عقدٌ منتهي
عدنا إلى المدينةِ عندَ المساءِ.
كنتُ أسمعُ صوتَ عجلاتِ العربةِ فوقَ الطرقاتِ الحجريةِ القديمة، وصوتَ الريحِ الباردةِ تتسلّلُ من أطرافِ النافذةِ الصغيرة، لكنَّ شيئًا بداخلي كانَ أعلى من كلِّ ذلك.
إدموند حيّ.
منذُ أن أخبرني سيباستيان، لم أعدْ قادرةً على التفكيرِ في أيِّ شيءٍ آخر.
كلُّ ما حولي أصبحَ بعيدًا… ضبابيًا… كأنَّ العالمَ كلَّهُ يقفُ خلفَ اسمٍ واحد.
إدموند.
لكنَّ الاسمَ هذه المرّة لم يحملِ الدفءَ وحده.
بل حملَ امرأةً أخرى أيضًا.
زوجته.
شددتُ أصابعي فوقَ طرفِ معطفي بصمت.
كانتْ سيلين تجلسُ مقابلي في العربةِ، ومن الواضحِ أنّها تحاولُ منعَ نفسها من الكلام… وهذا أمرٌ مستحيلٌ تقريبًا بالنسبةِ لها.
مرّتْ ثوانٍ قليلةٌ فقط قبلَ أن تقول: "أشعرُ بالجوع."
تنهدَ سيباستيان فورًا وكأنّهُ توقّع الكارثة.
"لقد أكلتِ منذُ ساعة."
"لكنّي حزينة."
"وما علاقةُ الحزنِ بالطعام؟"
"كلُّ شيء."
ضحكتُ بخفوت.
فقالتْ سيلين بسرعة: "سمعتَ؟ حتى إيلين تضحكُ معي."
أجابها ببرود: "إيلين تضحكُ شفقةً عليكِ."
"على الأقلّ هناكَ من يشفقُ عليّ."
وضعتُ يدي فوقَ فمي كي لا أضحكَ أكثر.
أما سيباستيان فتمتم: "أقسمُ أنّني سأرمي نفسي يومًا من فوقِ الجسر بسببك."
قالتْ سيلين فورًا: "لكنّكَ ستنجو لأنّ النهرَ سيرفضُ استقبالَ رجلٍ كثيرَ التجهّم."
توقّفتِ العربةُ فجأة.
سمعتُ سيباستيان يفتحُ البابَ بعنفٍ قليلًا.
"انزلي."
سألتْهُ سيلين بريبة: "لماذا؟"
"سأكملُ الطريقَ وحدي."
"أنتَ تمزح."
"للأسفِ لا."
ضحكتُ هذه المرّة بصوتٍ واضح، فتنهدَ سيباستيان باستسلامٍ وعادَ للجلوس.
ورغمَ كلِّ شيء…
كانَ وجودُهما يُخفّفُ ذلكَ الثقلَ الذي يأكلُ قلبي منذُ عرفـتُ الحقيقة.
---
حين وصلنا المنزل، شعرتُ بتعبٍ غريب.
ليسَ تعبَ الجسد.
بل تعبَ الانتظار.
ساعدتني سيلين على الجلوسِ قربَ المدفأة، بينما كانَ سيباستيان يتحرّكُ في أرجاءِ المنزلِ بصمتٍ غيرِ معتاد.
سألتهُ أخيرًا: "هل ما زلتَ تفكّرُ به؟"
سادَ الصمتُ للحظة.
ثم قال: "طوالَ السنواتِ الماضيةِ كنتُ أعتقدُ أنّهُ مات."
انخفضَ صوتُهُ قليلًا.
"كنتُ ألومُ نفسي كلَّ يوم."
شعرتُ بانقباضٍ في صدري.
لأولِ مرّةٍ فهمتُ أنّ سيباستيان لم يكنْ باردًا كما يبدو.
بل كانَ يحملُ حربًا كاملةً داخله.
قالَ بعدها بهدوء: "لكنّني حين وجدته… شعرتُ أنّني أريدُ ضربهُ وخنقهُ واحتضانهُ في الوقتِ نفسه."
ابتسمتُ بخفوت.
"وقد ضربتَه فعلًا."
سمعتُه يزفرُ ضاحكًا للمرةِ الأولى منذُ ساعات.
"نعم… ضربتُه."
ثم أضاف: "كانَ يستحقّ."
---
وفي العاصمةِ البعيدة…
كانَ المطرُ يهطلُ فوقَ نوافذِ قصرِ آلِ فالنتاين بهدوءٍ ثقيل.
