ما بعد اللقاء
لم يعد سيباستيان إلى المنزل تلك الليلة باكرًا.
كنت أجلس قرب النافذة المفتوحة أستمع إلى المطر الخفيف وهو يطرق الخشب الخارجي بإيقاع هادئ، بينما كانت سيلين نائمة على الأريكة بعد أن أمضت ساعة كاملة تتذمر لأن الحساء الذي طهته احترق.
أما أنا… فلم أستطع التوقف عن التفكير.
كان هناك شيء تغيّر منذ سفر سيباستيان الأخير.
شيء ثقيل يختبئ داخل صمته.
وحين سمعت أخيرًا صوت الباب يُفتح، نهض قلبي قبل جسدي.
دخل بخطوات بطيئة.
مبتلًا بالمطر.
ومتعبًا بصورة لم أعهده بها.
وقفت فورًا.
"سيباستيان؟"
لكنه لم يجب مباشرة.
سمعت صوت معطفه وهو يُخلع، ثم صوت الكرسي الخشبي حين جلس عليه بثقل.
ساد الصمت.
صمت طويل… حتى بدأت يداي ترتجفان.
همست أخيرًا:
"... هل وجدته؟"
سمعت زفيرًا عميقًا منه.
ثم قال بصوت منخفض:
"وجدته."
توقفت أنفاسي.
شعرت كأن العالم كله أصبح بعيدًا فجأة.
حتى المطر اختفى صوته.
فقط تلك الكلمة بقيت تتردد داخل رأسي.
وجدته.
وضعت يدي فوق صدري بسرعة.
قلبي كان يؤلمني من شدة خفقانه.
"إدموند…؟"
أجاب بهدوء:
"حي."
ارتجفت شفتاي دون إرادة.
أربع سنوات…
أربع سنوات وأنا أعيش بين الأمل والخوف، بين التصديق والإنكار.
والآن…
هو حي فعلًا.
شعرت بدموعي تنساب قبل أن أستطيع منعها.
ضحكت بخفة وسط بكائي.
"كنت أعلم…"
خرج صوتي ضعيفًا.
"كنت أعلم أنه حي."
ساد الصمت للحظات.
لكن شيئًا في هدوء سيباستيان جعل ابتسامتي تضعف تدريجيًا.
رفعت رأسي نحوه ببطء.
"ما الأمر؟"
تردد طويلًا هذه المرة.
طويلًا حتى بدأ الخوف يتسلل إلى صدري مجددًا.
ثم قال أخيرًا:
"إدموند لم يعد إدموند."
عقدت حاجبيّ بعدم فهم.
"ماذا يعني هذا؟"
سمعت صوت أصابعه وهي تضغط فوق الطاولة الخشبية.
"لقد غيّر اسمه."
شعرت بالتوتر يتسلل إليّ.
"إلى ماذا؟"
"... ماكس."
تجمدت للحظة.
لكن الاسم لم يكن ما صدمني فعلًا.
بل الصمت الذي تبعه.
ذلك الصمت الذي يسبق الكلمات السيئة دائمًا.
ثم قال سيباستيان بهدوء أثقل من أي صراخ:
"وهو متزوج."
في تلك اللحظة شعرت أن شيئًا انكسر داخلي بصمت.
تراجعت خطوة صغيرة دون وعي.
أحكمت قبضتي فوق طرف ثوبي.
"متزوج…؟"
خرجت الكلمة هامسة… مكسورة.
أغمض سيباستيان عينيه للحظة قبل أن يكمل:
"اسمها ليلي."
لم أعرف ماذا أشعر.
كنت سعيدة لأنه حي…
لكن الألم كان أكبر من قدرتي على فهمه.
سألت بصعوبة:
"... هل يحبها؟"
أجاب فورًا:
"لا."
ثم بدأ يخبرني بكل شيء.
كيف عاد إدموند إلى القرية بعد نجاته من الجنود.
كيف بحث عني.
كيف أخبروه أنني مت.
وكيف دفن اسمه القديم بعدها.
ثم أخبرني عن ليلي.
فتاة ثرية أراد والدها تزويجها لرجل لا تحبه.
وإدموند كان يحتاج اسمًا جديدًا وحماية جديدة ليختبئ من الجنود الذين ما زالوا يبحثون عنه.
لهذا تزوجها.
صفقة.
ليس حبًا.
لكن رغم ذلك… كان الألم موجودًا.
همست بصوت مرتجف:
"إذن… أصبح شخصًا آخر."
قال سيباستيان بهدوء:
"لا."
رفعت رأسي نحوه.
"هو فقط يحاول الهرب من نفسه."
ساد الصمت للحظات.
ثم سمعت حركة خفيفة.
اقترب سيباستيان ووضع شيئًا صغيرًا فوق الطاولة أمامي.
مددت يدي أتحسسه ببطء.
ورقة.
سميكة وفاخرة.
قال:
"هذا عنوان قصره."
ارتجفت أناملي فوق الورقة.
ثم سمعت صوته يقول بهدوء:
"علينا العودة إلى المدينة."
رفعت رأسي نحوه بسرعة.
"الآن؟"
"في أقرب وقت."
ترددت أنفاسي.
"حسناً.. "
ساد الصمت للحظة قصيرة.
ثم قال سيباستيان:
"حين أخبرته أنكِ حيّة… بدا وكأنه عاد للحياة من جديد."
شعرت بدموعي تحرق عينيّ.
أخفضت رأسي بسرعة حتى لا يسمع أحد ارتجاف صوتي.
لكن قلبي…
قلبي كان يسمع اسمه فقط.