كان البيت هادئًا، لكن داخلي لم يكن كذلك.
ميرا… أمي… الطريق الذي تركته خلفي دون أن أختار.
كل شيء يعود الآن… لكن بشكل مختلف.
سمعتُ سيباستيان من بعيد يقول لسيلين: "غدًا ستلتقين بهن."
لم يضف شيئًا.
لكنني فهمت.
غدًا… لن أكون كما كنت.
وفي مكانٍ بعيد من العالم نفسه…
كانت القرية التي خرجتُ منها أخيرًا تتنفس دون جورج لأول مرة، بينما تُكتب بدايات جديدة فوق أنقاض خوفٍ قديم.