وقفَ إدموند قربَ النافذة، عيناهُ الزرقاوان شاردتان في ظلامِ الخارج.
أما ليلي فكانتْ جالسةً فوقَ الأريكةِ تقلبُ صفحاتِ كتابٍ دونَ اهتمامٍ حقيقي.
قالتْ فجأة: "أنتَ تعودُ للنظرِ إلى المطرِ كلّما كنتَ حزينًا."
أجابَ دونَ أن يلتفت: "وأنتِ تراقبينَ الناسَ كثيرًا."
ابتسمتْ بخفة.
"لأنّهم ممتعون."
التفتَ إليها أخيرًا.
"حتى أنا؟"
"أنتَ الأكثرُ غرابةً بينهم."
اقتربَ قليلًا، ثم جلسَ مقابلها بصمت.
كانَ واضحًا أنّهُ يريدُ قولَ شيءٍ منذُ ساعات.
ولأنّ ليلي تعرفهُ جيدًا… أغلقتِ الكتابَ قبلَ أن يبدأ.
قالَ أخيرًا: "و أخيراً التقيتُ سيباستيان."
تجمّدتْ ملامحُها لثانية.
"صديقكَ الذي ظننتهُ مات؟ أكان هو نفسه الذي لكمك في المحل؟! "
أومأ برأسه.
"وهو أخبرني… أنّ إيلين حيّة."
سادَ الصمت.
ثم سألتْ بهدوء: "هل ستذهبُ إليها؟"
أغمضَ عينيه للحظة.
"أريدُ ذلك."
لم تغضبْ.
ولم تصرخْ.
بل ظلّتْ هادئةً على نحوٍ أزعجهُ أكثر.
قالتْ بعدَ لحظات: "إذنْ لنستمتعْ بهذهِ اللحظة."
رمشَ باستغراب.
"أيّ لحظة؟"
"لحظةُ اعترافكَ أخيرًا بأنّكَ لم تحبّني يومًا."
تنهدَ بتعب.
"ليلي…"
رفعتْ يدها مقاطعةً إياه.
"لا بأس. أنا أيضًا لم أحبّكَ في البداية."
سكتَ قليلًا.
"وفي النهاية؟"
ابتسمتْ ابتسامةً صغيرةً باهتة.
"في النهاية أصبحتُ معتادةً عليك."
تألّمَ قلبُهُ عندَ سماعها.
لأنّهُ يعلمُ أنّ ليلي لم تكنْ سيئةً يومًا.
كانتْ فقط… وحيدة.
قالَ بصوتٍ منخفض: "أريدُ إنهاءَ هذا الزواج."
نظرتْ إليهِ طويلًا.
ثم قالت: "حسنًا."
رفعَ رأسهُ بسرعةٍ وكأنّهُ لم يتوقّع الموافقة.
لكنّها أكملت: "بشرط."
ضيّقَ حاجبيه.
"ما هو؟"
وضعتِ الكتابَ جانبًا ونهضتْ متجهةً نحوه بخطواتٍ هادئة.
ثم قالتْ بثقة: "إن كنتَ ستطلّقني… فأوجدْ لي رجلًا آخر."
فتحَ عينيه بدهشة.
"ماذا؟"
"زوجًا هذه المرّة… يحبّني فعلًا."
مرّتْ لحظةُ صمت.
ثم قالَ بصدمةٍ حقيقية: "هل تحوّلَ الأمرُ إلى سوقِ تبديل؟!"
ضحكتْ ليلي أخيرًا.
ضحكةٌ خفيفةٌ نادرة.
"أنتَ مدينٌ لي."
وضعَ يدهُ فوقَ جبينه.
"ليلي… الناسُ لا يجدونَ الأزواجَ كما يجدونَ الخبز."
قالتْ ببرود: "هذه ليستْ مشكلتي."
ثم اقتربتْ أكثر وهمستْ بخبث: "وأريدهُ وسيمًا."
حدّقَ بها غيرَ مصدّق.
"أنتِ مستحيلة."
ابتسمتْ بانتصار.
"لكنّكَ وافقت."
تنهدَ طويلًا… ثم ضحكَ.
ضحكةٌ متعبة، لكنها حقيقية.
وفي المدينة…
كنتُ أجلسُ قربَ المدفأةِ أضمُّ يدي إلى صدري، دونَ أن أدري أنّ القدرَ بدأَ أخيرًا يُعيدُ ترتيبَ الطرقِ التي فرّقها منذُ سنوات.